الرئيسية » مقالات » تعليق الثانية الهاربة أو الكبيسة..!

تعليق الثانية الهاربة أو الكبيسة..!

أبو الطيب المتنبي، شكراً ومع ذلك تدور..
حدث في الثانية الأخيرة من كانون الأول / ديسمبر عام 2008 شيء مثيرٌ للغاية، فالساعة أو جهاز ضبط الوقت ازداد بمقدار ثانية واحدة، أي أننا قمنا بإضافة ثانية واحدة للزمن، وبهذا تكون قد ولدت الثانية الكبيسة، ويعود السبب إلى أن دوران الأرض حول محورها يتباطأ بشكل بسيط مقارنة بجهاز ضبط الوقت الذري، وبمعنى آخر أن الأرض تدور ببطئ تراكم خلال ثلاث سنوات لتصل قيمته ثانية واحدة.. لكنها تدور!..
ثلاث سنوات في ثانية واحدة، ثلاث سنوات في بيان واحد.
لا يكفي أن نضع هدفاً أمامنا..
يجب أن يوجد طريق للوصول..
لا يكفي إيجاد الطريق.. بل يجب أن نسير عليه…
لكنها تدور..
كم الساعة؟ سؤال نسمعه في كل يوم، سواء في المنزل أو المدرسة أو مكان العمل أو… ربما يكون نظام الممانعة أكثر من غيره ينظر للساعة، ليس فقط من أجل معرفة الزمن المناسب بهدف الرد المناسب، ولا من أجل إصدار ممانعة مناسبة يدعمها تعليق مناسب بل خوفه من الساعة وقيام الساعة.. ومع ذلك فهي تدور.!
صار لكل ولد “كبير” ساعته، يحملها في ساعده، أو في تلفونه النقال، وتوقيت الزمن مهم سواء للكبار أو الصغار، ولواضعي الحدّ على بشار، بحجة زبيبة الزهار، وكأن المعارضة هي زواج مسيار، رفعها وطويها، وتعليقها في 7 نوار.. وصارت الساعة مهمة أكثر لبعض “المعارضة” السورية المتعلقة بالساعة والمعلّقة عيونها على بندول الساعة، ويعتقد الساعاتي الطيب، في أكثر من تعليق طيب، أن تعليق الساعة جاء بأمر من صاحب الساعة، وربما يدوم هذا التعليق حتى قيام الساعة..
وللوقت خصوصيته وأهميته، للقيام بعمل مناسب، من أجل تعليق مناسب، والوصول للمكان المناسب يحتاج إلى “عالم” مناسب.. والحمد لله نحن وإياكم نمثل “أمة العلماء والعقداء”، وأجمل “نحن” قرأتها في لغة القرآن كانت في رسائل الأخوان الموجهة للممانع إبن أبو سليمان. لكنها تدور..
منذ قديم الزمان كان نجاح جني المحصول، وتحديد أيام الأعياد، وطقوس التضحية والفداء وغيرها – كلها كان يحدد نتيجتها هو أننا إلى أي درجة استطعنا متابعة مرور الزمن، رجال الدين و”العلماء” كانوا يعملون ويجتهدون ليستطيعوا تحديد الوقت المناسب للبدء بعمل مهم جداً، سواء كان حول بناءالصروح مثلاً أو انطلاق الجيش لخوض غزوة غزية، أو تعليق بيان على ناعورة وقف عنينها قبل شهر واحد من شباط واحد – يقول البعض أن بيان التعليق كان إشارة بدء مهرجان حماة الثقافي والذي يقام منذ عام 82 وفي كل شباط!-… ومازالت الناعورة لا تدور، لكن عنينها مازال يدور..
ولحسن الحظ أننا نعيش في عهد أبو الطيب المتنبي، فهو يعرف حركة الطالع وينظر وإخوانه حركة النجوم ومقاربتها من بعضها حتى يصل هذا التقارب إلى الوقت المناسب، وكما قام المشعل ـ أوف مشعل أوف مشعلاني ـ بتدشين انتصار 1350 ضحية غزية جديدة، يقوم الأخوان طيبنا مع طيب ابن عثمان بتدشين انتصارعشرين ألف ضحية مع فوائدها وإهدائها مع نصرها ونجادها إلى ابن قائد التشرينين، ورغم أنف زواج المسيار فإن الأرض تدور ولا تدار…

