الرئيسية » مقالات » معركة نهر الزاب الصغير

معركة نهر الزاب الصغير

كان فصل الشتاء والبرد القارس مهيمنا على أهالي ناحية آغجلر والغيم الداكن يغطي سماء الناحية، شمس خجولة تظهر بين الفينة والأخرى، كانت العوائل معتكفة في بيوتها تهربا من البرد والمطر والرعد، كان أفراد عائلة بكر حمة أمين ومعروفة بأسم أبو شيرين جالسين حول موقد النار داخل إحدى غرف البيت، بعد غروب الشمس ساد الصمت، سمعت شيرين جلجلة خارج الدار فاتجهت بنت بكر أمين صوب الباب الخارجي لتعرف مصدر هذه الجلجلة، ما هي لحظات إلا و تفاجأت بدخول مجموعة من المسلحين من كلا الجنسين من فصائل الأنصار الشيوعيين إلى الناحية ليأخذوا قسطاً من الراحة عندهم. ثم شاهدت جمهرة من الناس حولهم ولما نظرت شيرين إلى أهالي القرية لاحظت بعض التغيرات في ملامح وجوههم، ينظر احدهم للآخر وسادت الوشوشة فيما بينهم، وعيونهم متجهة صوب المسلحين.

في تلك الليلة شعر أهالي القرية باختناق يلج روحهم وأنفاسهم وكيانهم خوفا أن تعلم القطاعات العسكرية في المنطقة بوجود المقاتلين من الأنصار الشيوعيين بينهم وتقوم بقصف الناحية. ورغم ذلك الخوف كانت شيرين في مقدمة أبناء القرية في استقبال هؤلاء الأنصار، وأخذت تنظر يمينا وشمالا، وفتحت باب دارها مرحبة هي وعائلتها وقدمت ما لديهم من المأكل والمشرب لهم، ودار الحديث بينهما وبالأخص بين شيرين والنساء المقاتلات حول كثير من المواضيع السياسية والاجتماعية .

كانت تلك الليلة مظلمة وباردة وتصفر السماء بصوت الرعد وضوء البرقي، كان الجنود نائمين في خيمهم ملفوفين بأغطيتهم هربا من البرد، لكنهم لم يهنئوا بنومهم ولا بدفء أسرتهم فقد أمروا بالتهيئة للمعركة، بدأت القطعات العسكرية من الجيش العراقي ومعهم أفواج الجحافل الخفيفة بالقدوم والتجمع على الأطراف المحيطة بالناحية والمناطق القريبة منها، استعداداً لهجومها على ناحية أغجلر بسبب وجود المسلحين في المنطقة، على غرار المعلومات التي وصلت إليهم بواسطة أحد عملائهم من داخل الناحية بوجود مفرزة من البيشمركة الشيوعيين فيها .

بعد ان أكملت تلك القطعات استعدادها، تم تهيئتها وأعدادها على أحسن ما يرام قبل الشروع بالهجوم، كما تم تحديد ساعة الصفر والإشارة بالشروع في الهجوم على عدة محاور ووفق الخطة المرسومة، باشرت هذه القطعات العسكرية بقصف الناحية بالمدفعية والأسلحة المختلفة قبل الفجر، ثم شنت هجوماً واسعاً على المنطقة في الساعات الأولى من الصباح أي قبل أشراقة الشمس بغرض القضاء على تلك القوات التي تتمركز في ناحية أغجلر(تلك الناحية الصغيرة الجميلة والجذابة القابعة فوق رابية بالقرب من نهر الزاب الصغير)، وبالرغم من هطول المطر وعرقلته لآلياتها حيث انغمست في الوحل.
أثناء تقدم الجيش العراقي نحو الناحية وبعد قصفها بالمدفعية الثقيلة والخفيفة واستخدامها الدبابات والمجنزرات والهليكوبترات وغيرها من المعدات التي زجت في المعركة، فقد تصدت لتلك القوة المهاجمة قوات البيشمركة من أنصار الحزب الشيوعي بمساعدة أهل القرية وبالأخص عائلة بكر حمة أمين لمنع القطعات العسكرية من الدخول إلى الناحية المذكورة ولعبت شيرين دورا فعالا في تلك المعركة، دار قتالاً عنيفاً بينهما أستمر حتى مساء ذلك اليوم، ولم تستطع تلك القوات من التقدم للأمام إلا بعد أن أنسحب الأنصار الشيوعيين بصورة مؤقتة وتكتيكية باستغلالهم معركة كر وفر باتجاه الجبال والوديان، كما تم إنقاذ أهالي القرية وبالأخص الأطفال والشيوخ وبعض النساء من النيران المدفعية وطائرتها السمتية التي دخلت المعركة بشكل مستمر ومركز على الناحية .

