الرئيسية » مقالات » هذه المأساة لا تنسى – وتبقى ذكرى أليمة

هذه المأساة لا تنسى – وتبقى ذكرى أليمة

استطاع حزب البعث وحلفائه القوميين والناصريين إغتيال ثورة 14 تموز عام 1963 في صبيحة الرايع عشر من رمضان والمصادف الثامن من شباط الاسود بأشراف وتمويل وتخطيط المخابرات الاجنبية وعلى رأسها البريطانية والامريكية ( باعتراف قيادات حزب البعث ) ، بدفع الشركات النفطية الكبرى التي كانت مهيمنة على ثروات العراق ، وبدعم من جمال عبدالناصر رئيس الجمهورية العربية المتحدة آنذاك والدول المجاورة للعراق ، ومساندة القوة الرجعية داخل العراق من خونة الشعب العراقي من أدعياء الدين والاقطاعيين والمتضررين من ثورة تموز من أيتام النظام الملكي وعملاء الصهيونية الذين يرتدون لبوس العروبة ، هولاء جميعا ألتقت مصالحهم لإغتيال الثورة العراقية طمعاً بثروات العراق الطبيعي ، وهكذا تحالفوا هؤلاء فيما بينهم في جبهة واسعة بعد ان نضموا صفوفهم وبعث نشاطهم من جديد وشكلت منهم رأس الحربة والمنفذة للانقلاب والقضاء على الحكم الوطني ومنجزاته ، بعد استغلالهم سياسة العطف والتسامح من قبل الشهيد عبد الكريم قاسم . لأن ثورة 14 تموز 1958 كانت ضربة موجعة لمصالح الدول الغربية وشركاتها النفطية ، وضربة لطموحات دول الجوار ، وضربة للمتنفذين من الاقطاعين وملاك العقارات الكبيرة داخل العراق .
يتحمل الشهيد الزعيم عبد الكريم قاسم جانبا من المسؤولية أتجاه انقلاب الثامن من شباط بسبب إنسانيته وتسامحه ، حين لوجوئه الى سياسة توازن القوى بين حماة الثورة والقوى المضادة والمعادية للثورة ، وأتخذ الزعيم سياسة التسامح والموقف الإنساني مع اعدائها والعفو عنهم ، ورفع الشعار ( عفا الله عما سلف ) او ( الرحمة فوق العدل ) التي اقتصرت على اعداء ثورة 14 تموز دون سواها ، حيث اطلق سراح جميع المتأمرين من السجن حتى اولئك الذين أرادوا قتله ، وأعادة عدداً كبيراً من الضباط البعثيين والقوميين الذين وقفوا ضد الثورة ( بعد اطلاق سراحهم ) الى مراكز حساسة في الجيش داخل مدينة بغداد العاصمة وضواحيها ، وتعين آخرين من أعداء الثورة في المؤسسات والهيئات الحكومية المؤثرة ، وهذه الإجراءات التي اتخذها الزعيم عبد الكريم قاسم ، لقد استغلت من قبل القوى المعادية والمضادة للثورة ، كانت لها الأثر الكبير في نجاح الانقلاب الفاشي ، إضافة الى ذلك لم يجري اي تغيير او تعديل على الاجهزة الامنية للنظام الملكي وبقى اعتماد عليها من قبل حكومة الثورة . ومن المعلوم أن الزعيم عبد الكريم قاسم ظل يقاوم الانقلابيين ببسالة وشجاعة حتى ظهر اليوم التالي التاسع من شباط والذي تم اعدامه دون تحقيق ومن خلال محكمة صورية عاجلة في دار الإذاعة في بغداد يوم 9 فبراير / شباط 1963.
عندما استلمت هذه المجموعة الضالة زمام الحكم واستيلائها على السلطة في العراق ، بحيث أحدث هيجانا وغليانا شعبيا منددا بالانقلابيين واعتبر عند العراقيين أبشع الكارثة حلت بالعراق وعلى أثر تلك الاعتبارات خرجت الجماهير العراقية ضد ذلك الاتقلاب المشؤم للدفاع عن العراق وعلى مكتسبات ومنجزات ثورة تموز … لكن بدون جدوى للأسف ، ورغم ذلك أدت الى المعارك الدامية بين مؤيدي ثورة 14 تموز واعدائها من الانقلابين في جميع المدن والقصبات العراقية ، حيث كان للحزب الشيوعي دورا بطوليا في مقاومته وتصديه للأنقلابين . وأجتاح العراق والعراقيين بجميع قومياته وشرائحة الاجتماعية المختلفة اشد الويلات والمآسي والكوارث ، وبدأت المرحلة السوداء في تأريخ العراق الحديث ، وشهد العراق في تلك الايام مرحلة تصفيات المرعبة للقادة الوطنيين وأبادة خيرة ابناء الشعب العراقي بالعنف والبطش الدموي ، وسالت دماء بريئة في العديد من المدن العراقية واغراق البلاد ببحر من الدماء .
وواصل حزب البعث وبمساعدة حلفائه من الداخل والخارج هجومه الشرس والمكثف ضد القوى الوطنية والديمقراطية والمستقلة عموما بكل الاساليب الممكنة آنذاك ، بدون رحمة ، وبدأت حملات القمع الذي مارسها الانقلابيون ضد الحزب الشيوعي العراقي وقوى الشعبية التي اتخذت موقفا معاديا من الأنقلاب دفاعا عن العراق وعن ثورته الوطنية تحت اسم البيان رقم 13 السيء الصيت الذي دخل ذاكرة العراقيين من خلال ملاحقة ومداهمة المساكن اعضاء ومؤيدي الحزب الشيوعي العراقي ، وأماكن عملهم وفي كل مكان من العراق وكانت حصيلة تلك الحملات دخول المئات من ابناء شعبنا الى السجون والمعتقلات ، حيث خضع جميع المعتلقين لعمليات تعذيب جسدي ونفسي بالغة الحقارة والشراسة في قصر الرحاب بإصرارٍ من “ملك” الأردن انذاك انتقاما للعائلة المالكة ، وقد استشهد الكثير من قيادات الحزب الشيوعي العراقي وابناء شعبنا البررة من اجراء تلك الأعمال الوحشية والقذرة في ذلك القصر والذي اصبح مقرا للتعذيب والقتل ، حيث تم تغيير اسم القصر الى قصر النهاية اي نهاية الانسان العراقي عندما يدخله .
بعد مقاومة عنيفة من الشارع العراقي ، لقد نجح انقلاب 8 شباط الدموي وصعود حزب البعث لسدة الحكم في العراق ، وشكل الحرس القومي الذي اشتهر بالاستهتار والتعذيب والقتل والإبادة الجماعية لكل عراقي عارض انقلابهم الاسود ودافع عن ثورة 14 الوطنية ، وتم تصفية الزعيم عبد الكريم قاسم بعد تنفيذ الحكم الإعدام به وعدد من رفاقه ومرافقه ومن قاتل معه ضد الانقلابين من الضباط والجنود والمدنيين بمختلف طبقاتها حتى اللحظات الأخيرة ، وكما قدمت كافة الاحزاب الوطنية والديمقراطية بالاخص الحزب الشيوعي الكثير من الشهداء قراباناً ثمينا للعراق العظيم وثورته المجيدة وقائدها الشهيد عبد الكريم قاسم . كما خلت الساحة الثقافية والفنية والعلمية من المبدعين ومن المتلقين على حد سواء ، وامتلاء السجون والمعتقلات بعشرات الألوف من المثقفين ، وصارو معظمهم نزلاء في أقبية الاجهزة الامنية ومقرات الحرس القومي ، وحملات التعذيب الوحشية بحقهم الذين قضى الكثيرين من اولئك السجناء تحت التعذيب ودفنوا في المقابر الجماعية ، فيما أغلقت منافذ الأعمال العلمية والفنية والرياضية وحلت محلها (فرق الكاولية) في شوارع وساحات المدن العراقية ، وتحولت المتنزهات والنوادي الرياضية والفنية والثقافية الى سجون وساحات اعدام . وهكذا بلورة ثقافتهم البديلة التي وضحت معالمها الفاشية المشبوهة ، المتقطعة عن الجذور الاصلية للثقافة العراقية .

