الرئيسية » مقالات » عبد الكريم قاسم …خـَسرهُ العراق

عبد الكريم قاسم …خـَسرهُ العراق

رغم مرور أربعة عقود ونيف على رحيله عن الدنيا ، لا يزال عبد الكريم قاسم في ذاكرة غالبية العراقيين ، في ذاكرة الباعة والكسبة ، العمال والفلاحين، الموظفين والمعلمين ، الضباط والجنود ، لا يزال كادحو مدينة الثورة يلهجون بذكره و فلاحو جبل سنجار يستذكرون أهزوجتهم في لغتهم الكوردية : ” عاش عبد الكريم ، استبدل شعيرنا بالقمح ” وبعد أربعة عقود ونيف و بعيد انهيار النظام الشمولي السابق في نيسان 2003 رجعت صوره من جديد إلى واجهات العديد من المحلات والمباني في مدن العراق ، وعلا تمثاله في شارع الرشيد ، وفي ذلك دلالة وفاء واضحة من الشعب لرئيس الدولة الذي تفانى في خدمته ليل نهار ، وهنا يكمن باعث شعبيته: يبقى عبد الكريم قاسم قائد الدولة الوحيد في وادي الرافدين الذي أنهمك في بناء وطنه وفي تحرير شعبه من أغلال الاضطهاد والفاقة وفي حالة صوفية خالصة.
حالة توحد الجزء مع الكل ، في لحظات الانتصار في 14 تموز ، 1958، أمام باب وزارة الدفاع ، ربت على كتف جندي مجاور وهو يقول : ” سأنقذك من الفقر نهائيا “، وفي لحظات النهاية في 9 شباط ، 1963 في دار الإذاعة ، وأمام رصاص قاتليه هتف صنديدا، رابط الجأش : ” عاش الشعب ..” ، وإذ خرج من الدنيا بكاه الملايين ، والكثيرون أنكروا خبر مصرعه ، توهموا صورته في القمر و تحدثوا عن قرب ظهوره ، وهو ما يرمز إلى التشبّث به . دخل عبد الكريم قاسم وزارة الدفاع ومعه طموح هائل في بناء عراق متطور ، و في أربع سنين ونصف من جهد مكثــّف وهائل حقق بطولات خارقة من العمل الجاد المنتج ، وهو ما يجب أنْ تقاس عليه بطولة قائد أي شعب ، وتجسدت تلك البطولات في إنجاز مئات المدارس ،المستشفيات،المراكز الصحية ،ستة وثلاثين ألف وحدة سكنية للفقراء ، قنوات و سدود ري ، كليات ومعاهد ، جامعة بغداد ،مدينة الضباط ، مدينة الثورة ، الشعلة ، دار الطلبة في بغداد وأقسام داخلية أخرى آوت أبناء الكادحين ، طرق داخلية وخارجية ،جسور و مشاريع سياحية ، صناعات خفيفة ومراكز مكافحة الأمية ، مجانية التعليم والتطبيب وزيادة أجور العمال والموظفين .
وفي أربع سنين ونصف سنّ قوانين حضارية، من بينها قانون الأحوال الشخصية، قانون تقاعد الموظفين والمستخدمين وسلسلة أخرى من إضافات بنيوية وفوقية لا يسعها إلا بحث مستقل. و في أربع سنين ونصف حقق السيادة الوطنية كاملة، حرّر الدينار من دائرة الجنيه الإسترليني، وألغى قاعدتي الحبانية والشعيبة البريطانيتين ، وأمم النفط في المناطق غير المستثمرة عبر قانون رقم 80 الذي انتزع 90% من الأراضي من هيمنة شركات النفط ( حينها قال للوزراء قبيل توقيعه على القانون :” تعالوا نوقّع على إعدامنا ..” ).
