الرئيسية » مقالات » كيف نقرأ نتائج انتخابات مجالس المحافظات في غرب وجنوب العراق؟(الحلقة الثالثة والأخيرة)

كيف نقرأ نتائج انتخابات مجالس المحافظات في غرب وجنوب العراق؟(الحلقة الثالثة والأخيرة)

هل من عوامل كامنة وراء النتائج الهزيلة للقوى الديمقراطية بمختلف مكوناتها؟

حين كنت في بغداد في ربيع العام الماضي طرحت عليّ أسئلة من أحد الصحفيين , منها : كيف ترى نتائج انتخابات مجالس المحافظات القادمة؟ وهل سيجري تحول جوهري في النتائج المحتملة؟ وكيف سيكون موقع القوى الديمقراطية من تلك النتائج؟ كانت إجاباتي حذرة , فالذي يعيش في العراق يستطيع أن يجيب عن هذه الأسئلة بدقة أكبر نسبياً , ومع ذلك تجرأت وإشرت إلى احتمال خسارة بعض قوى الإسلام السياسي الأكثر تشدداً في الجانب الطائفي لصالح القوى ألأقل تشدداً والأكثر انفتاحاً على مبدأ المواطنة العراقية , إضافة إلى قناعتي بأن قوى التيار الديمقراطي بكل أحزابها وتكتلاتها وشخصياتها سوف لن تحقق الكثير , فهي لا تزال ليست البديل عن قوى الإسلام السياسي في المرحلة الراهنة. وحين ألقيت محاضرة في أسبوع المهرجان الثقافي لنادي الرافدين الثقافي العراقي في برلين في الشهر الثامن من العام 2008 وتحدثت فيه عن الوضع في العراق , أشرت إلى الأزمة الفعلية التي تعيشها قوى الإسلام السياسي , ولكن أشرت أيضاً إلى أن أزمة القوى الديمقراطية أكبر لأنها غير قادرة في أن تكون البديل أو الطرف القوى في معادلة أو ميزان القوى السياسي , ولم يكن تحليلي عبثياً أو دون رؤية واقعية للوضع في العراق , إذ كانت الملامح في اتجاهات التطور واضحة , وكان المالكي يسير بوجهته الجديدة , التي حققت له بعض المنجزات الإيجابية المهمة , يعزز مواقعه بسبب تلك الإنجازات وبسبب فشل الآخرين أو عجزهم عن طرح بدائل قادرة على إقناع الناس بضرورة التصويت لهم. لم يكن هذا التقدير رجماً بالغيب ولا نبوءة , بل رؤية واقعية لسياسات وممارسات وجهد القوى المختلفة , وهي التي يمكن ان يتوصل إليها كل باحث سياسي واقعي وموضوعي في أوضاع العراق.
وإذ أشرت في الحلقتين السابقتين بشكل مكثف عن النتائج التي تحققت لقوى الإسلام السياسي ولقائمة ائتلاف دولة القانون , فأني أحاول في هذا الحلقة معالجة العوامل الكامنة وراء عجز القوى الديمقراطية ابتداءً من الحزب الشيوعي العراقي ومروراً بالحزب الوطني الديمقراطي والكتل اليسارية الأخرى وانتهاءً ببقية القوى اللبرالية والعلمانية.