قامت قوات الأنصار الشيوعيين بإعادة تنظيم أنفسها للقيام بهجوم مقابل أو مضاد على العدو وقواته وأرغموها على التراجع. بعد أن دبّ الخوف والذعر في صفوف أفرادها الذين حاولوا الهروب من ساحة المعركة، وعندما شعرت قيادات تلك القوات بأن أفرادها يلوذون بالفرار، أمروا متعمدين ضرب الناحية والقرى الأخرى المجاورة بالمدفعية الثقيلة. لحين إعادة تنظيم تلك القطعات نفسها مرة أخرى، وطالب قائد العمليات بالشروع بهجمات جديدة والتقدم نحو المنطقة بدعم مكثف من المدفعية والدبابات والسمتيات، قائلا لهم أن الهدف الرئيسي لقواتنا هو حرق الناحية، وأزالتها عن بكرة أبيها والقضاء على من فيها.
لكن باءت محاولات القوات العسكرية بالفشل، فلجأت القيادات إلى توسيع رقعة المعركة، ووجهّت نيران مدفعيتها إلى قرية (عسكر) القريبة جداً من ناحية آغجلر، وأوعزت إلى طائراتها السمتية بضرب القرية، فجرحت وقتلت عدداً من المواطنين الأبرياء، وقتلت أعداداً كبيرة من الحيوانات العائدة لسكان القرية. كما صادف تواجد قوة عسكرية أخرى للحزب الشيوعي العراقي في تلك القرية، التي استبسلت هي الأخرى في مشاغلة قوات العسكرية والتصّدي لطائراته العمودية التي استخدمت في قصف القرية واستطاعت إسقاط واحدة منها بواسطة مقاومات الدفاع الجوي.

وهكذا سارت المعركة وأثناء ذلك دار حوار بين أهالي القرية وبين المسلحين لترك أهالي قريتهم لكي لا يصابوا بأذى، إلا أنهم أبوا ورفضوا الخروج منها وخاصة الشباب والشابات، وقالوا لن نترككم في ساحة المعركة منفردين، بل سنبقى معكم إلى آخر لحظة. وهنا المشهد يبين كيف قدّم سكان ناحية آغجلر مساعدات كثيرة للمقاتلين الأنصار وساعدوا في إطفاء النيران التي بدأت تلتهم كل شيء من جراء القصف المركز والشديد، وكيف لعبت المرأة العراقية التي كانت ضمن المقاتلين وبشكل خاص المرأة الكردية دوراً متميزاً في هذه المعركة، وكانت المواطنة شيرين بنت بكر حمة أمين بطلة رائعة في تلك المعركة حيث رفضت ترك ساحة المعركة، وقالت: ((لن أترككم وسوف أكون بجانبكم وأستمر في جلب الماء والخبز والعتاد لكم، وأشارككم في المعركة))، وفعلا شاركت في القتال إلى أن استشهدت.

وتحولت المعركة إلى معارك كر وفر ضارية، قامت القطعات العسكرية خلالها وبدعم قوات جديدة بأعداد متزايدة، محاولين أكثر من مرة إحداث ثغرة ليتمكنوا من الوصول إلى ناحية آغجلر، إلا أن محاولاتهم باءت بالفشل لأن الأنصار الشيوعيين كانوا يتصّدون لها ويجبرونها على الانسحاب، في كل مرة.