بعد مرور ستة واربعين عاما على ذلك الانقلاب الدموي لا تزال هذه المأساة لا تنسي بان لون الدم وهمجية وشراسة المتنفذين للأنقلاب هما اول ما يقفز الى الذهن العراقي عندما يتذكر انقلاب الثامن من شباط ، وتبقى ذكرى أليمة للذين عاشوا تلك الفترة المظلمة تلك الايام السوداء من ارهاب وتوريع الناس ، والقتل ابناء شعبنا لمجرد الشبهة ، ومطاردة الابرياء لا ذنب لهم سوى حبهم لعبد الكريم قاسم ، والقتل حبا بالقتل ، وتداعيات هذا الحدث على تلك الحقبة من تأريخ العراق ، لم تكن ممارسات استثنائية في يوميات ذلك الانقلاب ، لا بد للتأريخ ان ينتزعها من سيرورة الوقائع على لسان من عاش تلك الفترة المظلمة .

المجد والخلود لذكرى الزعيم الوطني الخالد
الشهيد عبدالكريم قاسم وجميع صحبه الشهداء
الأبرار .
والمجد والخلود لشهداء شعبنا .
شهداء الحركة الوطنية العراقية .
والخزي والعار لحزب البعث الفاشستي وجميع
أعداء شعبنا العراقي .
الملاحظة
( للأسف الشديد لم تشمل الشهداء والضحايا حكم البعث في عام 1963 مثل اقرانهم هم من ضحايا حزب البعث بعد سقوط النظام البعثي متذرعة الحكومة الجديدة إن مواد القانون المعولة به حاليا تنص فقط على مكافأة الضحايا المتضررين من حكم البعث بعد عام 1968 وظلوا خارج السرب والفئة المنسية بعد ان دفعوا الثمن باهضا بسبب وطنيتهم واخلاصهم للشعب وجميع معاملاتهم ظلت مركونة فوق الرفوف ) .