لم يكن في تقديري أن تحولاً جذرياً أو كبيراً يمكن أن يحصل دفعة واحدة في موقف الناخب العراقي إزاء مختلف القوى بعد أن هيمنت الأجواء الإرهابية طيلة سنوات وسقط الكثير من المثقفين والديمقراطيين وعشرات الألوف من بنات وأبناء الشعب وهجرة الكثير من الناس إلى خارج العراق , إضافة إلى سيادة النعرات الطائفية السياسية على فكر وممارسة المجتمع العراقي وعلى وجود الحكم بأغلبيته في أيدي قوى إسلامية سياسية شيعية , ومن ثم سنية عربية وبالتحالف مع قائمة التحالف الكُردستاني. كما أن وضع الجماهير ووعيها واحتمالات كبيرة في حصول تجاوزات على قانون الانتخابات لا يمكن أن يساعد في مثل هذا التحول المنشود. ولكن بعض القوى والسياسيين واستطلاعات الرأي ضخمت احتمالات حصول تحول جذري في موقف الناخب العراقي وبالتالي حصول القوى الديمقراطية على نسبة تصويتية أفضل بكثير مما تحقق لها في انتخابات مجالس المحافظات السابقة. وكان الأخ أبو داوود أحد الذين صرحوا وتوقع ذلك.
رغم التحسن في الأجواء الأمنية , إلا أن الطائفية السياسية لا تزال قوية في العراق , والنداءات وحدها لن تنفع في تغيير واقع الحال وتوقع مثل هذا التغيير السريع فيه الكثير من السذاجة السياسية والتي يمكن أن تتسبب في إحباطات سياسية غير مبررة. وأن ما تحقق مهم ولكن لا يفترض المبالغة بما حصل.
لقد تلقت القوى الديمقراطية بكل مكوناتها علقة أو قل عقوبة شديدة وقاسية في انتخابات مجالس المحافظات , سواء أكانت قد تقدمت بقائمة باسم “الحزب الشيوعي العراقي” أم باسم “مدنيون” , أم بأسماء أخرى , أم باسم كتل سياسية ليبرالية وعلمانية أخرى , ولكنها عادلة. وكنت أتوقع هذه النتيجة إلى حد غير قليل , وهي نتيجة غير مفرحة في كل الأحوال بل حزينة جداً , رغم التهليل غير الواقعي للأخ السيد حميد مجيد موسى بما تحقق من أجواء وهنأ الشعب العراقي بالحصيلة , سواء أكان فائزاً أم خاسراً. ثم جاء بيان المكتب السياسي الذي حدد بعض الاعتراضات والتجاوزات على بعض مناطق الانتخابات , ولكن التصريح لم يحدد العوامل الكامنة وراء ذلك والتي يفترض أن ينشر لا أن يذكر في نشرات داخلية.
السؤال الذي يطرح نفسه : لماذا حصلت هذه الخسارة للقوى الديمقراطية , وبضمنها الأحزاب التاريخية وذات الخبرة المتراكمة , كالحزب الشيوعي العراقي والحزب الوطني الديمقراطي والحركة الاشتراكية العربية؟ بودي أن أشير إلى بعض الملاحظات بهذا الصدد أملاً أن تكون مساعدة ودافعة لقيام الأحزاب والقوى الوطنية العراقية والشخصيات السياسية الوطنية المستقلة بدراسة الوضع الجديد وفهم العوامل الكامنة وراء تلك الخسارة وسبل مواجتها وتجاوزها في حملة الانتخابات العامة القادمة.
1 . غياب التجديد والتحديث في الخطاب السياسي للقوى اليسارية والديمقراطية العراقية بشكل عام وعدم الاقتراب الضروري من نبض الشارع العراقي وحاجات الناس ومشكلاتهم وسبل مساعدتهم للنهوض من الكبوة الطويلة المستمرة وبقاء فجوة واسعة بين الشعب وبين قيادات هذه القوى. وكان الحديث مع الشعب متعال في غالب الأحيان.
2 . لقد كان إعلام القوى الديمقراطية متخلفاً حقاً ومتأخراً عن الأحداث , إذ يمكن ملاحظة ذلك من متابعة صحافة هذه القوى ومواقعها الإلكترونية وخطابها الذي لا يزال قديماً وغير فعال , كما فشل أغلبها في الوصول إلى عقل وقلب القارئة والقارئ. والشكوى في هذه الصدد كبيرة من جانب ذات القوى التي تعمل مع وفي هذه الأحزاب والقوى. إن متابعة موقع مدنيون مثلاً أو موقع طريق الشعب المهمل يؤكد هذا الواقع.