وتتجلى عظمة عبد الكريم قاسم في جانبها الآخر في بساطته وتواضعه، عفة يده ولسانه، و زهده في متاع الدنيا، شهيدا ً، وجد قاتلوه في جيبه ورقة نقدية لا غير، ربع دينار أو أقل أو أكثر بقليل. إن دلالات حياته اليومية تظهر بوضوح التطابق بين فكره النيِّر وممارساته، رفض تسلم مخصصات رئيس الوزراء، ستمائة دينار، توفيرا لميزانية الدولة ( وهو ما جنبه أيضا حسد زملاءه الضباط الأحرار)، مكتفيا براتبه كضابط في الجيش : ثلاثمائة دينار ونيف، يذهب جزء منه لنفقات المطبخ في وزارة الدفاع، جزء آخر لشقيقه حامد تغطية لوجبة الغذاء اليومية، جزء ثالث لمساعدة شقيقته الكبرى والبقية توزع على أسر متعففة ، وهذا ما أضطره أن يستدين من مرافقيه بين الحين والآخر، وأن يعجز أحيانا عن سداد فاتورة هاتفه. و تأكيدا لحرصه على ثروة البلد، دأب على التدقيق في كلفة المشاريع، مثلا، رفض عقد شركة أجنبية لشق ترعة في بغداد،عرفت لاحقا بقناة الجيش، توصل بين دجلة ونهر ديالى لضخامة المبلغ، واستعان بمديرية الهندسة العسكرية التي أنجزته في فترة وجيزة وبأيدي ضباط مهندسين وجنود تقاضوا أجور عملهم اليومية علاوة على رواتبهم، وبهذا وفـّـر للدولة ثلاثة ملايين دينار، مبلغ كبير في حسابات تلك الأيام . ورفض الأعلام المأجور ومؤتمرات التطبيل، زجر صحفا عربية طلبت منه مكافآت نقدية مقابل الدعاية لحكمه، قال : ” آليت على نفسي أن لا أبدد ثروة البلد إلى أصحاب الصحف المأجورة، بل أصرفها على هذا الشعب البائس المسكين، حتى يصبح شعبا قويا، مرفها، سليم التفكير يتمكن من إبداء المعونة إلى أخوته …”
وإلى ذلك، لازم داره في العلوية، آنفا عن المواكب والأبهة وخيلاء السلوك التي يلجأ إليها مسؤولون في أيامنا هذه تغطية لنقص وجهل فيهم، بقت الأرض سريره في غضون الاستراحة والنوم، أثاث مكتبه في وزارة الدفاع قد لا يرتضيه اليوم رئيس دائرة : منضدة بسيطة، وكراسي من معدن، وجبة الصباح كوب من الشاي والحليب، وجبة الغذاء تأتيه من دار شقيقه حامد في الـ( السفر طاس ) لتوضع على منضدة تغطيها الصحف بدل أقمشة الكتان، وليضاف إليها حين يشاركه آخرون شرائح شواء تأتيه من مطعم شعبي في شارع الرشيد، أما ثيابه فبدلتان عسكريتان . وإلى ذلك، لم يقرب شقيقا ً أو قريبا ً من السلطة ولم يمنحهم أية امتيازات أو مكاسب مالية، احتفظ شقيقه عبد اللطيف برتبته كنائب ضابط، وفيما بعد طلب من الزعيم إحالته إلى التقاعد مبرِّرا ً : ” سيدي لا أريد أن أكون عسكريا، يعاملني العسكر أخا لرئيس الوزراء، أخاف أن أسبب لك إحراجا، أنا إنسان عراقي بسيط ..” ويوافق الزعيم . وتسأله ذات يوم شقيقته الكبرى أن تسلمه دارا من الدور التي شيدها للفقراء، ويسألها الصبر إلى حين أن يوفر الدور لكل فقراء العراق، وتخرج من الدنيا بعد أخيها وهي في بيت إيجار .
هذه الأمثلة المستقاة من مئات الوقائع المماثلة لا تظهر عظمة عبد الكريم قاسم العملية والفكرية فحسب، تظهر أيضا إن العراقيين في غالبيتهم العارمة ظفروا بمن انتظروه طويلا، وأي شعب مقهور، محروم لا يلتف حول قائد ينثر بذور الخير بين ظهرانيه ..؟! ذلك كان عبد الكريم قاسم، رآه الكادحون في أزقتهم المقهورة دون عدسات تلفزيون أو كاميرا أو صحافة، ودون حماية، يزورونه في مكتبه أو يلاقونه في الطريق، قدم ذات يوم منان مع أسرته من البصرة، وقفوا أمام بوابة وزارة الدفاع، وإذ أقبل الزعيم، لوّحوا له، ترجل من المركبة، مستفسرا عن الحال والحاجة ، اخبره منان انه عمل (فراشا) في شركة نفط البصرة وان الانكليز فصلوه ” لأني وطني وأحبك “، أبتسم الزعيم وطمأنه إن الحق لا يضيع في زمن الثورة، و دعاهم إلى تناول الغذاء معه في مكتبه، غلبت الأسرة حالات الدهشة والفرح، بعد تناول الغذاء أرسلهم إلى داره للترويح من وعثاء الطريق ، وقد استراحوا، رجعوا إلى البصرة وفي يد العامل المغبون كتاب إعادة التعيين، وفي قلبه وقلوب عياله شوق لا يحد لرئيسهم الذي لو شاء لحال بينه وبينهم، لم يكن ذاك ديدنه، أبقى اللقاء المباشر بينه وبين المواطنين للإطلاع على مكامن الخلل. ذلك كان نصير الكادحين، في زمنه سار الفلاحون لأول مرة في تاريخ وادي الرافدين مرفوعي الرؤوس بعد قرون من الاستغلال البشع، ساروا و قاماتهم تزهو ببزوغ شمس الحرية على أشلاء مخالب الإقطاع الغاشمة ، أي ظلم كان أن تسطو ثلاث أو أربع أسر على 99% من أراض الجنوب الخصبة ، وأن يستعبد الفلاحون، وهم لا يجدون حاضرا أو غدا مشرقا لأسرهم ، أنقذهم الزعيم عبر قانون الإصلاح الزراعي دون أن ينتقم، دون أن يحيل الإقطاعيين إلى سدة القضاء رغم مطالبة ضحاياهم ، لم يفعل ْ، شدد باتجاه التسامح، الخصلة المتأصلة فيه والتي أعدمته الحياة من قبل من ملأت قلوبهم الضغينة، أوصى بـ” دفن الأحقاد الماضية والجلوس مع المزارع الكبير والمزارع الصغير والفلاح الذي كان مستغلا في السابق على أساس عادل وعلى أساس المنفعة المتبادلة بين الاثنين وعلى أساس إنهما من أبناء هذا الشعب ويجب أن يعيشوا في هذه البلاد عيشة مرفهة ورغيدة…” ..
