الرئيسية » بيستون » نموذج حي عن محنة الأكراد الفيلية في العراق

نموذج حي عن محنة الأكراد الفيلية في العراق

كان عدنان شابآ لطيفآ ٠٠ أنيقآ٠٠ ذكيآ وخاصةً في المواد العلمية٠٠ كان يدرس معي في الصف الثاني في متوسطة سومر للبنين في الناصرية عام ١٩٧٠ ٠٠ وكنت أعتبره من أصدقائي المقربين الذين أرتاح إليهم كثيرآ ٠٠ في أحد أشهر السنة الدراسية الأخيرة أحسست أن حالته بدأت بالتغيّر وكما يقال :لم يكن على مايرام٠٠ كنت أشاهده يتمشى منفردآ في ساحة المدرسة!!٠٠ وتبدو على محياه الكاٌبة والحزن ٠٠ وكان ساهيآ يتحدث مع نفسه!! فكرت بوضعه وقلت لنفسي:لأتكلم معه بصراحة لمعرفة أسباب ذلك! لوحت له بيدي صائحآ بإسمه من بعيد٠٠ أجابني ولكن دون إبتسامته المعهودة هذه المرة! إقتربت منه قليلآ سائلآ إياه:ماذا بك؟! وهل من شيء!٠٠ هل أنت مريض؟٠٠الخ٠٠ صمت بألم وتلفت بذهول وحذر الى الخلف،ثم قال لي بصوت واهن منكسر تخنقه العبرات:

سوف يرحلوننا الى إيران!! لم أفهم حينها أي شيء عن الموضوع، لكنه إسترسل بشرحه لي ولو بشكل متقطع ،حيث كان لا يقوى على إخراج الحروف بسهولة! موضحآ :أن أجهزة ألأمن أبلغوا والده بأمر التسفير الى إيران! قائلين لهم: عليكم الأستعجال بالتنفيذ !! لأنهم وحسب ما ذكروا لهم [من التبعية]أي بمعنى أنهم إيرانيون !! ثم أردف بأسى قائلآ:أنا ولدت في الناصرية وأحبكم ولا أعرف فارسي!، ولا يمكن أن أتصور بأنني يمكنني العيش في بلد غير العراق!!٠٠ شعرت بألم عظيم إنتابني برهة وأنا أستمع إليه ولم تطرأ على بالي حينها أية أفكار أساعده بها لكي أنتشله من مصابه الأليم! وذلك لصغر سني ومحدودية إمكانياتي قياسآ مع جبروت السلطة وفقدانها الرحمة والأنسانية والشعور بالمسؤولية ٠
أتذكر أنني سألته:هل أن أباك إيراني لكي يبعدوكم إليها!؟ فقال:نحن في الأصل أكراد فيلية ، وأن أبي وأمي وإخوتي ولدوا جميعآ هنا! وليست لدينا أية صلة قرابة مع أحد في إيران! ولا أتذكر أن أحدآ من أفراد عائلتنا سبق له إن سافر إلى إيران ! ٠٠٠٠ ومنذ ذلك التاريخ الحزين لم أعد أرى زميلي وصديقي عدنان الذي إنقطع قسرآ عن مواصلة الدراسة! ولازلت أتذكر ملامح وجهه للآن !٠٠ ومنذ ذلك اليوم وتلك الحقبة المأساوية إشتد حقد النظام المقبور على الأكراد الفيلية ،حيث جرى إضطهادهم بقسوة ليس لها نظير ،وسلبت منهم وثائقهم الثبوتية وصودرت أملاكهم من بيوت ومحلات ومقتنيات شخصية! وبعد أن أعدم النظام منهم اٌلوف الشباب بدون أن توجه لهم أية تهمة سوى أنهم أكراد من جانب وشيعة من جانب اٌخر! بالأضافة إلى أن ألوفآ منهم كانوا ومازالوا مع أو قريبين للحزب الشيوعي العراقي ويساندون
قوى اليسار والديمقراطية في مجتمعنا العراقي ٠٠ وهذه هي التهم الحقيقية الموجهة ضدهم!!

والتي تتعلق بالهوية الوطنية والطبقية والقومية والطائفية!٠٠ والتي يتشرفون بحملها برأسٍ مرفوع ،لأنها تمثل لهم شخصيتهم العراقية الأصيلة،والتي لايمكنهم الأنسلاخ عنها أبدا٠٠ وحينما شبت نيران الحرب بين العراق وإيران في الثلث الأخير من عام ١٩٨٠ بدأ النظام ذاته بشن حملة واسعة ومنظمةعليهم هذه المرة وكانت أبشع من سابقاتها! حيث جرى تشريدهم من أماكن عملهم ودراستهم وسكناهم ولم
يراعي أزلام النظام شيخآ أو طفلآ أو إمرأةً حامل أو مريض،ولم تكن حرمات دخول البيوت دون إستئذان من أصحابها -من ضمن طباعهم- لذلك كانوا يقومون بحشرهم بالشاحنات التي تقوم برميهم على الحدود مع إيران لملاقات مصيرهم المجهول!! 

الحكومة الحالية للأسف بخطوات جادة لأنصافهم كما بدأت تفعل ذلك لبعض المتضررين من فئات
الشعب الأخرى[وهي تشكر على ذلك أيظآ] ٠

لذلك أرى أن الوقت الآن مناسب جدآ لكي تتخذ الحكومة الحالية خطوات إنسانية عاجلة لرفع الحيف الذي لحق بالأكراد الفيلية وتقديم الأعتذار لهم بإسم الشعب العراقي وإعادة وثائقهم وممتلكاتهم التي سلبت منهم عنوة، وتعويضهم المادي والمعنوي عن الخسائر الجسيمة التي لحقت بهم وإ نصاف عوائل شهدائهم إسوة ببقية شهداء الشعب العراقي، ويجب على ألإعلام العراقي أن يهتم بهذه المعانات
الإنسانية لكي يساهم بفاعلية تساعد على رفع الحيف والمظلومية عنهم٠