3 . بقاء القوى والكوادر ذات العمر الكبير , (أرجو لهم العمر المديد) , في مراكز المسئولية لسنوات طويلة دون أن تجد هذه القوى ضرورة التجديد والتغيير وبناء جسور مع الشبيبة , والغريب أن الخطيب الأول والأخير في كل الندوات التي نشرت من جانب الحزب الشيوعي العراقي والتي وصلتنا عبر تنظيم الحزب في الخارج أو عبر المواقع والصحافة كانت للأخ “أبو داوود” لا غير , وكأن ليس هناك من كان في مقدوره المشاركة في الدعاية الانتخابية من الشخصيات السياسية في الحزب الشيوعي أو المستقلين المساندين له. وقضية العمر وعدم وجود شبيبة لا تمس الحزب الشيوعي وحده , بل الكثير من القوى الديمقراطية الأخرى , وأغلبهم من مواليد مقاربة لعمري أو أقل أو أكثر بقليل. وهو ضعف بالغ في هذه الأحزاب والقوى السياسية.
4 . غياب حقيقي للتعاون والتنسيق والتكاتف في ما بين القوى الديمقراطية العراقية بكل مكوناتها وأجنحتها , إذ من غير المعقول أن تتوزع القوى الصوتية بهذا الشكل المشتت , بحيث لم يستطيعوا الحصول حتى على مقعد واحد في بعض المحافظات , في وقت تتسم تلك المحافظات بالتراث الديمقراطي التقدمي مثل ذي قار (الناصرية). إن عدم التواضع في الموقف من الآخر يجعل من الصعب إيجاد لغة مشتركة في ما بين القوى السياسية الديمقراطية واللبرالية والعلمانية , إنها المعضلة الكبيرة. وحين يتم اتفاق بين بعض هذه القوى يبدأ الصراع على من يكون اسم مرشحيه الأول أو الثاني أو الثالث , وفي النهاية خسارة الجميع. إنه المرض القديم الذي كانت ولا تزال تعاني منه الحركة الديمقراطية واليسارية العراقية , في حين تلتقي القوى اليمينية في وقت الشدة في ما بينها لتواجه قوى اليسرة مشتتة تماماً , بل ومتصارعة.
5 . هناك الكثير من القوى تعتمد على تاريخها وتراثها النضالي وتضحياتها , وهو أمر مهم , ولكنه لن يعوضها عن العمل الدءوب مع الناس والخروج إلى الشارع العراقي وطرح برامج مفهومة ومتواضعة وتأمين تعاون فعلي بين القوى الديمقراطية أياً كان عددها , فالتواضع ضروري , رغم أن بعض القوى الصغيرة في صفوف القوى الديمقراطية صوته أعلى بكثير من إمكانياته.
6 . التخلف عن إبداء الرأي الضروري في الخلافات بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كُردستان , إذ كانت مواقف قيادة أو حكومة الإقليم في بعض الحالات خاطئاً وحاداً ومثيراً لجمهرة كبيرة من العرب , ومنهم بعض القوى اليسارية والديمقراطية والمثقفة التي كانت باستمرار سنداً للشعب الكردي وقضيته العادلة , وكانت مواقف الحكومة الاتحادية في بعض الأحيان خاطئاً ودعائياً وبعيداً عن المشارة وتبادل وجهات النظر مع مجلس الوزراء , وكان يحتاج إلى إبداء الرأي والملاحظة وعدم الاكتفاء بالنشر الداخلي الذي لا ينفع العملية السياسية الجارية في العراق. إن التحالف له جوانبه الإيجابية ولكن له ثمنه أيضاً , ولا بد من ممارسة النقد البناء لصالح المصالح المشتركة وتقدم العراق ووحدة الدولة العراقية وتقدم إقليم كُردستان.
