الرئيسية » مقالات » عن الشهادة و الشهداء

عن الشهادة و الشهداء

مرت حادثتان مؤخرا دون أن تستدعيان الكثير من الانتباه , ستساعدنا أكثر في فهم ما تقصده الخطابات السائدة عندما تتحدث عن الشهادة و الشهداء , يجب هنا ألا ننسى أولا كل محاولات شيطنة الأصولية بسبب ثقافة الاستشهاد التي وصمت من قبل مثقفي السلطان و خاصة مدعي العلمانية منهم بكل ما تيسر من التهم التي تنطبق قبل أي شيء على كل سلطة قائمة بالفعل و على كل خطاب سائد يخدم هذه السلطة أو تلك , للتذكير فقط اعتبرت المؤسسة الدينية في السعودية الجهاد ضد الروس في أفغانستان يومها فرض عين على كل مسلم و ساعد نظامي السادات و مبارك حتى ألد أعدائهم من الجماعات الإسلامية التي كانت قد اغتالت الأول و حاربت نظام الأخير حربا لا هوادة فيها بالتوجه إلى هناك للمشاركة في الجهاد و اليوم يبكون على اللبن المسكوب , حسنا , الحدث الأول هو احتفال القوات اللبنانية بيوم الشهيد في 21 أيلول , هذا الاحتفال يجري سنويا إذا سمحت الظروف السياسية و السلطة خاصة به و يكون الطقس الأهم فيه عادة هو قداس على نية شهداء ما تسميه القوات بالمقاومة اللبنانية , الملفت هنا , الذي لم يلفت انتباه أي كان , هو خطاب السيد سمير جعجع في هذه الاحتفالية الاستثنائية , الذي يمكن اختصاره أننا أمام ابن لادن مسيحي أو ماروني بالتحديد ( لأن بوش هو أيضا قد مارس طوال 8 سنوات و دون أن يزعج أحد دور ابن لادن الأصولي المسيحي اليميني المغرق في محافظته حتى درجة مقززة حتى لأمريكان أكثر توازنا و اعتدالا في كراهية الآخر ) , لكن ابن لادن هذا لا يثير بكلامه أعصاب أحد كما يفعل عدوه نصر الله , إنها نفس الكلمات , الفرق هو في الآلهة التي تبارك الموت أو قتل الآخر , “ليست الشهادة بحد ذاتها ما يوجع الشهيد أو أهله أو أقرباءه أو رفاقه أو مجتمعه , إنما الوجع في محاولات إنكارها و تشويهها و تقزيمها” , “نحن فخورون بشهدائنا و لن تنال لا منهم و لا منا سهام حاقدة جاحدة مضللة موتورة تطلق علينا غدرا و ظلما بين الحين و الآخر” , “قضيتهم واحدة دائما أبدا : محاولة القضاء على رمزية شهادتنا , قضيتهم واحدة دائما أبدا أن نصلب لتستحق قيامة لبنان” , “في النار رمينا و من النار ذهبا خرجنا, إنه امتحان التاريخ … فليسكت المراؤون الشتامون الكذابون المخادعون كلهم و لتنتصر الحقيقة و لينتصر لبنان” , “إن لبنان الذي تريدون هو بالفعل في خطر , خطر الديماغوجية القاتلة و الشعبوية المدمرة و الطروحات السامة لكن خلاصه في أيديكم فلا تتأخروا , كونوا طليعين متنورين أبطالا كالعادة هكذا يتوحد لبنان هكذا يخلص لبنان” , تذكروا هذه الكلمات : الوطن في خطر , عدونا حاقد موتور مخادع , شهدائنا فوق الجميع , لبنان لنا , الحقيقة لنا , تذكروها جيدا , يعود جعجع بمقاومته و شهدائها إلى ما قبل 1300 سنة , من كان هؤلاء يقاومون وقتها ؟ لا يوجد سوى الحكم الإسلامي الذي فتح سوريا و لبنان , هذا الكلام لا يريد تبرئة الدولة الإسلامية القروسطية من تهمة القمع و القهر , المؤكدة بلا شك حتى من قبل أشد المدافعين عنها تشددا , هم يبررون هذا القمع و لا ينفونه , و ليس فقط ضد سكان البلاد المفتوحة بل و ضد الفرق الخارجة على السلطة من أتباعها من العرب و المسلمين أنفسهم , المضحك المبكي هنا هو أن جعجع اليوم يقف في تحالفاته السياسية جنبا إلى جنب مع أحفاد من “قاومهم” أجداده اليوم – أحفاد “قادة” الدولة الإسلامية القروسطية و حملة فكرها السني المعادي للآخر بعد أن جرى تعديله ليلائم ضرورات العلاقة المميزة مع السفارة