ذلك كان عبد الكريم قاسم، يرفع المصابيح تلو المصابيح لإضاءة الدهاليز، يحلم بعراق يعلو إلى مصاف السويد في 1980، قالها قبل استشهاده بأشهر. حتى وهو في المستشفى بعد محاولة اغتياله، نوفمبر 1959، تغلبه شجون المواطنين: ” أتعلمون لماذا اعتدى هؤلاء علينا ؟ لأنني كنت بحاجة إلى الراحة، ولتوفير الوقت فلم أضيع لحظة واحدة من وجودي في هذا المستشفى… لقد كنت في جدال مع الأطباء، هم يريدون لي الراحة، ولكن راحتي في مخاطبة الشعب، أنا دوما مع الحق والشعب..” .
ذلك كان، الذروة في نكران الذات،و لو أمتد به الحكم لحقق حلم العراقيين كاملا بعد أن أوقفه على قدميه يسامره عشرين ساعة في اليوم وأحيانا لا ينام، مؤكدا ” إن ساعة عمل خير من ألف ساعة كلام ” وأنْ ” نخدم هذا الوطن وان نخدم هذا الشعب من أقصى البلاد في الشمال إلى الجنوب، إلى الشرق إلى الغرب حتى نرفع مستواه …ونزيل هذه الصرائف البالية والدمادم والبيوت الخربة وتحل محلها البيوت المريحة التي تليق بكم وبأبناء الشعب المرفه والتي تتماشى مع ثروة الوطن، إن الثروة المتيسرة في بلادنا ثروة جسيمة ولكنها كانت منهوبة في السابق، وإنني عاهدت الله أن لا ادع أي جزء منها يتسرب إلى جيوب المستعمرين مطلقا..” .
ذلك كان رئيس الدولة المثقف، مقت العنف وأملى أقل كمية منه وعبر القانون في صيغة تصديق أحكام صدرت من محاكمات علنية ضد أقطاب العهد الملكي، والذين حاولوا الإطاحة بالحكم مخففا أو ملغيا بعضها، وعلى ضوء قوله المأثور ” الرحمة فوق القانون ” و” عفا الله عما سلف “، ألغى الإعدام عن عبد السلام عارف بعد أنْ حاول اغتياله و أخلى سبيله لاحقا ( عبد السلام عارف في 9 شباط قابل هذا التسامح بالنقيض، تحمس لقتل عبد الكريم قاسم معلمه في الكلية العسكرية الذي علمه دروسا في الوطنية وكره الاستعمار، و أدخله في الهيئة العليا للضباط الأحرار، والذي قاد الثورة، والذي أكثر من هذا كله عفا عنه بعد أن أصدر ضده حكم الإعدام من المحكمة العسكرية العليا الخاصة ، نعم وافق عبد السلام عارف على إعدام عبد الكريم قاسم صديقه القديم وأستاذه في الكلية العسكرية، وهو الذي كان يردد قبل الثورة أمام الضباط الأحرار ” ماكو زعيم إلا كريم “، وهو الذي قدّم نفسه رائدا للعروبة في العراق والعروبة الحقة تؤكد على وفاء التلميذ لمعلمه، من علّمني حرفا ملكني عبدا، وعلى حرمة الصداقة ومبادلة الإحسان بالإحسان، وكان من تلامذته في الكلية العسكرية الذين وافقوا أيضا على إعدامه أحمد حسن البكر وطاهر يحيى) .