7 . في الدول الديمقراطية , وحين يفشل رئيس حزب في تحقيق نتائج إيجابية لحزبه , تطالبه قيادة وقاعدة حزبه بالاستقالة مهما كانت له جماهيرية ومحبة وخبرة لدى الناس , إذ أنه لم يحسن قيادة الحزب ولم يوصله إلى تحقيق بعض النجاحات المطلوبة والنسبية , دع عنك الخسارة الفادحة , في حين إن القوى السياسية في العراق وفي عموم الدول النامية قد تعلمت على بقاء رئيس هذا الحزب أو ذاك رئيساً مدى العمر. وهذا الموقف العام يذكرني بانتخاب صدام حسين رئيساً مدى الحياة , فهو عراقي ايضاً. هذه الحالة لا تقتصر على الحزب الشيوعي العراقي بل تشمل أغلب الأحزاب السياسية العراقية. وهي تعبر عن ضعف الوعي لمفهوم ومضمون الديمقراطية والحق في التغيير وضرورات التغيير. هذا التقليد ورثناه من الدول العربية والإسلامية ومن الدول الاشتراكية , وما زلنا نمارسه حتى لو كان الرئيس غضباً على الشعب , كما في حالة سوريا والعراق وليبيا ومصر وغيرها من الدول العربية. ويمكن أن نلاحظ ذلك في المجلس الإسلامي الأعلى ايضاً , فخسارة هذا الحزب لن تغير رئيس الحزب!
8 . ضعف القدرة المالية للأحزاب الديمقراطية , في حين تمتلك الأحزاب الإسلامية السياسية وبعض الأحزاب الأخرى أموال الدولة كلها , إضافة إلى أموال أخرى يأتي لبعضها من السحت الحرام. ولم تبذل القوى الديمقراطية الجهد الضروري والتفكير في سبل معالجة مشكلاتها المالية لتساعدها في الحملة الانتخابية, إن تحريك المجتمع أو بعض الأوساط فيه باتجاه الدعم المالي يمكن أن تحقق نتائج إيجابية , إضافة إلى طبيعتها الإعلامية للإنتخابات.
9 . التعامل غير السوي من جانب أجهزة الإعلام الحكومية التي تمنح الأحزاب الكبيرة الحاكمة , وليست الأحزاب المشاركة في الحكم هامشياً أو غير مشاركة في الحكم , الوقت الأكبر والدعاية الأوسع في حملاتها الانتخابية والترويج لشعاراتها وأهدافها. وهذا ما عشناه في الانتخابات الأخيرة حيث حاز رئيس الحكومة على الوقت الأكبر في نشر خطبه الانتخابية على شاشة العراقية وشبكة الأخبار العراقية مثلاً , رغم أن خطابه كان جيداً ومفيداً , ولكن لا يعني أن خطب الآخرين لا يمكن أن تكون جيدة , وخاصة الأحزاب والقوى الوطنية والديمقراطية واليسارية. في حين وظفت بعض القوى الغنية قنوات فضائية أخرى لغرذ الدعاية بسبب ما تدفعه من أموال.
10 . المشاركة في الحكم لا تمنح القوى الديمقراطية بالضرورة قوة وفائدة تستفيد منها في الانتخابات , بل تحملها مسئوليات الكثير من النواقص والأخطاء وتضعف من قدرتها على ممارسة النقد البناء والصريح والشفاف , إذ أن التحالف غالباً ما كان يقود إلى السكوت عن الأخطاء ويبقى النقد سرياً وفي النشرات الداخلية أو شفوياً لا غير. إن العمل في صفوف المعارضة السياسية في الدول الديمقراطية لا يعني العداء للحكومة , بل يعني ممارسة الحق الديمقراطي وممارسة النقد , خاصة إذا كانت المشاركة هامشية جداً وغير فاعلة أو مؤثرة في العملية السياسية.
