الرئيسية » مقالات » في الذكرى الـ 30 لقيامها -مأزق الثورة الإيرانية

في الذكرى الـ 30 لقيامها -مأزق الثورة الإيرانية

بدلاً من أن يطرح قادة إيران لغة مطمئنة لشعبهم وللجيران، فإنهم يستمرون في لغتهم المتشنجة وهم على أعتاب الذكرى الثلاثين للثورة لمصلحة فوضى بلا حدود تغطّيها أولاً تلك المزاعم الإيديولوجية إيّاها، لاسيّما منها الصراع مع إسرائيل. وأنها، ثانياً، تستنفر التراكيب الأهليّة وتسعى إلى تفجيرها، فتوقظ النزاعات المذهبيّة وتطلقها إلى حدودها القصوى. وأنها، ثالثاً، تصدّر لنا، فضلاً عن التنازع والفوضى، أفكاراً “سياسيّة” لا تنضح إلا تخلّفاً ورجوعاً إلى القرون الوسطى، يتصدّرها تديين الشأن العام ورذل كل ما يمتّ بصلة إلى التقدم والتنوير، فيما يواكبها رفع الاستبداد الداخلي إلى مصاف الرجاء والخلاص.
اللغة السياسية الإيرانية هي لغة محنطة، سقيمة ومستنسخة من لغات سابقة لأنظمة عديدة شهدها التاريخ البشري ودفعت شعوبها ثمناً مأساوياً بسببها. إنها لغة الإيديولوجيا التي تعتقد أن وظيفتها لا تكمن في رفع المستوى المعيشي لمواطنيها، بل في النهوض بـ “دور رسالي” على صعيد المعمورة. ولئن جربت ألمانيا النازية إيديولوجية “سيادة” العرق الجرماني في مواجهة الأعراق الأخرى، فإنها انهارت بعد أن دفع الشعب الألماني فاتورة هائلة من الخراب استدعت جيلين على الأقل لنفض غبار التدمير الذي أصاب مناحي الحياة كافة.
إيران في الذكرى الثلاثين تعلن نظاماً للتوزيع بالحصص سيسمح لكل سائق إيراني بالحصول على غالونين مدعومين من الغازولين يوميا. وهذا إجراء أدى إلى ظهور سوق سوداء، وحقق أيضا أرباحا طائلة رجال الأعمال ـ الملالي وحلفاؤهم في حرس الثورة الإسلامية. فيما أشيع مؤخراً عن اختفاء المليارات من الدولارات من عائدات النفط الإيراني. كما باتت خطة توزيع الغازولين بنظام الحصص أمرا ضروريا بسبب إنفاق الجمهورية الإسلامية، وهي رابع دولة من حيث حجم الإنتاج العالمي من النفط، على استيراد ما يزيد على 40 بالمائة من احتياجاتها من المنتجات البترولية المكررة. وبالطبع ليس بمستغرب على أحد أن بدأ هذا الوضع بإعلان الخميني أن الأمر الأكثر أهمية هو الإسلام وليس الاقتصاد. وفي لحظة ارتجال تجاهل تماما المخاوف الاقتصادية التي أبداها أول رئيس وزراء له، مهدي بازركان، ووصف الخميني هذه المخاوف بقوله: “الاقتصاد للحمير”.
حاول الرئيس السابق علي أكبر هاشمي رفسنجاني تغيير ذلك الموقف الإيديولوجي، خلال عقد التسعينات، إلا أن ذلك لم يحدث بسبب خوف المؤسسة الحاكمة من أن تؤدي مثل هذه المشاريع إلى جلب عشرات الآلاف من الفنيين “الكفار” الذين من المحتمل أن يؤدي وجودهم إلى نسف الطموحات الإسلامية للنظام الحاكم. ويمكن القول هنا إن إلغاء جزء من دعم الدولة للجازولين يعتبر خطوة أولى في اتجاه خطط أوسع لخفض العجز في موازنة الحكومة، الذي وصل رقما قياسيا. أضف إلى ذلك أن إيران تستورد كل المواد الغذائية التي تستهلكها ونجحت في منع حدوث مجاعة واسعة النطاق بفضل الدعم الحكومي الهائل للأسعار. وفي حال إلغاء هذا الدعم، فإن سعر الخبز، على سبيل المثال، سيتضاعف. كما أن غالبية الإيرانيين لا تزال تستهلك مادة السكّر لأن الحكومة تتحمل ثلث تكلفة استيراده تقريبا.
على الرغم من الارتفاع الهائل في أسعار النفط خلال العامين السابقين، فإن حكومة احمدي نجاد ربما تجد نفسها قريبا في مواجهة مشكلة سيولة نقدية، ويعود هذا من ناحية إلى الزيادة الهائلة التي أقرت في ميزانيتي الدفاع والأمن. وفي إطار محاولاته الرامية إلى جعل اقتصاد البلاد اقتصاد حرب، تخلى الرئيس الإيراني عن مواصلة العمل في عدد من المشاريع التنموية الطويلة الأمد. وفي نفس الوقت ازداد الإنفاق على وجود الحرس الثوري في أماكن يعتبرها مسرحا للنزاع مع الولايات المتحدة، خصوصا في أفغانستان والعراق ولبنان. كما أن الخوف من حدوث تمرد عرقي في عدة محافظات، بما في ذلك سيستان وبلوشستان وكردستان، اجبر حكومته على تحديد مخصصات غير مسبوقة للحشد الأمني في هذه المناطق.
وبما أن إيران باتت التعبير الأبرز في العالم الإسلامي ، ولتوزّع إقامة هذه الطائفة على مواقع بالغة الحساسيّة والوظائف الإستراتيجية، من حقول النفط وطرقه إلى الصراع العربيّ – الإسرائيلي من خلال «الساحة اللبنانيّة». إلا أن هذه الدلالات والمعاني تحوّلها السلطة الإيرانيّة والمتعاطفون المحليّون معها إلى مخاطر، خصوصاً في جمعها بين قوميّة فارسيّة راديكاليّة وشيعيّة شعبويّة، ومن ثمّ محاولة جرّ الشيعة في العالم العربيّ إلى خدمة غرضيها هذين. وفي ظلّ ارتفاع النبرة الطائفية، تغدو لمحاولات كهذه أنياب ليس من السهل كسرها أو قلعها. فإذا صحّ أن طهران تنوي إنتاج سلاح نوويّ، بتنا موعودين بحقبة شاقّة جدّاً يتضافر فيها التحدّي الخارجيّ وتصديع النسيج الداخليّ للبلدان المختلطة السكّان. وبسبب العراق وما يجري فيه، ونزاع «حزب الله» وإسرائيل، قد يتسارع التدهور بما يتجاوز القدرة على التوقّع، وقد يكون أضخم من طاقتنا على التكهّن.
تواجه إيران اليوم مأزقاً تاريخياً إذا لم تتحول إلى إيران الدولة، وهو أمر يتطلب نظرة جديدة للذات وللآخر، والكثير من التواضع والتخلي عن انتفاخ الأنا والاعتقاد بأن حل مشاكل البلاد المعقدة يمكن أن تتمّ بحرب إيديولوجيات، ذلك أن القيادة الإيرانية بحاجة إلى توفير الخبز أكثر من حاجتها إلى الترسانة النووية، وهي بحاجة أيضاً إلى ثقة شعبها بها. أما اللغة التي ظلت مهيمنة على مدار العقود الثلاثة من عمر الثورة، ليست بالضرورة صالحة لهذا الزمن الذي تغيّر كثيراً، مهما عاندنا الواقع ورفضنا الاعتراف به.

كاتب وأكاديمي عراقي