الرئيسية » مقالات » هل انتفى دور الشاعر في المجتمع؟؟!!

هل انتفى دور الشاعر في المجتمع؟؟!!

“لا تخش أن تكون شاذاً في آرائك، فكل رأي مقبول اليوم، كان شاذاً يوما ما”

برتراند راسل

مقدمة

لا اعتقد إن هناك أناس يهوون الشعر أكثر من العرب فهم يتنفسون الشعر ويعتبروه غذائهم الروحي وعماد حياتهم لدرجة إن ما قبل رسالة الإسلام علقت العرب أشعار فطاحل الشعراء على جدران الكعبة و سميت بالمعلقات (!) فهذا يدل على تقديسهم للشعر ، و حب العرب للشعراء وشعرهم المبحر في الخيال أعزيه كونهم يقدسون القلب ويمتهنون العقل ويقدمون العاطفة على المنطق ولأنهم أيضا يتكلمون أكثر مما يفعلون وكما ذكر عبد الرحمن القصيبي في أحدى كتبه بأن العرب (ظاهرة صوتية).

وشخصيا لستُ من محبي قراءة الشعر، ولا أنجذب إلا ما احتوى منه على الحكم والمآثر و يستهويني الشعر الحر الذي يحاكي الواقع وبعيدا عن المبالغة في تزويق المفردة وتمييعها بحسب قوانين البحور الشعرية المتعددة والمعقدة بدون داع لهذا التعقيد، ولأنني أؤمن بالمقولة التي تقول ” أعذب الشعر أكذبه” فاعتقد إن اغلب الشعر هو نتاج الخيال الذي هو بعيد عن الواقع ، ولا أبالغ حين اصف تذوق الشعر هو كمثل التعلق في الفضاء ما بين السماء والأرض، أو كمن يضع قدماه على أرض رخوة غير ثابتة .

مابين الفعل والقول

ولا يخفى على الجميع الاهتمام المبالغ به بالشعر والذي توليه جميع القنوات الإعلامية العربية وبكافة إشكالها (( المطبوعة والمسموعة والمرئية )) وبضمنها اغلب المواقع الالكترونية العربية والتي حرصت على لم جموع الشعراء والمستشعرين حتى بات الشعراء أكثر من قراءهم وحتى اصبح الشعر اهم من واقعهم الحياتي(!)،ونشاهد هذه الأيام سباق محموم لنشر الثقافة الشعرية عبر مسابقات عقيمة وهزيلة مثل جائزة شاعر المليون وغيرها من المسابقات التي جل هدفها نشر الروح القبيلة في مجتمعاتنا وعلى حساب الروح الوطنية وهؤلاء الشعراء تراهم وحتى في أحلك الظروف يلجأون إلى قرض الشعر بكافة أصنافه (( الفصيح والنبطي والشعبي )) والبعض الأخر يتهافت إلى قراءته وكأن الشعراء قد قدموا لنا حزمة من الحلول الواقعية لجميع المشاكل التي يعاني منها الفرد العربي (!)، ففي الوقت الذي يتطلب منا الموقف أفعالا تساهم في الرقي العلمي والاقتصادي والاجتماعي نرى إن البديل غالبا ما يكون عبارة عن بضعة كليمات لا تشبع جوعانا ولا تكسي عريانا .

واسأل هنا ما هو دور الشاعر في المجتمع عدا الخطب الحماسية الرنانة التي لا تقتل ذبابة (( باعتراف احد الشعراء)) وغير قيامهم في كل يوم إما لتمجيد النهار أو الاستمتاع بوصف الغروب الخلاب أو ربما قرض مرثياتهم المفجعة ومدحهم لهذا وذمهم لذاك ؟؟!! .

والمفارقة العجيبة في زمننا هذا إن كل من ينتقد دور الشعر يصبح كمن يوجه سهامه للتراث العربي بشكل خاص وللثقافة بشكل عام حتى لكأن الثقافة الشاملة اختزلت في قرض الشعر فقط (!) ، فلابد لمجتمعاتنا ألان إعادة النظر في خلق هالات القدسية للشعر والشعراء خاصة وان منهم الكثير لا يبرع في الشعر بدون أن يتسم بالنفاق ،فأغلب الشعراء الذين يكتبون أعذب القصائد وأرقها هم في حقيقتهم غلاظ القلوب لا أخلاق لهم ولا تعرف قلوبهم معنى الرقة والتسامح ، وبامكان المرء ان يعرف ما اعنيه من خلال متابعة لغتهم الهمجية المسمومة التي يردون بها منتقديهم والمختلفين معهم ، فهم يقولون مالا يفعلون ويظهرون ما لا يبطنون ، إضافة إلى أن أكثر الشعراء قد أمتهن الشعر في حين انه لغة إنسانية صرفة لايمكن بأي شكل من الإشكال الاسترزاق منها ، ناهيك عن دور الشاعر العربي في خلق الطغاة وفي صنع طواطم إضافية تضاف لمجموع الرموز الكارتونية التي تملأ صفحات تاريخنا المظلم (( لا اعرف لماذا يصر البعض بتسميته المشرق !!)) .

أذن علام هذه القدسية لشخصوهم وجعل انتقادهم بمثابة خط احمر لا يجوز على أي امرئ تجاوزه؟؟!! .