وعفا الزعيم أيضا عن البعثيين، بينهم صدام حسين، الذين أطلقوا الرصاص عليه في شارع الرشيد ، و لم يلجأ يوما إلى اغتيال خصومه السياسيين، التنصت عليهم أو وضعهم تحت رقابة دائمة، ولم يقمع المتظاهرين القوميين والشيوعيين في أواخر حكمه ولم يرع المؤسسات الأمنية تاركا أمرها إلى رؤسائها . ذلك كان رجل التسامح، خطب يوما في الحشود، بعد حركة الشواف، وتعالى الهتاف : ” اعدم ..اعدم.. ”
أحتد غاضبا، نهرهم أن يكفوا عن حديث الموت والحبال، وأن يطالبوه بدل ذلك بتشييد مدرسة أو إنشاء مصنع، قال في مؤتمر صحفي،29- 7- 1959، ” إني أطلب منكم أن تقلعوا عن الكتابة عن أية مؤامرة، وإنه لترد في الخلق أن ينشأ الأطفال على مثل هذه العبارة ( ماكو مؤامرة تصير والحبال موجودة ) وغيرها من العبارات الهمجية والوحشية ..” . ذلك كان رجل النشاط المنتج، عمله يسبق القول، وصوته يعلو بعد كل أنجاز، يعلو هادرا ً: ” إنني نصير الفقراء، ونصير العامل والفلاحين ونصيركم وإنني نصير المرأة وانتصر لها.. إنني سوف أفنى في سبيل خدمة الشعب وبعد مماتي، سوف تبقى روحي نصيرا له ” لكن من أين أتاه حب الشعب..؟! أتاه لأنه خبر قسوة العيش في طفولته وشبابه: ” إني ابن الفقراء، أنني فقير.. شخص فقير وجدت وعشت في حي الفقراء وقاسيت زمنا طويلا مرارة العيش، ولكننا نملك الغنى، غنى النفس، وكنا نملك الغنى، غنى الإباء…”
وإذ لانت له أسباب العيش في مؤسسة الجيش،لم ينسى جذوره مثلما نسى وينسى كادحون في المعمورة حيث انقلبوا و ينقلبون وبالا على شعبهم حال وصولهم إلى مراكز السلطة . وفي وفائه هذا، عكس عبد الكريم قاسم خلقا نبيلا أستمده من ثقافة واعية و من تنشئة اجتماعية هادفة في كنف والد كادح ووالدة طيبة القلب غرزا فيه قيم الخير”، قال : ” كان والدي عاملا بسيطا مثل بقية العمال وأصبح مزارعا بسيطا خدم هذا الشعب، ثم أصبح كاسبا يعمل على حصول القوت اليومي بشرف وإباء، وقد أوصانا، أوصانا ونحن أبناؤه بنصرة الفقير والكادحين ونصرة الحق والعدل وان لا تأخذنا في الحق لومة لائم …” .
وفي مؤتمر عمالي آخر ارتفعت عقيرته: ” إني واحد منكم… أنتم عائلتي وقبيلتي … عندما أنظر في وجوهكم تصيبني قوة وأنقاد إلى مساعدة الكادحين في كل مكان ..” . ويتألق شموخ عبد الكريم قاسم، في يومي الثامن والتاسع من شباط، وهو بين الحياة والموت، لا يتزعزع قيد شعرة عن شجاعة معهودة فيه شهد لها أعداؤه قبل أصدقائه ، وعن المبادئ التي حملها في ضميره، وفي مقدمتها سيادة العراق، يروي مرافقه المقدم الركن حافظ علوان الذي كان إلى جواره في اليومين المذكورين في وزارة الدفاع، وحمم النيران تنهال عليهم، يروي : ” في هذه اللحظات بالذات..دق جرس الهاتف وهذه الحادثة شيء مهم جدا، لم أقرأ عنها في أي مكان،ولم يتطرق لها أحد طوال عقود مرت على نهاية عبد الكريم قاسم، ولم تذكرها الرسائل الجامعية بجميع اتجاهاتها، أو أي كتب أخرى صدرت في الداخل أو الخارج، لأن شهودها هم ثلاثة أشخاص : عبد الكريم قاسم ووصفي طاهر وأنا، وأنا الشاهد الوحيد المتبقي بعد رحيلهما، وللأمانة التاريخية يجب تثبيت هذه الحادثة خدمة لتاريخنا العراقي السياسي الحديث …
أقول لك في تلك الساعات العصيبة دق جرس الهاتف وتحرك وصفي طاهر نحوه، وتكلم مع الطرف الآخر الذي كنا نجهل من يكون..ثم ترك الهاتف وقال لعبد الكريم قاسم: إن السفارة السوفيتية على الخط وتطلبك.. ولكن عبد الكريم طلب من وصفي إكمال حديثه مع المتحدث نيابة عنه والاستفسار منه ماذا يريد.. وفعلا تحدث وصفي ثم وضع السماعة جانبا وقال لقاسم: إن السفارة تود إخبارك بأنهم على استعداد للاتصال بموسكو لتدبير إنزال عسكري سوفييتي على بغداد خلال 12 ساعة من الآن أو حتى خلال هذه الليلة..، فرد عبد الكريم قاسم قائلا: لا.. أنت خابرهم وقل لهم إحنا لا نحتاج إلى مثل هذا الإنزال.. إني ما أريد أبدل.. إحنا خلصنا البلد من استعمار الإنكليز، وما أريد أن أبدل استعمار إنكليزي باستعمار روسي ” . رفض قاسم هذا العون فورا ودون أن يفكر فيه وهو يوشك على الموت ما دامت تمس سيادة البلد مجسدا القول المأثور : ” ماذا يهم إن خسرت نفسي وربحت العالم” .