الأمريكية و العلماني جاك شيراك – أي تيار المستقبل “السني” الذي يمثل قاعدة النفوذ السعودي في لبنان , ضد “مقموعين آخرين” , ضد ضحايا آخرين لقمع الدولة الإسلامية القروسطية , و هم الشيعة , و إلى جانب الممثلين السياسيين الطائفيين لطائفتين هما السنة و الدروز , هؤلاء الممثلين السياسيين الذين تحالفوا في الحرب الأهلية ضد تسلط المارونية السياسية و عمدوا “نضالهم” هذا بدماء العديد من المارونيين البسطاء الذين سقطوا في مجازر ارتكبت في كثير من الأحيان لإطفاء شهوة الانتقام كما جرى بعد محاولة اغتيال وليد جنبلاط أو عند “فتح” سوق الغرب و راح ضحيتها حتى شيوعيين متحالفين مع جنبلاط فقط لأنهم مسيحيون , تماما كما عمد جعجع و بشير الجميل “نضالهم” الطليعي و المتنور بدماء المسلمين و الدروز و الشيعة و الفلسطينيين بسخاء يتناسب مع “إخلاصهم لمقاومة أجدادهم” , هل هذا كاف ليوضح لكم بعض نفاق الطبقة المحترفة للسياسة و نفاق خطاباتها و نداءاتها لنا لنقتل بعضنا بعضا في سبيل مجدها و سيطرتها على مصيرنا ؟ يتشابه الأعداء إلى حد التطابق عندما يتحدثون عن الوطن و الشهيد , عن الطليعة و التنوير , من حافظ الأسد إلى بشير الجميل , من سمير جعجع إلى نصر الله , من جورج بوش إلى ابن لادن , يتشابه معنى الوطن و الشهيد , تذكروا أن الصهيونية التي تملأ الدنيا صراخا اليوم عن ثقافة الاستشهاد الفلسطينية مارست و تمارس ذات الثقافة لكن باسم يهوه رب القتلة و ليس رب ضحاياها , هكذا تنحط العلمنة عند أزلام الأنظمة التي تواجه الأصولية لتصبح نفي إنسانية الضحية إرضاءا لرب القاتل , إنها ذات زيت الكهنة الفاجر الذي طالما مجد قتل الآخر – الكافر , الهرطقي , المختلف , و هذا سينقلنا إلى الحدث الآخر الذي لم يلفت هو الآخر أي انتباه وسط الضجيج المنفلت ضد الضحية و الذي ينشغل بتمجيد القاتل هذه المرة أيضا و أيضا و أيضا , “كونوا مستعدين للدفاع عن الثورة” , هذه الدعوة أطلقتها فنزويلا الاشتراكية ( الحوار المتمدن , العدد 2545 , 2 – 2 – 2009 ) , أنصتوا جيدا , “لن نظهر لهم الرحمة” , “توعد ( الرئيس تشافيز هنا ) مرشحي المعارضة المنتصرين بإدخال الدبابات إلى مناطقهم في حال سعوا للانفصال عن الدولة البوليفارية” , يدور الحديث عن ميليشيا “شعبية” لحماية الثورة من الرجعية , لماذا ؟ لأن أجهزة الأمن التقليدية غارقة في الفساد , هذا الاعتراف الصريح بأن النظام التشافيزي البيروقراطي الفوقي عاجز عن إصلاح أجهزته الخاصة من الفساد يقدم فقط تحت ضغط تبرير ضرورة إقامة أجهزة أو مؤسسات شبه عسكرية تابعة للنظام مباشرة و ذات مهمة وحيدة : الدفاع عنه “حتى الموت” , تحتاج البيروقراطية , كأية نخبة حاكمة , لشهداء أيضا , يمكن اعتبار حافظ الأسد هنا “منظرا” متطورا لهذه الفكرة , لاستخدام الشهداء لصالح النظام , و للدعوة للشهادة في سبيل بقاء النظام و سيطرته , و قد لقنت أجيال السوريين على مدى ثلاثين عام “حكمته” المأثورة : الشهداء أنبل بني البشر و …. , إن هذه الأجهزة شبه العسكرية التابعة للنظام لن تكون أفضل من الجيش الشعبي الصدامي أو فرق الموت اليمينية الحكومية في أمريكا اللاتينية نفسها التي قتلت آلاف الشيوعيين و اليساريين طوال عقود بإشراف و تمويل أمريكي مباشر , ولن تغير تسميتها بالميليشيا الشعبية من دورها الوظيفي هذا , النتيجة واحدة , يجب فرض سلطة النظام بالحديد و النار إذا فشلت وسائل التدجين الأقل عنفا , يجب خلق مجرمين قتلة لا يفقهون شيئا سوى أوامر قادتهم و تسميتهم بهدف تجميل جرائمهم و جرائم سادتهم بالشهداء و المناضلين……