وفي شدة معمعان المعركة، وصلت قوة باسلة من مقاتلين وأنصارالحزب فدخلت المعركة إلى جانب رفاقهم، فاشتدت المعركة بين الأنصار والقوات المهاجمة العائدة للنظام الدكتاتوري. وفي هذه الأثناء وصلت قوة مسلحة أخرى من رفاق وأنصار الحزب الشيوعي وقوة حليفة من الحزب الديمقراطي الكردستاني لنجدتهم ودخلتا المعركة فور وصولهما، فتقهقرت القطعات المهاجمة ولاذت بالفرار مرة أخرى، تحت ضغط الضربات الموجعة للأنصار وحلفائهم وقد استولى المقاتلين على كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر، وقاموا أيضا بتدمير الأسلحة الثقيلة لصعوبة نقلها بعد ان تركت في ساحة القتال.
وفي الساعات الأخيرة من المعركة دفع الجيش العراقي بعدد من مرتزقته الجحوش إلى داخل المعركة (الجحافل الخفيفة)، وهم يلبسون ملابس مشابهة لملابس الأنصار، وعند اقترابهم من القرية ظن بعض الأنصار بأن هؤلاء هم من أنصار قوى الأحزاب الأخرى، فسمحوا لهم بالتقرب منهم، عند تقربهم وجه هؤلاء الجحوش بنادقهم فجأة باتجاه الأنصار، واستطاعوا من قتل بعضهم ومن ضمنهم المرأة الجريئة شيرين بنت بكر حمة أمين وأسر مجموعة من الرفاق، وأقدمت القوة المهاجمة المجرمة على تنفيذ حكم الإعدام بهم فوراً على طريق جمجمال – سليمانية أمام أعين جمهرة من الناس.

عند الساعة الثالثة بعد الظهر، بدأت دبابات العدو تقترب من المنطقة في غضون ذلك شنت الطائرات العراقية الحربية هي الأخرى هجوما على معاقل المسلحين داخل الناحية والقرى المجاورة، وكان احد المقاتلين يدعى الرفيق ياسين الناصري قد ركز قاذفته للتصويب باتجاه الدبابات وأستطاع إصابة إحدها واحراقها وقتل من فيها، إلا أن قذيفة طائشة من إحدى الدبابات جاءت وضربت الجانب الأيسر من جسم ياسين ليستشهد بعد وقت قصير من إصابته، وأما آمر المفرزة لقوات الأنصار مع مجموعة من رفاقه فأخذوا يواجهون العدو بحيث يتم مشاغلة القطعات المهاجمة لتغطية الانسحاب وتخليص بعض الجرحى من داخل ساحة المعركة، من ناحية أخرى تم أشغال العدو لتضييع الوقت حتى حلول الليل والظلام لتسهيل تحركهم وتغير مكانهم أو موقعهم حسب ظروف المعركة.

كان هناك رفاق في قرية كوك تبة شاركوا الآخرين في التصدي لقوات الجيش العراقي بعد مراقبتهم المعركة ومشاهدتهم الناحية وهي تحترق ويتصاعد لهيب النيران فيها، وعندما اشتدت المعركة وقع في الأسر آمر مجموعة إحدى المفارز مع ثمانية رفاق له ومجموعة من قوات الديمقراطي الكردستاني بعد أن تم تطويقهم من جميع الجهات إضافة إلى نفاذ ذخيرتهم وعدم تمكن جماعتهم من إنقاذهم، بعد ذلك قاموا بإعدام آمر المفرزة ورفاقه جميعاً.

عند انتهاء المعركة تقهقرت القطعات العسكرية من الجيش العراقي وانسحبت من المنطقة تاركةً قتلاها وجرحاها في ساحة المعركة، هرع الناس من القرى المجاورة مثل: قرية عسكر وكوك تبة وغيرها إلى ناحية آغجلر لمساعدة قوات الأنصار ونقل الشهداء وتهيئة القبور لهم ومواراتهم الثرى وكذلك دفن القتلى من الجنود والضباط الذين قتلوا أثناء المعركة وإلإعتناء بجرحاهم وجرحى أسراهم ونقلهم إلى أحدى المستشفيات المتواجدة لديهم، ونقل بقية الأسرى من الضباط والجنود ومن الجحافل الخفيفة (الجحوش) إلى أماكن أكثر أمناً.