الرئيسية » مقالات » حقوق الشعب الكردي في ظل دولة البعث!

حقوق الشعب الكردي في ظل دولة البعث!

سوف نحاول في سياق هذا المقال الإجابة على السؤال التالي: هل يتمتع الشعب الكردي بحقوقه المنصوصة عليها في الشرع الدولي عن حقوق الانسان؟
تؤكد مقدمة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 على حقيقة هامة،ألا وهي:”أن تناسي حقوق الانسان وازدراؤها قد أفضيا إلى أعمال همجية آذت الضمير الانساني”.ان ورود كلمة “تناسي” المخففة وليس خرق أو تعدي مثلا،ماهي سوى نتيجة تساومية بين ممثلي المعسكرين الأشتراكي والرأسمالي أنذاك،حيث لاحت التباشير الأولى للحرب الباردة عندما سكتت لغة المدافع وأشتعل الصراع الأيديولوجي على كافة الجبهات.
بادرنا في السنوات الماضية سواء إلى كتابة العديد من المقالات والدراسات عن حقوق الانسان الكردي وخرقها من قبل سلطة البعث الدكتاتورية في كافة المجالات أو تحليل مجموعة من الوثائق عن قضية حقوق الانسان عبر التاريخ،بدأ من الختم الاسطواني لكورش-Guhresh-[559- 530 ق.م] الذي يعد أقدم وثيقة تاريخية عن حقوق الانسان،حيث استوعب الكثير من مبادئ القانون الميدي:Madikani Hazar Dadistan،اعلان حقوق الانسان والمواطن الصادر عن الثورة الفرنسية،المعاهدة الدولية حول منع جرائم الإبادة الجماعية-الجينوسايد- لعام 1948،ومرورا بالاعلان العالمي والمعاهدات الدولية عن الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية للإنسان لعام 1966.بيد أننا وللحقيقة يقال لم نجد أية كلمة أو مادة تدل من قريب أو بعيد على التزام سلطة البعث بحقوق الانسان الكردي وحتى تلك المواثيق التي صادقت عليها هي تخرقها عند أول فرصة و بكل صفاقة .لأن مجردالتوقيع على هذه المعاهدة أو تلك ومن ثم عرضها على البرلمان،بهدف المصادقة عليها،وبعد اصدار القانون المناسب بذلك تصبح وبحكم مبدأ:,Implementationأي: تطبيق،هذه المعاهدة الدولية أو تلك في القانون الداخلي واجب التطبيق والالتزام بها. ورد هذا المبدأ كذلك في معاهدة فيينا عن الاتفاقات الدولية لعام 1969[ المواد:26.27]،التي صادقت عليها الحكومة السورية أيضا.ومن المعروف أن حقوق الأنسان تقسم إلى مجموعتين أساسيتين:أ- الحق في الحياة، حق الحرية،السلامة الشخصية،عدم التعرض للتعذيب والعبودية،حق المشاركة في الحياة السياسية،حق التملك،حق الزواج ،حق التعبير عن حرية الرأي،حرية العقيدة،حق التجمع والتظاهر.
ب- وهي تشمل الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.
فلو تناولنا تلك الحقوق الواردة أعلاه والتي أصبحت فيما نطلق عليها بالشرائع الدولية عن حقوق الانسان،من جهة اعتراف غالبية دول العالم بها وتطبيقها بهذا الشكل أو ذاك،سوف نجد أن سلطة البعث العنصرية لاتعتبر الكردي في مصاف أو من جنس البشر،ومن هنا حرمانه من جميع تلك الحقوق والحريات ومصادرتها بشكل تام.