وجسّد مبدأه الآخر في حرصه على حقن الدماء، في اليوم الأول من الانقلاب، طالبته الجماهير المحتشدة أمام وزارة الدفاع بالسلاح الذي كانت تعج به مخازن الوزارة، اعتذر عن ندائها بالقول: ” لا أريدها حربا أهلية..”، ولو لبى طلبها لأجهزت على الانقلابيين مثلما فعلت بأسلحتها البسيطة مع رتل الدبابات الأول المهاجم. قائد مدهش بمثل هذه الغيرية، بمثل هذه الحمية في بناء العراق، وبمثل هذه الروح الوطنية، قائد كعبد الكريم قاسم لا يحظى به العراق كل مرة، لا يحظى العراق دائما برئيس دولة كل نشاطه ينصبّ حول بناء وطنه ورخاء شعبه ، نموذج حضاري كهذا ألم يكن يفترض في قيادات الأحزاب دعمه كما دعمه المواطنون، ألم يفترض فيهم تناسي خلافاتهم، صراعاتهم، والالتفاف حوله في بناء العراق، في تطوير البنى التحتية لريفه ومدنه، في أنجاز المشاريع الإستراتيجية في قطاعات الزراعة والري والصناعة، هذا كان وما يزال مطلب العراقيين الأول، وهل هناك أولوية أهم في واقع متخلف من أولوية البناء التي بدأ بها الغرب قبل نشوء واستكمال المؤسسات الديمقراطية فيه .
من المحبط حقا أنّ من بين عشرات الشعارات التي عممتها قيادات الأحزاب في المسيرات الشعبية الحافلة لا أظن أن لافتة واحدة برزت تدعو عبد الكريم قاسم إلى المضي قدما في أعمار العراق، إن الديمقراطية تبقى محض خداع زائف بين مخالب الفقر والجهل والمرض، إن الشعب المقهور ما يهمه كبداية هو تحرره من الانحطاط المعيشي، تهمه دور سكن مريحة، شيوع التعليم والخدمات الصحية، توفير الكهرباء و شبكات إسالة الماء ، المعامل والمصانع ، روضات أطفال، مكتبات عامة، متنزهات، ضمان الحقوق وفق قاعدة المواطنة، هذه هي أولويات الشعوب المحرومة، وهذا ما اضطلع به عبد الكريم قاسم في حماس لا نظير له منجزا الكثير منه في فترة حكمه القصير، وهذا ما أثلج قلوب العراقيين فالتفوا حوله .
غير إن مشروع عبد الكريم قاسم الحضاري في بناء البلد والتدرّج في إرساء الديمقراطية لم يشغل حيزا في اهتمامات ضباط قوميين و قادة أحزاب قومية تمحور اهتمامهم أولا وأخيرا حول كيفية تسلم السلطة وبذريعة تحقيق الوحدة العربية معرفة إن صناديق الانتخابات لن توصلهم إلى سدة الحكم لضآلة نفوذهم في الشارع، لقد خططوا منذ الأشهر الأولى لـ14 تموز للإطاحة بعبد الكريم قاسم وهو في عنفوان شعبيته، وأجواء الحرية شاخصة للعيان ، محاولة انقلاب البكر وعماش في أيلول 1958، محاولة عبد السلام عارف لاغتياله في 11 تشرين الأول في 1958، حركة الشواف في 7 تشرين الأول 1958، محاولة البعث عبر اغتياله تمهيدا لتسنم السلطة في 7 تشرين الثاني 1959، ناهيك عن استقالة الوزراء القوميين في 4 شباط، 1959 ودون مبرر .واستمر التحرك القومي المضاد، و أسقط حزب البعث ومجموعة ضباط قوميين السلطة الوطنية في 8 شباط 1963 وبعد مقاومة بطولية من الزعيم والوحدات العسكرية الموالية له، ومن الشعب في الأحياء الفقيرة في بغداد. ودعمت الانقلاب دوائر أجنبية أثار هلعها وطنية الزعيم وتأميمه النفط في الأراضي الغير مستثمرة، وخوفها من مجئ حكومة يسارية بعد إجراء الانتخابات، ( قال علي صالح السعدي،مخطط الانقلاب وأمين سر قيادة البعث في تلك الفترة بعد طرده من السلطة في نوفمبر 1963 : ” جئنا بقطار أنكلو- أمريكي..” ويروى إن الرئيس الأميركي الأسبق جون كندي هدد بحرق بغداد إذا أخفق الانقلاب.. )، أعدم الإنقلابيون عبد الكريم قاسم في دار الإذاعة وهو صائم ودون محاكمة وحرموه حتى من قبر بعد أن رموا جثمانه الطاهر في نهر دجلة الذي فرح دون شك أن يحتضن أبنا بارا طالما أخلص له و لأرضه الطيبة .