وفي عصرنا هذا صار قياس الزمن أكثر أهمية من قبل، واليوم أيضاً يتابع الباحثون وعلماء النجوم والفلك حركة الأجرام السماوية، لكن الزمن ما عاد يعتمد على “الساعة الشمسية” وإنما على أجهزة ذرية(الكترونية) دقيقة جداً لقياسه. هذه القياسات تعتمد على حركة اهتزاز الذرات وهي متناهية في الدقة.. والاهتزازات غالباً متناهية الدقة خصوصاً على من يريد الجلوس على كرسيين ويقوم بالهز بنفس الوقت!
ولقياس السنة يعتمد العلماء على طريقتين بشكل عام، السنة “النجمية” وهي الزمن الذي تقطعه الأرض خلال حركتها لتعود إلى نفس المكان بالنسبة لنقطة في مدارٍ على الفضاء الخارجي(الكون)، ومن أجل قياس هذه المسافة(المدار) علينا دراسة حركة النجوم بشكل دقيق جداً.. والطريقة الثانية، تكون قياس مسافة حركة الأرض بمساعدة الساعات “الذرية”، ولكوننا نعرف عدد اهتزازات الذرة في الثانية وبالتالي يمكن حساب طول السنة، وقد كانت مفاجأة كبيرة للعلماء عندما تبين أن قياس السنة عن طريق الساعة الذرية كان أطول بمقدار ثانية واحدة مقارنة بطول السنة “النجمية”.. وبقيت أنا مثل الجهلاء، الغير علماء والذين لا يفقهون فقه أبو الطيب المتنبي، ولا يستخدمون هزازات ذرية وغزية – بقيت أشاهد أنها تدور وتدور..
قد يكون ذلك ولأول وهلة ليس بالشأن المهم، لكنها بالنسبة للعلماء تعتبر مشكلة، لذا قرر العلماء أنه من وقت لآخر يجب إصلاح هذا الخطأ، ويكون هذا الإصلاح من خلال إضافة ثانية واحدة إلى طول السنة وفي كل فترة زمنية معينة، وهكذا صار عندنا مصطلح الثانية الكبيسة، وبهذا يعود توازن وانسجام بين قياس الساعة الذرية والساعة النجمية.. أي أننا نلاحظ أحياناً أنه حتى الهزاز والاهتزاز والتخويف والابتزاز لا يخلو من الفوائد..
ويقوم بتعيير الثواني الكبيسة المعهد الدولي لحركة دوران الأرض، ومنذ عام 1972 (أي قبل 1982 بعشر سنوات شمسية وبعد الحركة التصحيحية بعام واحد)، قام بتصحيح طول السنة أو تصحيح قياس الزمن ما مجموعه 34 ثانية كبيسة ـ وهو نفس رقم عمر طويل العمر يوم كبّروه بضع ثواني كبيسية، وصغّروا الدستور بضع ثواني هاربة كبيسة ـ. وآخر مرة تمّ فيها مثل هذا التصحيح – أو إضافة ثانية لطول السنة –كان في 31 ديسمبر عام 2008 .. ونحن شعرنا بهذه الكبسة بعد سبعة أيام، لكنها مازالت تدور..
هذا “الإصلاح” طبعاً غالبية الناس لا تشعر فيه ولا تنتبه له، فهو بهذا الصغر الذي يمكن تجاهله بالنسبة للإنسان العادي، وهذا يعني أيضاً أنه يمكن لنا أن ننام قريري العين وستكون سنة 2009 طويلة بالضبط مثل التي سبقتها، لكن بدون هزّ، وبالأمس تركتها وهي تدور…
وذكّرني شاعرنا الكبير أبو الطيب المتنبي بنكتة كتبها في مدونته الشخصية أنه:
قام رجل في الستين من عمره بالاحتفال مع زوجته بذكرى زواجهم في مطعم تركي، وفي لحظة مؤثرة تظهر جنيّة وتقول”أنه بهذه المناسبة السعيدة ستحقق لكل منهما أمنية”.
ـ الزوجة: أريد أن أذهب مع زوجي في رحلة حول العالم.. _لحظات وبطاقة طائرة للاثنين من الدرجة الأولى ورحلة عالمية_.
ـ الزوج: بعد تفكير المؤمن قال: هذه فرصة واحدة في العمر.. _اعتذر من زوجته _ أريد أن أتزوج امرأة أصغر مني بثلاثين عاماً!
لحظات ويظهر الرجل بعمر تسعين عاماً..
وداعاً أبو الطيب المتنبي، أو إلى لقاء؟، ورغم ذلك مازالت ـ وأعتقد أنها ستظل ـ تدور…

8 / 2 / 2009.