ولنتأمل بترو ٍ وبموضوعية جميع اطر الحياة التي لها مساهمة جادة في الرقي الإنساني ولها دور فعال في الإنجاز الحضاري المتمدن فسنرى أن الشعر والشعراء لم يسـُجل لهم أي إنجاز يذكر في بناء هذه الحضارة لان الأخيرة تحتاج إلى أيادٍ منتجة تبني ما يخدمها، وعقول تنجز ما يفيدها ، فالإغريق لم يترفوا بالشعر والأدب إلا بعد إن بنوا حضارتهم وقدموا للبشرية أفضل الإنجازات العلمية وهو ما يوافق قول الدكتور طه حسين في نقده للشعر حين وصفه بأنه ليس أكثر من ” ترفا ذهنيا” ، وهو بحق وصف دقيق جدا لعميد الأدب العربي إذ لا يجوز منطقيا تقديم الأساسيات على الكماليات .

لماذا انتفى دور الشاعر؟

وبرأيي الشخصي أن الدور الريادي للشاعر قد انتهى في زمننا هذا فبعد إن كان في ألازمان الغابرة للقصيدة الفاعلية المطلقة بإلهاب مشاعر الجماهير وبعد أن كان الشعر هو بمثابة الأعلام الموجه للرأي العام على اعتبار إن العرب تهوى الشعر وتحفظه وتتناقله ما بين قبلية وأخرى )) فألان وفي زمن الأقمار الصناعية (الستلايت) وبسبب انتشار المؤثرات المرئية والمسموعة أمسى عديم الفائدة وحتى المعنى ، فرب صورة فوتوغرافية بعدسة مصور ذكي لهي أكثر تعبيرا ونطقا من ألف بيت شعر لأحد فرسان القوافي الملهمين أو رب رواية تنقل واقع (زمكان) معين بشكل دراماتيكي لهي خيرا من ديوان شعري مليء بالمترادفات وبطريقة مزوقة ومملة والخ الخ الخ .

وان كان سابقا يعتبر الشاعر المحرك الفاعل للجموع ومسيرها عبر قصائده الحماسية والمهيجة فألان قد انتفى هذا الدور وانحسر في زاوية التعبير عن المشاعر الإنسانية الشخصية والتي ربما لا تعبر إلا عن رؤية الشاعر الذاتية ، وإضافة لهذه النقطتين هناك نقطة أخرى وهي أن الشاعر سابقا كان فارسا مقداما وسباقا لبقية قومه بما فيها الحروب الضروس وهذه الفروسية والشجاعة من جانب الشاعر ماهي إلا تعبيرا لمصداقيته في تطابق أشعاره مع أفعاله كما هي الحال مع شعراء الجاهلية والإسلام ، أما ألان فقد تجردت من الشاعر صفة الفروسية والإقدام وحتى مصداقية أشعاره أصبحت في خبر كان بعد فك الارتباط مابين القول والفعل وباتت كل الصفات الدونية (( النفاق – الوصولية – التملق – الجبن – الجشع )) هي ملاصقة لـ ((لكثير)) من الشعراء ، وفي أحسن حالات الشاعر في زمننا الحالي فان واجبه يقتصر فقط بإلهاب حماس قومه وهو قابع في المواقع الخلفية (!) .

وقد يقول قائل بان الشعر والشعراء هم الممثل الحقيقي للأدب وللثقافة(!) وحقيقة لا اعرف لماذا التعمد والإصرار على اختزال الأدب والثقافة بالشعر منفردا حتى بات الشعر والنثر رديفا وحيدا للأدب بالنسبة للكثير من الأجيال السابقة واللاحقة (!) ، فكما هو معلوم إن الأدب (( الذي هو احد فروع الثقافة)) يحوي المسرحية و الرواية والقصة القصيرة وغيرها من الفنون الجميلة التجريدية والتي فيها من التعبير الواقعي ما يفوق تعبير الشعر الخيالي والمعوم ، ولكن وللأسف لم تأخذ هذه الفروع الأدبية حقها (( الرواية والمسرحية )) ، فالاهتمامات الأدبية قد انحصرت نشاطاتها على الشعر والشاعر فقط وربما أن السبب في علو كعب الشعر والشعراء يكمن في الزعامات الدكتاتورية التي تحكم المجتمعات العربية على اعتبار ان للشعر أسلوب ناجع في التلاعب بالألفاظ والمعنى والذي نسميه في اللهجة العراقية ((الحسجة)) ، ومن جملة الأسباب أيضا هي سايكلوجية المتلقي العربي الذي لا يعترف بالهزيمة والفشل ويتمسك بأي كلمات ترسم له الانتصارات والإنجازات ((والحال ينطبق على الفشل العاطفي والاجتماعي أيضا)) وان كانت وهمية وخيالية.

كلمة أخيرة

وختاما … بدلا من التركيز على الشعر لابد إن نعتني ونهتم بالأدب وبكافة فروعه كما هو الحال في الدول التي أخذت قسطا كبيرا من التوجه الحضاري ، وان نعي الثقافة وبمفهومها الشامل والموسوعي والذي أراه الطريق الامثل لمواكبة العصر الصناعي و التكنولوجي والاقتصادي .

وفي مقالي هذا لا أقف موقف المطالب بإقصاء الشعر ولا أحاول إن ابخس الحس الإنساني المرهف للشاعر والبعيد كل البعد عن كيل المديح والذم بحسب اتجاه بوصلة الشاعر العاطفية ، بل ما اعنيه هو فقط ترتيب للاولويات التي ينبغي إن نصنفها بحسب منفعة مجتمعاتنا …أي بمعنى أن وجود الشاعر في حياتنا ومجتمعاتنا مهم ولكن وجود الطبيب والمهندس والفيزيائي هو الأهم على اعتبار أن الكفاءات العلمية تقدم لنا واقعا ملموسا ، أما الشعراء فهم مجرد كيان كمالي في المجتمع …….. لايزيده ولا ينقصه .

واختم قولي بمثل ما ابتدأته :

هل انتفى دور الشاعر في المجتمع؟؟!!

مهند الحسيني

10/2/09