ولم يجدوا تبريرا للغدر به سوى زعمهم أنه ” شعوبي ” يعادي تطلعات الأمة العربية في الوحدة لكونه رفض الاندماج مع الجمهورية العربية المتحدة المكونة من مصر وسوريا، وهو زعم تدحضه الحقائق ، أتسمت رؤية عبد الكريم قاسم للوحدة العربية برحابة الأفق، مال إلى التضامن بدل الاندماج في صيغة اتفاقيات ثقافية، عسكرية وتجارية بين البلدان العربية، أكد إن وحدة الضعفاء لا تجدي، وحدة الأقوياء . وهذا ما استنتجه بعد ” خراب البصرة ” صبحي عبد الحميد، الوزير في حكومة عبد السلام عرف، والأمين العام الحالي لحركة التيار القومي العربي في العراق، قال في 16-1-2008 ” كنا ننادي في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي بالوحدة الاندماجية ثم الوحدة الفدرالية والآن ننادي بالوحدة على الطريقة الأوروبية …”، وتلك كانت رؤية عبد الكريم قاسم الذي يحفل سجله بوقوفه مع الأمة العربية في قضاياها المصيرية، ولا أدلّ من ذلك أدواره البطولية في حرب فلسطين، 1948، حاز بسببها على نوطي شجاعة، في دعمه ماليا ومعنويا ثورة الجزائر وثورة عمان والقضية الفلسطينية، وفي دعوته وفد مصري عسكري زائر لوضع خطة حرب شاملة ضد إسرائيل،اعتذر الوفد لطلبه ، هذه وغيرها من الحقائق تؤكد ركونه إلى قوميته العربية ووحدة صفها بعيدا عن حماس الشعارات .
ترى ماذا قدّم الإنقلابيون ومن أعقبهم في هذا المجال ..؟ بعد دخولهم القصر الجمهوري وضعوا ملف الوحدة العربية على الرف، وأول من وضعه هو عبد السلام عارف ( ناشده الإتحاد الاشتراكي في القاهرة بعد توقيع إتقاقية التنسيق بين مصر وسوريا في 26 مايس، 1964 بمثابرة السير في طريق الوحدة، فقال : ” أنا الذي سأخسر وليس عبد الكريم فرحان ولا صبحي عبد الحميد .” ) . لقد أوحى لاحقا الأخير، أي عبد الكريم فرحان أحد الضباط القوميين الأحرار ممن خطط أيضا للإطاحة بعبد الكريم قاسم والوزير في حكومة عبد السلام عارف، بخطأ موقفهم حين صرّح :” مهما قيل في عبد الكريم قاسم أو وصف أو نسب إليه بدافع الكراهية أو الحب، فقد كان وطنيا مخلصا، شجاعا ونزيها ً ” و صرّح أيضا : ” حرص عبد الكريم قاسم على تطبيق القانون والتعليمات، ولم يستخدم صلاحياته الواسعة لمنفعته الشخصية أو لمنفعة أقاربه ..” . ومن الواضح إن الانقلاب ما كان له أن يتبلور لو قبلت قيادات الأحزاب الرئيسة الثلاثة ذات القاعدة الشعبية، الشيوعي العراقي، الوطني الديمقراطي، والديمقراطي الكردستاني بالفترة الانتقالية التي طالب بها عبد الكريم قاسم لخمس سنين، والتي جرّاءها تفاقم الخلاف بينه وبينهم مفضيا إلى القطيعة التامة . إنها مفارقة عجيبة حقا، صبر قادة هذه الأحزاب الثلاثة عقدين ونيف في فترة الحكم الملكي ودخل العديد منهم السجون والمعتقلات، فماذا كان يضر لو افترضوا إن الثورة لم تحدث وصبروا خمس سنين أخرى وهم أحرار في عهد جمهورية فتية يقودها زعيم وطني كل همه بناء البلد و إسعاد الشعب، لماذا لم يجمدوا لفترة وكخطوة أولى في رحلة الألف ميل مطالبهم السياسية المتمثلة في إلغاء الفترة الانتقالية، في إجراء الانتخابات العامة وتفعيل حقوق الكورد القومية، علما أن عبد الكريم كان قد حدد تموز 1963 لسن الدستور الدائم والشروع في أجراء الانتخابات العامة، كما أنه شرع في بداية طيبة تمثلت في حرية الأحزاب، في تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، في حرية الصحافة، وفي انتخابات النقابات المهنية، أجل لماذا لم يمهلوه خمس أو عشر سنين ويركزوا مثله على مشاريع التنمية والأعمار ..؟
إن التفاعل في بعديه الاجتماعي والسياسي ينتج آثارا إيجابية من بينها سماع الأطراف المتفاعلة لآراء بعضها الآخر، فهل منحت قيادات الأحزاب الثلاثة قائد ثورة تموز فرصة التفاعل هذه لترسيخ الثقة…؟! ولو رسخت الثقة أكان يخطئ في تقريب ضباط قوميين اعتقلوا وعذبوا بعد حركة الشواف وفي اناطة وحدات فعالة في الجيش بهم، وهم من قادوا الهجوم على وزارة الدفاع وأسقطوا الحكم الوطني..؟! . إن توخي السلطة عبر صناديق الانتخابات دفع القيادات الثلاثة إلى المطالبة المستمرة بإلغاء الفترة الانتقالية، وهو طموح مشروع، لكن يؤخذ عليه التسرّع، وهنا تبرز مسألة الصراع على السلطة التي ألحقت وتلحق فادح الضرر بالعراق وإلى حاضرنا هذا، كان على قيادات الأحزاب الثلاثة أن تدرك إن إجراء انتخابات في تلك الفترة كان سيفضي إلى مجئ برلمان وحكومة من اليسار، وما يترتب عليه من تفاقم التحرك المضاد من قبل كارتيلات النفط وحلف السنتو، والجمهورية لم ترسِّخ أقدامها بعد،و في جوارها حليفتان للغرب، والجو هو جو الحرب الباردة بين الإتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأميركية .. ؟ هذا الحذر السياسي، كما أرى، حال بين عبد الكريم قاسم وبين الشروع في انتخابات مباشرة.
