الرئيسية » الملف الشهري » من هو عبد الكريم قاسم ؟

من هو عبد الكريم قاسم ؟

عبد الكريم قاسم

كان يجسد في شخصه وبصورة مكثفة، الجوانب الإيجابية والمشرقة من القيم والأعراف والتقاليد العراقية الجميلة المحببة إلى العراقيين، في الوطنية والقومية والإنسانية والنبل والشهامة والشجاعة والكرم والمروءة والتسامح والبساطة والعفو عند المقدرة وحب الناس، وبالأخص الفقراء منهم، والثقة العالية بالنفس وبالشعب وبالناس المحيطين به والإعتماد عليهم. وهذه الصفات النبيلة هي التي أحالت بينه وبين المكر الذي قد يلجأ إليه السياسي الداهية أحياناً لإيهام الخصوم والإيقاع بهم وإبقاء الموالين له متماسكين من حوله والحفاظ على التوازنات ووحدة القوى الوطنية. وقد وضعته الأقدار في قمة القيادة وسلمته أعلى مسئولية لقيادة البلاد في مرحلة من أشد مراحل تاريخ العراق غلياناً وعربدة وهياجاً وانفجاراً. في تلك الإنعطافة التاريخية الكبرى التي لا بد من حصول الإنشقاق والصراع العنيف بين مكونات الشعب وقواه السياسية التي لم يسلم منها أعظم رجالات التاريخ مهما أوتوا من قدرة وكفاءة ودهاء. والظروف التي مر بها قاسم ومعاناته كانت فوق طاقة أي قائد مهما كان حكيماً وداهية، ويمكن القول أن عبدالكريم قاسم كان يمتلك في شخصه طاقات كامنة وإمكانيات كبيرة كسياسي ورجل دولة لم تسمح له الظروف العاصفة بعد الثورة لإبرازها في السياسة والإدارة، لأنه رغم تلك الظروف العاصفة، فقد استطاع الرجل أن يحقق الكثير للعراق ودون أن يكون عنده حزب أو مؤسسات إستخبارية قمعية نشطة لتحميه. وعليه أعتقد أن نهاية قاسم بتلك الطريقة اللئيمة لا تدل على ضعفه في شيء، بل كانت حتمية فرضتها ظروف المرحلة التاريخية التي جاءت بالثورة والقوى السياسية التي ساهمت بها ولأن تلك القوى كانت وماتزال في مرحلة المراهقة السياسية، لم تدرك المخاطر المحيقة بها وبالوطن. ولذلك كان قاسم وكأي شهيد في التاريخ، برز وهو أقوى بعد مصرعه مما كان عليه في حياته. وسيبقى عبدالكريم قاسم، إبن الشعب العراقي البار رمزاً للوطنية العراقية والعدالة الإجتماعية، حياً في وجدان الأغلبية الساحقة من الشعب العراقي.


لكن التاريخ نفسه لم يحفظ للزعيم عبد الكريم قاسم الذي كان متفرداً بزهده وترفعه عن مد يده للمال العام لم يحفظ سوى (سفرطاس) بسيط كان الزعيم الراحل يضع فيه طعام الفطور خلال شهر رمضان المبارك.سفرطاس الزعيم هذا المعدن الذي يتكون من صحون اربعة مربوطة ببعضها بصورة عمودية يوضع في كل واحد نوع من الطعام وترسله عادة البيوت الى ذويها وابنائها في مقرات عملهم، هذا السفرطاس الذي ضاع وسط تلاطم الاحداث يعود في كل رمضان للصائم في وزارة الدفاع الذي خرج من الدنيا بلا مال ولا بنين ليضعه على الموائد القديمة..فاتحاً صحنه الاول الذي يحمل كباباً من مطعم قرب (طوب ابو خزامة) في ساحة الميدان وصحنه الثاني الذي يحمل (حساءً) والثالث الذي يحمل (تمن مطبوخ) والاخير الذي يحمل (مرقاً) سفرطاس لرجل يحكم بلداً عظيماً وكبيراً يمتد من زاخو الى البصرة ليشارك صائمي بلده من كادحين وشغيلة ومن مفارقات هذا السفرطاس في رمضان عام 1962 انه حضر وفد مهم من اليابان بشأن استثمار نفط منطقة مجنون كان الوفد قد جلس في غرفة مجلس الوزراء الغرفة التي يعقد فيها اجتماعاته ويدير فيها شؤون البلد ولما حان موعد الافطار دهش اليابانيون عندما رأوا الزعيم وهو يفتح هذا السفرطاس ليفرشه على مائدة فارغة.

منقول