الحق في الحياة
ان قتل الانسان الكردي في ظل دولة البعث،اهدار دمه وكرامته اتخذ طابعا ممنهجا ومبرمجا منذ انقلاب البعث المشؤوم في العام 1963 وإلى يومنا هذا.
• وعلى هذا النحو لايحق للإنسان الكردي الحياة والعيش كباقي البشر،لذا أقدمت السلطة السورية على ارتكاب المجازر والمذابح تلو الأخرى في عامودة 1960،قامشلو 2004،وقتل الشباب الكرد الثلاثة في عشية نوروز2008، سجن الحسكة المركزي 1992،اختطاف وقتل العلامة الكردي الشهيد محمد معشوق الخزنوي،قتل أكثر من 16 مجند كردي في الجيش السوري[ وقتل المجند الكردي السادس عشر قبل يومين وهو الشاب خليل حنان من عفرين] منذ انتفاضة الشعب الكردي الجماهيرية والبطولية التي انطلقت شرارتها من قامشلو،الميدية وحفيدة سبارتاكوس في العام 2004 وحتى الآن وغيرها من الجرائم الوحشية التي تخرق وبشكل سافر مواد المعاهدة الدولية عن الجينوسايد لعام 1948 والحق يقال ان هذه السياسة البربرية للحكومة السورية تجاه الشعب الكردي لايمكن وصفها سوى بسياسة التطهير العرقي للشعب الكردي وبتر أوصاله على مراحل.

الحق في الحرية والسلامة الشخصية

ليس من حق الكردي أن يكون حرا ولا يتمتع أبدا بالسلامة الشخصية،لذا فهو يعاني من تسلط أجهزة الاستخبارات السورية و شتى مؤسسات الدولة وعرب المستعمرات،الذين يتدخلون في كل شاردة وواردة في حياته الشخصية ويضطهدونه،بهدف حمله على الرحيل ومغادرة أرضه،وهو مكبل بقيود العبودية والإضطهاد القومي على الرغم من أن الأسرة البشرية حرمت العبودية والرق بواسطة معاهدة خاصة اتخذت في العام 1926.وأشد مايثير الاشمئزاز والتقزز عندما تنبري المنافقة والدجالة من طراز بثينة شعبان مثلا،بالكتابة والتحدث عن الإنسانية والحضارة والحرية والتآخي وحقوق الفلسطينيين و…إلخ لذا نقترح منحها جائزة دولية خاصة في فن النفاق والكذب تقديرا لأعمالها الجليلة!!.وكاتب هذه الأسطر اكتشف انه لمدة ثلاثة سنوات ونصف ابان تواجده في كردستان الغربية كان موضوعا تحت المراقبة الأمنية ليلا ونهارا،فضلا عن 19 سنة كاملة منذ تواجده في النمسا وإلى لحظة كتابة هذه الأسطر.ان دل هذا على شيء فإنما يدل على جبن وخوف غستابو البعث العنصري وأزلامه المرتزقة وحثالة المجتمع من المثقفين والمناضلين الكرد الملتزمين بقضية تحرر الشعب الكردي قولا وفعلا.

الحق في عدم التعرض للتعذيب

يستحيل أن تجد كرديا واحدا اعتقلته مخابرات ال س. س البعثية إذا لم يكن قد تعرض للتعذيب الشديد والضرب المبرح والإهانات،برغم وجود اتفاقية دولية تحظر التعذيب اتخذت في العام 1975، بهدف حماية جميع الاشخاص من التعريض للتعذيب والمعاملة الاخرى القاسية وغير الانسانية والحاطة (بالقيمة الانسانية) . ونعلم جيدا وبناء على أقوال الناجبن من الجحيم البعثي ،كيف حولت السلطة اثناء انتفاضة قامشلو البطولية في 2004 المستشفيات والمدارس ومديريات الأمن إلى أماكن لممارسة أفظع أشكال وفنون التعذيب والقتل.

