الرئيسية » مقالات » أربعينية الحسين ..اكبر ماراثون روحي في التاريخ

أربعينية الحسين ..اكبر ماراثون روحي في التاريخ

الحقيقة التي لا ريب فيها أو شك , إن التاريخ البشري صيرته وكونت أحداثه الاستثناء.. والاستثناء سائس عظيم للقاعدة الإنسانية …. والحبل الذي يجر عربة التاريخ إلى الانجاز والتحول والصيرورة والاكتمال النسبي …
فبوذا المعلم الذي اعتبر مخاض التحول والانتقال مصدر شقاء الجنس البشري , قد أنجز فلسفة ورؤيا للحياة لتدمير ( غريزة البؤس ) والحرمان في خارطة التحول البشري ..
والمسيح المنقذ الذي مزقت كهنة الأديرة المستبدة ثيابه في محاكمته اليسوعية , دينيا أمام الكاهن (حنان وقيافا ) , ومدنيا أمام هيرودس وبيلاطس , ترجى الرب أن يواصل مسيرته لإنقاذ العالم وهو يصرخ ( الهي ..الهي .. لماذا تركتني ) …
وكوبرنيكوس الذي أعدمته الكنيسة الكاثوليكية حرقا بمجرد اكتشافه بدوران الأرض حول الشمس , ذهب إلى مقصلة محرقته الأخيرة وهو يردد ( ومع ذلك فهي تدور .. ) إصرارا منه على إيقاظ العقل الجمعي البشري المجنون …
وغاليلو الذي اثبت ( كروية الأرض ) قد دفع حياته ثمن اكتشافه هذا الإثبات العلمي , في سجن التفتيش العام الكنسي لما كانت أوربا الإنجيلية تغرق في عصورها الوسطى المظلمة …
ورجل التوحيد العظيم إبراهيم الخليل , الذي ولد في أسرة كافرة تصنع الآلهة من التماثيل لشعبه في أور الكلدان , وقف بالضد من أسرته اللاهوتية المشركة , ونظام مجتمعه العبادي الذي كان يقدس ويعبد النجوم والكواكب وتعاليم عروش الكهنة الساذجة .. فتحمل خليل الله الشقاء والبلاء ومحاولة إعدامه حرقا بالنار المستعرة التي تحولت بردا وسلاما بمشيئة رب العزة والعرش العظيم …
وهكذا دواليك من استشهادات وبينات ومآسي استثناءات التاريخ وفرسان التحولات الكبرى وأئمة مخاضات التغيير وآلامه ..
ولكن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي – عليه السلام – , سادس خلفاء الراشدين , يعد الاستثناء الأكثر قداسة وتفردا ونصوعا , والخصوصية الاستثنائية الأكثر فرادة وتعبيرا في العقل الجمعي الخاص والعام …
بل الأكثر كونية في أفق العالم الإنساني
والأكثر تحولا من خصوصيته المحلية إلى خصوصيته العالمية ..
الخصوصية العالمية هذه تتنوع وتتعدد في مسارات فكر النخب واتجاهات تعاطف الرأي العام ..
فالمهاماتا غاندي الذي يقر بمعرفته القليلة نسبيا بالهندوسية التي تربى وترعرع عليها , يتماهى ومظلومية الحسين بن علي , تماه عقليا ومعرفيا وحركيا , والتعاطي مع هذا الحدث التاريخي الحسيني ومظلوميته لانتصار دولته الهندوسية وذلك بقولته الشهيرة ” تعلمت من الحسين كيف أكون مظلوما فانتصر ” …
والمستر روزفلت الصغير , ليس نجفيا ولا كربلائيا , ولا يمت بصلة لبيئة الجنوب العراقية أو للفرقة العلوية في طرطوس أو حمص السورية ,نبس ببنت شفة على طريقته الروزفلتية وترك شهادته للتاريخ واضحة , بينة لا لبس فيها , مفادها : بان محاربي ومقاتلي جيوشهم مهما بلغوا من وحشية وقسوة وطغيانا واستهتارا , فانه لم يسمع عنهم إنهم قتلوا ابن نبي ينتسبون إليه , ولاجردوا بنات بنات نبيهم واله من ثيابهم وسحلوهن في الصحراء سبايا …
الشهادة الروزفلتية هذه , ليس وحدها , فسبقتها وأعقبتها شهادات وشهادات كشفت الوجه القبيح لحكومة بني أمية الاستبدادية وسلالتها الإجرامية …
الألماني كارل بروكلمان .. الأميركي غوستاف غرونييام ..الايطالي الدوميلي .. الهولندي دينهارت دوزي , الانكليزي جون اشر .. الهنغاري اجنانس غولد تسيهر , وسواهم وغيرهم , مستشرقون ومفكرون وقادة ورجال عظام …
نطقوا بالحقيقة التي لم ينطقها بعض من ناطقي اللغة العربية ..
وباحوا بالنص الصريح المحايد الذي سر أصدقاء الحقيقة , متدينون وعلمانيون , وأغاظ سلالة بني أمية التي تتناسل في حكومات سياسية واجتماعية ودينية ومذهبية ..
والإقرار بكونية الحسين بن علي …
الذي كان موته انتصار , وغيبته وجود , ورأسه المقطوع شهادة , وتربته مزار , وثيابه وذريته قداسة , وندائه شاهد أدانه على الظالمين , وزمنية كربلائه لكل العصور ..
وهاهي الجموع المليونية البشرية من العراق ودول الجوار وغير الجوار
تزحف زحفا حسينيا .. في الليالي والنهارات .. مشيا على الأقدام .. وزحفا على البطون والأكتاف والركب ..في طقس ماراثوني كبير لم يشهد له التاريخ من ذي قبل …
طقس ماراثوني روحي , بفطرية الاعتقاد .. والتوشح بالسواد ..
وإعلان الحداد في الذات الحسينية قبل التمظهر بمظاهر الحزن والبكاء ولبس السواد …
طقس ماراثوني روحي .. لتجديد البيعة.. ونصرة المظلوم.. والاستشهاد في سبيل العدل الاجتماعي ..
طقس ماراثوني روحي ..للتأكيد على مقاومة منظومة المنكر الفاحشة وجميع أشكال البطش والاستلاب والاضطهاد الذي مازال ساري المفعول …
فمازالت الأرض تلد ألف يزيد ويزيد عراقيا وعربيا وإسلاميا .. اكرر : عراقيا وعربيا وإسلاميا ..
وماانفكت ديدان يزيد تأكل جلودنا وتنخر باحشاءنا , وسياطه تجلد ذواتنا وتسومنا سوء العذاب …
ومازالت السلالة الأموية غير الشريفة تلجم أفواهنا وتغشي أبصارنا وتسبي نساءنا , وتقتل نفوسنا وفلذات أكبادنا ..
ومازال شهداء كربلاء يموتون كالأشجار على يد التكفيريين والميليشياويين وصناع الموت من الإرهابيين …
فتهافتوا يا إخوتي في المظلومية .. فرادى ومثنى وزرافات ….
يا حجيج كربلاء …
إلى الحسين , وتطهروا , فلوقت قصير …