حين وجهت رسالة مفتوحة إلى رفاق الحزب الشيوعي العراقي قيادة وقاعدة قبل عقد المؤتمر الثامن للحزب , لم يكن هدفي الإساءة لهذا الحزب المناضل , بل كان هدفي المشاركة والمساعدة في طرح بعض الأفكار باتجاه التغيير والتطوير والإغناء وإبعاد من لا يفكر بل يعتقد بأن لها مدبر ويؤيد ما يطرح عليه دون تمحيص. ومن المؤسف حقاً أن الرسالة أهملت تماماً. وهو حق مشروع لقيادة الحزب في التعامل مع هذه الرسالة وغيرها بالطريقة التي رأتها مناسبة. ولكن ممارسة مثل هذا الحق لا يعبر عن التفاعل مع الرأي الآخر للاستفادة منه , إذ أنه يعطي الانطباع بأن قيادة الحزب مكتفية بما تملكه من منظرين وخبراء بحيث لم تعد بحاجة إلى أراء أخرى يمكن أن تنفع الحزب في عمله , خاصة وأن الشخص الذي يوجه الرسالة لا ينافس أحداً على موقع في هذا الحزب أو في غيره , ولا ينتظر الشكر والامتنان.
أدرك المصاعب التي يجري العمل فيها في العراق , ولكن مع ذلك لا بد من المبادرة إلى التغيير بكل معنى التغيير بالنسبة للحزب الشيوعي العراق وللحزب الوطني الديمقراطي والحركة الاشتراكية العربية , وكذلك لبعض الكتل والقوى السياسية اليسارية والديمقراطية واللبرالية والعلمانية الأخرى.
لقد حققت قائمة الدكتور أياد علاوي نسبة صوتية أعلى بكثير من بقية القوى الديمقراطية مجتمعة في بعض المحافظات , رغم أن قوائم علاوي كانت غريبة في تكوينها , فهي بين القومي والبعثي القديم والشيوعي السابق والديمقراطي المستقل , ولكنها امتلكت القدرة المالية في الحركة وفي الوصول إلى الناخب.
خسارة القوى الديمقراطية فادحة والمسئولية كبيرة , فهل ستعي ذلك , وهل ستعمل من أجل تغيير بعض الأوضاع التي قادت إلى هذه الخسارة رغم أزمة القوى الإسلامية السياسية وخسارة أكبر قوة فيها ونجاح من تحدث بغير الطائفية ورفض التمييز الديني وبشيء من حق المواطنة والوطن. أملي أن تتم الدراسة , إذ أن تصريح المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي , رغم كون تقييماً أولياً , لم يمس الحقيقة كلها , بل تجاوز نصفها الأساس.

إن المجتمع العراقي , ورغم تصويته الضعيف جداً للقوى الديمقراطية واللبرالية والعلمانية العربية , يبدي اهتماماً غير قليل بهذا التيار الوطني بماضيه السياسي الطويل , بنجاحاته وإخفاقاته , بأهدافه وتطلعاته الإنسانية والتقدمية , ويتطلع إلى أن يجد هذا التيار السبيل للنهوض من كبوته التي لا زالت مستمرة وإلى تجاوز المصاعب والتشتت الراهن.
وهنا أتقدم بمقترح للأحزاب الثلاثة المتحالفة في “مدنيون” في أن تبادر إلى الدعوة لعقد اجتماع تحضيري موسع لعدد من التنظيمات السياسية التي تطرح نفسها في إطار التيار الديمقراطي والشخصيات الوطنية والاجتماعية والثقافية الديمقراطية يتم فيه البحث في المشكلات التي تواجه تعاون هذه القوى في ما بينها وسبل حل المشكلات ومن ثم عقد مؤتمر موسع لها لتحقيق تحالف جبهوي واسع النطاق على صعيد العراق , مع دعوة قوى التحالف الكردستاني للمشاركة في التحضير والتعاون. إن مثل هذا الاجتماع ومن ثم المؤتمر سيعطي دفعة جديدة وثقة بقدرة القوى الوطنية العراقية على تجاوز تشتتها وتحقيق اللحمة المنشودة.