حق المشاركة في الحياة السياسية

لايحق لثلاثة ملايين كردي المشاركة في الحياة السياسية في سوريا لأن الكرد كشعب غير وارد في قاموس البعث،وبالتالي ليست لديه القدرة على المشاركة في قيادة الدولة والمجتمع،ومن هنا عدم وجود أي ممثل للشعب الكردي سواء فيما يسمى بالبرلمان أو الحكومة التي تلعب دور خلية أمنية لاأكثر،لابل حتى حاجب صغير في إحدى سفارات البعث العربي.يعد هذا التمييز والتفرقة الواضحة على أساس قومي خرق واضح لكافة المعاهدات الدولية،وعلى رأسها المادة الحادية والعشرون للإعلان العالمي لحقوق الأنسان ،حيث تؤكد صراحة على انه:”1- لكل فرد الحق في الاشتراك في إدارة الشؤون العامة لبلاده إما مباشرة أو بواسطة ممثلين يختارون اختيارا حرا،2- لكل شخص نفس الحق الذي لغيره في تقلد الوظائف العامة في البلاد” إذا يمكن القول ودون مبالغة، حيث تظهر جزمة العساكر في دولة البعث لاوجود لمواد الاعلان العالمي.

حق التملك والزواج

هذا الحق مصان في كافة التشريعات الدولية،بما فيها القوانين السورية وينطبق على جميع البشر ما عدا الكرد. لأن قانون الاحصاء الاستثنائي الشوفيني لعام 1962 حرم الكرد من الجنسية السورية [أصبح عددهم الآن أكثر من 300 ألف شخص] يمنع على هؤلاء حق التملك مثل شراء العقارات والبيوت وإلخ.أما الكرد الذين يتمتعون بالجنسية السورية فهم معرضون للتمييز في كافة المجالات وسقف الملكية محدودة بالنسبة لهم وفق توجهات المخابرات السورية وتعليمات البعث الحاكم بهدف خنق الكرد اقتصاديا وإضعاف تأثيرهم. يشكل المرسوم التشريعي رقم 49 والصادر بتاريخ 10.9.2008 من قبل الرئيس السوري بشار الأسد والذي ينص على منع وضع أي من إشارات الدعاوى والرهن والحجوزات والقسمة والتخصص على صحيفة العقار في المناطق الحدودية سواء أكان العقار ضمن المخطط التنظمي للمدينة أو خارجه،إلا بعد الحصول على الترخيص القانوني من وزارة الداخلية،تدبير عنصري آخر موجه ضد الشعب الكردي حصرا لخنقه وإقتلاعه،وهذا يعني بكلمات أخرى مصادرة كافة الممتلكات غير المنقولة المتبقية لدى الكرد.وهو يتناقض بشكل مطلق مع المادة 17 من الاعلان العالمي لحقوق الانسان لعام 1948،فضلا عن العهدين الدوليين عن الحقوق المدنية والسياسية،والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للإنسان وقبل كل شيء المعاهدة الدولية بشأن مكافحة التمييز العنصري لعام 1966.

حق التعبير عن حرية الرأي والعقيدة وحرية التظاهر

هذه الحقوق التي أصبحت من بديهيات حقوق الانسان في العالم وعلامة على رقي وتقدم المجتمعات،ليس من حق الكردي التمتع بها مطلقا.فحرية التعبير للكتاب والمثقفين الكرد غير موجودة أبدا ويجري ملاحقتهم وسجنهم ومعاقبتهم لمجرد أنهم يفكرون بصورة أخرى.فحتى مظاهرة الأطفال الكرد المحرومين من الجنسية في العام 2002 في دمشق،جرى قمعها بوحشية واعتقال ذويهم ومعاقبتهم.أما أخوتنا الكرد الأيزيديين فهم كانوا وما زالوا مضطهدين ومحرومين من حرية ممارسة طقوسهم وشعائرهم الدينية.ومن الجدير بالذكر قمع كافة المظاهرات والفعاليات السلمية التي قام ويقوم بعا الكرد ضد المشاريع الشوفينية والعنصرية.وكلنا يتذكر التنكيل بالمظاهرة الكردية السلمية أمام مجلس الشعب وذلك في كانون الأول 2008 واعتقال مجموعة من قادة الأحزاب الكردية،ناهيك عن لفيف من النشطاء والأعضاء،مما يخرق بشكا تام المادة العشرين من الاعلان العالمي لحقوق الانسان.

