الرئيسية » مقالات » استحقاقات ما بعد الانتخابات ..

استحقاقات ما بعد الانتخابات ..

أراني متفقا مع جميع من أكدوا على أهمة الانتخابات العراقية الأخيرة وتقييم نتائجها إيجابيا، وكنت قد أبديت ملاحظات أولية عن الموضوع في مقالي الأخير بإيلاف تحت عنوان [ العراق من بوش إلى أوباما 2-2].

إن النتائج بداية تغيير وانعطاف في مزاج جماهير واسعة من المواطنين، الذين جذبتهم الشعارات الوطنية في الحملة الانتخابية وليس الدعوات الطائفية، فقد صوت الناخبون في محافظات ومناطق عديدة لشعارات سيادة القانون، والخدمات، والحكم المركزي القوي، ومكافحة الطائفية والمحاصصة، ومن بين النتائج، نود الإشارة الخاصة لنجاح قائمة المالكي في بغداد والبصرة، وما يعنيه، بالنسبة للبصرة والجنوب، من فشل مشروع إقليم الجنوب أو إقليم البصرة، يضاف نجاح قائمة الدكتور علاوي العلمانية. كما أن لنجاح السياسي العلماني السيد يوسف الحبوبي في كربلاء مغزى كبير، فقد فاز في معقل الأحزاب الدينية، مما يدل على بداية ميل قوي نحو القوائم السياسية غير الدينية، ومما أشار له المعلقون أيضا كثافة التصويت في المناطق الغربية ونينوى، التي كانت مراكز مقاطعة وعنف.

أجل، كانت النتائج هامة جدا، ودليل بداية انعطاف لصالح الأمل في التغيير بعد أعوام من الفوضى والتفجيرات والاحتراب الطائفي والتطهير الديني والفساد وتدهور الخدمات الأساسية.
أمام هذه النتائج، يجب الحذر من إصدار أحكام قاطعة، فاصلة، باتجاه المبالغة في مغزى ما حدث، وكأنما صار العراق ديمقراطيا بالفعل. نعم بداية انعطاف ولكن المسيرة طويلة جدا، والعقبات كبرى، واستحقاقات ما بعد الانتخابات شديدة التعقيد والتشابكات.

إن في مقدمة هذه الاستحقاقات:
1- مواصلة تدريب وتقوية قواتنا المسلحة وقوات الأمن، وتطهير سلك الشرطة، ومواصلة العمل الفعال لضمان الاستقرار الأمني، الذي لا يزال يواجه الأخطار؛
2 – الانكباب الفوري الجدي على إصلاح الخدمات، وتوفير الأعمال، ورفع المستوى المعيشي للمواطنين؛
3 – مكافحة الفساد جديا ومحاسبة الفاسدين، ولذا نؤيد الدعوة إلى منع أعضاء المجالس المنحلة للسفر لغرض النظر في حالات كل من أعضائها، ومحاسبة من تثبت عليه تهم خطيرة كالفساد أو تشجيع الاغتيالات على أساس الهوية؛
4 – مكافحة الطائفية، ووضع الخطط الواقعية للخروج من نفق المحاصصة؛
5 — إعادة النظر في الدستور بما يقوي صلاحيات العاصمة الاتحادية، وبما يلغي الإشارة لأحكام الشريعة،. وهنا نود التأكيد مجددا على وجوب الاستنارة بتجارب الدول الفيدرالية الغربية من حيث منح صلاحيات محلية واسعة للمحافظات والمناطق، وحصر القضايا المركزية، كالثروات الوطنية، والسياسة الخارجية، والدفاع، وبرامج التعليم في أيدي الحكومة المركزية. هنا أيضا، لابد من استدراك أن الحكومة المركزية في حالة كحالة العراق لا يجب أن تعني حصر كل الصلاحيات في يد شخص رئيس الوزراء.
6 – سياسة جديدة لصالح الأقليات الدينية التي جرى بفظاظة تهميشها في القانون الانتخابي الذي يجب تعديله؛
7 – العمل لوقف التدخل الإيراني واسع النطاق؛
8 – وهذا هام جدا، العودة لقانون الأحوال المدنية رقم 188 لعام 1959 لعبد الكريم قاسم، ومما له مغزاه استقالة الوزيرة الخاصة بالمرأة العراقية لأن وزارتها لم تستطع، حسب قولها، فعل شيء يذكر للمرأة التي تحملت الأعباء الكبرى من الآلام منذ زمن صدام وليومنا، وقد ذهلنا عندما قرانا عن استمرار وتوسع جرائم قتل المرأة باسم.”غسل العار”، ولاسيما في البصرة حيث وصل سعر قتل المرأة إلى 100 دولار!!

إن أية واحدة من هذه الاستحقاقات وغيرها لا تعالج بسهولة، وبلا عراقيل كبيرة، نظرا لاستمرار هيمنة الأحزاب الدينية، والعشائرية، والتخلف الاجتماعي.
لقد برهن المالكي على كونه رجلا وطنيا حريصا على مصالح البلد وأمن المواطنين، وإن رفع قائمته لشعارات مدنية ووطنية عامة، وضد الطائفية والمحاصصة، خطوة إيجابية كبرى، نأمل أن تنعكس في القرارات والسياسات العملية، وفي تشكيل مكتبه بالذات. إن العراق بحاجة لكفاءات إدارية وتقنية لتكنوقراط وطنيين نزيهين، بغض النظر عن الدين والمذهب والقومية، والمالكي مدعو للبحث عن أمثال هؤلاء والاستفادة من خبرهم وتوصياتهم.

لا نعرف كيف ستتم التحالفات الجديدة، وعلى أي أساس، وكيف ستحل عقد الخلاف مع الجبهة الكردستانية، إذ على ذلك ستتوقف المسيرة حتى الانتخابات العامة. العراق هو في مناخ ديمقراطي، ولكن النظام لا يزال نصف ديمقراطي، إن صح التعبير، لكونه قائما على المحاصصة، ولهيمنة التيارات الدينية.

إن النتائج الباهرة للانتخابات المحلية قد عززت تجارب الموطنين الانتخابية، ويجب تشجيع هذه الممارسة الديمقراطية، آملين أن تأتي الانتخابات العامة بنتائج أكبر، وبما يضع العراق على سكة الديمقراطية المدنية، وصولا لها متكاملة بعد سنوات تالية، فالطريق لا يزال طويلا، ولكن فلنتسلح بالأمل والتفاؤل.