وبعيدا عن المشاعر والانفعالات، نسأل أيضا : هل كان في متاحه أو أي بديل له في تلك الفترة سواء من اليمين الوسط أم اليسار في سني الثورة الأولى تفعيل حقوق الكورد المشروعة، وهو محاط بقادة فرق، ألوية، و أفواج، أكثرهم لا يستسيغون ذكر أسم كوردستان، فكيف له الحديث عن الحكم الذاتي أو حتى اللامركزية وفي بداية سلطته التي يهددها هؤلاء ذوو التأثير الواضح في مؤسسة الجيش، وماذا عن إيران وتركيا المناوئتين بكل ثقليهما لمثل هذا التوجه . كان في مقدور المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكوردستاني تأجيل هذه الحقوق التاريخية لفترة انتقالية يطالب فيها عبد الكريم قاسم بتكثيف أعمار كردستان وتطبيق قانون الإصلاح الزراعي بحذافيره، وهو ما كان سيـُفرحه وهو المولع بالبناء حيث امتدت مشاريعه أيضا إلى كوردستان،أبرزها سد دوكان ألإروائي .
لقد وقف عبد الكريم قاسم مع حقوق الشعب الكوردي غير إن التيارات العاصفة التي واجهته حالت دون بلورتها، أعوزته فترة زمنية مناسبة للبدء في تفعيلها ، ولم يتسرّع أبناء كوردستان في المطالبة بحقوقهم المشروعة ، كبقية القوميات في العراق ما شغل بالهم هو تحسين ظروفهم المعيشية،الصحية والثقافية، وتحريرهم من نير الإقطاع، وتلمسوا توجه الزعيم في هذا الصدد فآزروه، إلى أيامنا هذه يستذكرونه بالود، ناهيك عن تقديرهم لما أبداه من تعاطف معهم، إن عبد الكريم قاسم هو الذي أدرج في الدستور المؤقت فقرة شراكة الوطن بين العرب والكورد مع ضمان حقوقهم القومية، هو الذي وضع هيئة العلم والشعار العراقي الجديد بما يرمز إلى مثل هذه الشراكة، وهو الذي رحّب كثيرا بعودة زعيمهم الفذ مصطفى البارزاني مع رفاقه من منفاه في الإتحاد السوفيتي، واستقبلهم بحفاوة، هذه الخطوات الجوهرية وغيرها أضطلع بها دون وجود أي ضغط شعبي في كوردستان، وتمخض تعاطفه مع حقوق الكورد عن قناعة فكرية أشرب بها في مرحلة مبكرة من عمره، في برقياته إلى آمريه في غضون عمله كضابط في وحدات الجيش في منطقة بارزان أثناء انتفاضتها، 1945، وصف البيش مركه بـ” الثوار “، وهي إشارة واضحة إلى مشاعره الإيجابية تجاه كردستان، وقد قيم مثل هذه الحقائق البارزاني الخالد فآثر إبقاء الحوار مفتوحا وتجنب الصدام المسلح معه، غير إن الأحداث جرت إلى تصدع الأوضاع ومن ثم اندلاع ثورة أيلول، 1961، ويبدو إن قياديين يساريين في المكتب السياسي آثروا العمل الثوري بعد أن رسخت لديهم قناعة ثابتة إن الحقوق لا تؤخذ إلا بالكفاح المسلّح، ولاسيما إن أجواء تلك الفترة أتسمت بالرومانسية الثورية، أجواء كاسترو وجيفارا، وتركت آثارها فيهم، وكان في المتاح تغليب آليات الحوار .