الحقوق الاجتماعية والثقافية والاقتصادية

لايمكن الحديث عن أية حقوق اجتماعية،اقتصادية أو ثقافية للشعب الكردي،إذا كانت هناك أعداد كبيرة من الكرد محرومون من الجنسية السورية من جراء قرارات عنصرية شوفينية،واللغة الكردية وكافة مظاهر الحياة الثقافية ممنوعة بحكم القوانين الجائرة والموجهة ضد االكرد حصرا،بهدف التعريب والصهر والتذويب.والمنطقة الكردية،أي غرب كردستان محاصرة اقتصاديا منذ الستينات وتعاني من القوانين الاستثنائية مثل باقي المناطق السورية وقانون حالة الطوارئ السيئ الصيت.لذا ظهرت في المنطقة الكردية تحديدا أحزمة الفقر وتحول الكرد إلى سكان الغيتو بفضل قرارات البعث التي تهدف بصورة واضحة إلى اخلاءها منهم وابتلاعها بشكل نهائي وبناء على توصيات عراب االشوفينية السورية محمد طلب هلال،عن طريق بناء المزيد من المستعمرات وبعبارة أدق،كولخوزات وسوفخوزات شيوعية-بعثية عصرية في مرحلة مابعد سقوط الشيوعية.
وبناء على ذلك نجد أن سلطة البعث ضربت بعرض الحائط كافة المواثيق والعهود الدولية،التي تعترف بحقوق الانسان الكردي وظلت مجرد حبر على ورق،وهي انما تخالف بذلك كافة التزامالتها الدولية التي أخذتها على عاتقها كدولة ذات سيادة وعضوة في العديد من المنظمات الدولية. فهي تمارس وبالضد من تلك الإلتزامات سياسة إبادة الشعب الكردي بالتقسيط وبكافة الوسائل العسكرية والسياسية والإجتماعية والثقافية والإقتصادية وبصورة خاصة ارهاب الدولة.وهنا يمكن الحديث عن سياسة إبادة جماعية مبرمجة ومخططة،تقوم بها مختلف الاجهزة الحكومية وحزب البعث الحاكم.وهذه الجرائم هي ضد الانسانية وتندرج في إطار منظومة الجرائم المنصوصة عليها في نظام روما الأساسي لعام 2002 ويجب محاكمة مرتكبيها أمام محكمة الجنايات الدولية في لاهاي. وقد أشرنا في أكثر من دراسة سابقة أنه على الحركة الديمقراطية الكردية في غربي كردستان وبالتنسيق مع المعارضة السورية الاستفادة من هذه الفرصة وتقديم شكوى ضد أقطاب السلطة الدكتاتورية لمحاكمتهم وفق الآليات والأنظمة الدولية النافذة. ولما كان من الضروري أن يتولى القانون حماية حقوق الانسان لكيلا يضطر المرء آخر الأمر إلى التمرد على الاستبداد والظلم،كما ورد ذلك في ديباجة الاعلان العالمي لحقوق الانسان،وبالنظر أن القانون السوري موجه ليس إلى حماية الكرد وصيانة حقوقهم،بل إلى قمعهم وإضطهادهم بوحشية لا مثيل لها، لذا كانت انتفاضة غربي كردستان البطولية،شرعية للغاية وصرخة في وجه الاستبداد والطغيان.وأي تقييم آخر لإنتفاضة أحفاد الميديين والهوريين التاريخية،ماهي إلا خدمة رخيصة سواء عن وعي أو بدونه للنظام البعثي التوتاليتاري.

*د. آلان قادر حقوقي وكاتب كردستاني-متخصص في القانون الدولي العام، رئيس الجمعية الكردية للدفاع عن حقوق الانسان في النمسا شباط 2009