إن عقد مثل هذا الاجتماع يتطلب تجاوز القوى الثلاث ألـ”أنا” والتفكير بـ “الآخر” في ذات الصف الوطني الديمقراطي بعيداً عن الشعور بالتعالي أو الغرور أو الاستهانة بالآخر , والعكس صحيح أيضاً. إنه الطريق الوحيد للبرهنة على الجدية وعلى عدم الاستهانة بأي قوة سياسية مهما كانت صغيرة , وبأي إنسان وطني ديمقراطي تقدمي وليبرالي. التيار الديمقراطي بحاجة إلى جميع تلك القوى وهؤلاء الناس وهو قادر عندها على تعبئة المزيد من الناس النشطاء وزجهم في حملة الانتخابات العامة القادمة. أملي أن يقنع هذا المقترح قيادات هذه القوى والمبادرة في التحرك للم الشمل.
إن أحد عوامل هذه الدعوة يكمن في أن الواقع العراقي وما تحقق حتى الآن هش وحوالي 50 % من الناس في الوسط والجنوب وغرب بغداد والموصل رفضوا المشاركة في الانتخابات , وأن الفترة القادمة سوف تشهد الكثير من القضايا التي تستوجب وجود رؤية مشتركة لقوى التيار الديمقراطي العراقي , وأن الخلافات الطائفية لم تنته بعد والصراعات ستبقى تهدد الاستقرار في العراق والقوى الخارخية , وخاصة الإقليمية (إيران , تركيا والسعودية مثلاً) , ستبقى تعمل لإشاعة عدم استتباب الأمن والتفاهم في البلاد , كما أن تحالفات السيد المالكي غير واضحة حتى الآن وإلى من سيمد يده للتحالف السياسي في الانتخابات العامة القادمة , وما هي الضغوط التي ستمارس عليه من الداخل والخارج , وكيف يستطيع تجاوزها أو الرضوخ لها…الخ. العراق مليء بالمفاجئات وعلينا أن نأخذ ذلك بنظر الاعتبار. ولهذا يفترض العمل على جميع الجبهات لضمان الاستقرار والأمن والسلام والتقدم ومعالجة المشكلات التي تقود إلى التوتر الاجتماعي وخاصة وجود البطالة الواسعة والفقر والتمييز الديني والطائفي والفساد المالي والإداري … وضعف التوجه نحو التنمية , وخاصة التنمية الصناعية والتحديث الزراعي …الخ.
على قوى الحركة الديمقراطية العراقية , ومنها الحزب الشيوعي العراقي , أن تأخذ كل ما يكتب من نقد لنتائج الانتخابات بنظر الاعتبار ودراستها بروية ودون تعجل حتى لو جاءت من أعداء الحركة الديمقراطية , إذ ستجد هذه القوى أن فيها ما هو نافع لها. إن استقبال الملاحظات بالصيغة التي كتب فيها الأخ السيد محمد علي محي الدين لن تخدم الحزب والتيار الديمقراطي , رغم رغبته في التصدي للشتامين , ولا التعلم من الأخطاء والاستفادة من النقد , بل تضعف التوجه النقدي بذريعة الشماتة , فليشمت من يريد , ولكن لنستفيد حتى من هذه الشماتة لشد العزائم والاندفاع صوب العمل. علينا التخلص من المرض القديم , مرض الحديث عن النقد والنقد الذاتي وعدم ممارسته أو رفض قبوله عملياً , لنتعلم التواضع , فالخسارة كبيرة لا للحزب وحده , بل لكل القوى الديمقراطية , وانا أحد الخاسرين , ولا يمكن تجميل الصورة بتهنئة الفائز والخاسر على حد سواء , لكن لم تنته الحياة ولم تنته المنافسة السليمة للوصول إلى الأفضل.

10/2/2009 كاظم حبيب