يا للخسارة، وأية خسارة، مهّد عدم تريث قيادات الأحزاب الثلاثة لفترة انتقالية وعدم دعمهم عبد الكريم قاسم بعد وضوح نوايا التيار القومي المضاد في الاستحواذ على السلطة إلى حصول انقلاب 8 شباط، 1963 الذي جر العراق إلى سلسلة المآسي والنكبات والأهوال التي لا تزال آثارها تخيم علينا، ناهيك عن تعثر و توقف مشاريع الأعمار، ترى من يتحمل المسؤولية الأكبر في رحلة العذاب الطويلة هذه ، قيادات الأحزاب أم عبد الكريم قاسم ..؟ في هذا الصدد، لا بدّ من تضمين تقييم السيد رئيس إقليم كوردستان مسعود البارزاني لقائد ثورة 14 تموز :” إني أسمح لنفسي أن أبدي ملاحظاتي وأستميح كل مناضلي الحزب الديمقراطي الكوردستاني والشعب الكوردي الذين مارسوا أدوارهم في تلك الفترة عذرا لأن أقول وبصراحة بأنه كان خطأ كبيرا السماح للسلبيات بالتغلب على الإيجابيات في العلاقة مع عبد الكريم قاسم مما ساعد على تمرير مؤامرة حلف السنتو وعملائه في الداخل والشوفينيين وإحداث الفجوة الهائلة بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني وعبد الكريم قاسم، فمهما يقال عن هذا الرجل فإنه كان قائدا فذا له فضل كبير يجب أن لا ننساه نحن الكورد أبدا، لا شك أنه كان منحازا إلى طبقة الفقراء والكادحين وكان يكن كل الحب والتقدير للشعب الكوردي وكان وطنيا يحب العراق والعراقيين وكان التعامل معه ممكنا لو أحسن التقدير، يتهم عبد الكريم قاسم بالانحراف والدكتاتورية، أتساءل هل من الإنصاف تجاوز الحق والحقيقة ؟ لقد قاد الرجل ثورة عملاقة غيرت موازين القوى في الشرق الأوسط وألهبت الجماهير التواقة للحرية والاستقلال وشكل أول وزارة في العهد الجمهوري من قادة وممثلي جبهة الإتحاد الوطني المعارضين النظام الملكي ومارست الأحزاب نشاطها بكل حرية .
ولكن لنكن منصفين ونسأل أيضا من انقلب على من ؟ إن بعض الأحزاب سرعان ما عملت من أجل المصالح الحزبية الضيقة على حساب الآخرين وبدلا من أن تحافظ أحزاب الجبهة على تماسكها الذي كان كفيلا بمنع عبد الكريم قاسم من كل انحراف، راحت تتصارع فيما بينها وبعضها تحاول السيطرة على الحكم وتنحية عبد الكريم قاسم ناسية أولويات مهماتها الوطنية الكبرى، إني أعتبر أن الأحزاب تتحمل مسؤولية أكبر من عبد الكريم قاسم في ما حصل من انحراف على مسيرة ثورة 14 تموز … إن عبد الكريم قاسم قد انتقل إلى العالم الآخر، ويكفيه شرفا أن أعداءه الذين قتلوه بتلك الصفة الغادرة فشلوا في العثور على مستمسك واحد يدينه بالعمالة أو الفساد أو الخيانة.
واضطروا أن يشهدوا له بالنزاهة والوطنية، رحمه الله. لم أكره عبد الكريم قاسم أبدا حتى عندما كان يرسل أسراب طائراته لقصفنا، إذ كنت أمتلك قناعة تامة بأنه قدم كثيرا لنا، كشعب وكأسرة، لا يتحمل لوحده مسؤولية ما آلت إليه الأمور . ولا زلت أعتقد أنه أفضل من حكم العراق حتى الآن ..” . ذلك كان هو عبد الكريم قاسم، ينتمي إلى مدار الإنسان ، طاهر الأثواب، عفيف اليد واللسان، رحب الأفق، نير التفكير ، يوفر تكافؤ الفرص للمواطنين، عدو لدود للطائفية، للتعصب الديني والعرقي، للفكر الشمولي وحرب الطبقات ، محب للأمة العربية، للكورد و التركمان، للآشوريين والكلدان، للأرمن والسريان، يعتز بدينه المسلم، يعتز بالأيزديين والكاكئيين، المسيحيين والصابئة، لا بل كل الأديان ويرعى حقوقها ، يبني كل يوم، يخطط لأمومة سعيدة وطفولة وشيخوخة مريحتين، يزوّد الصغار كل يوم في المدارس بوجبات غذاء غنية تغنيهم عن الحرمان في بيوتهم ، يذود عن حقوق المرأة ، يدعو إلى الرفق بالحيوان، يشدّد على الهوية العراقية في مجتمع متباين الأعراق والأثنيات، الأديان والمذاهب، فتترنم الألسن بالوطن والوطنية ويمشى الوعي الجمعي في هذا الاتجاه أمام تراجع الو لاءات التقليدية . الويل لقاتليه في 9 شباط، لم ينتموا يوما إلى آلام وعذابات العراقيين، قتلوه تلهفا للسلطة لا غير، الويل لهم، لم يدعوه يكمل بناء العراق، لم يدعوه يواصل مسيرة الرخاء والحرية والعدل.
* وزير سابق في حكومة اقليم كوردستان
Taakhi