الرئيسية » مقالات » فوز المالكي … بداية طريق الى مرحلة الفصل بين الدين والدولة .. متى وكيف؟

فوز المالكي … بداية طريق الى مرحلة الفصل بين الدين والدولة .. متى وكيف؟

لم يتمسك المواطن الجريح في اختياراته الانتخابية بالطرح الذي ذهب اليه البعض من السياسيين المخضرمين ذوي الباع الطويل في المعترك السياسي والداعي الى حجب اصوات العراقيين عن الإسلاميين والتوجه في اختياراتهم الانتخابية الى صناديق العلمانيين. أن من اطلع على بعض من هذا الطرح ينتابه الشعور وكأن العلمانيين يمتلكون العصا السحرية لإنقاذ المجتمع من معاناته اليومية، وخلاصه من شرنقة الخدمات الهشة، او من الوضع الأمني الذي لا يزال في بعض من مفرداته الإرهابية يدفع بالمواطن الى الأرق. أن مثل هذه الدعوات يفتقد الى ابسط اخلاقيات الخيار الديمقراطي، فالمواطن بات على ادراك ووعي سياسي (وإن لم ينضج خلال تجربته طيلة خمس سنوات الى المستوى الذي نرجو ونأمل)، قد بات على ادراك بشكل مكنه من التمييز بين حملة الشعارات الدينية او المؤدلجة وبين درجة تحقيق مضامينها. الى ذلك، ومن خلال تحليلنا نتائج الانتخابات المحلية، يمكن التاكيد بأن مواطننا قد تمكن أخيرا من الولوج الى طريق، نأمل ان يكون هو الأقرب الى الصواب في اختيار ما هو مفترض أن يتم بعيدا عن الأنكفاء والتقوقع.



ان الدعوة (مستقبلا) الى حجب الأصوات عن اية كتلة او تنظيم ديني مسيس لدليل على النزعة اللاتعددية واللاديمقراطية. فمساحة الحقوق والواجبات في النظام الديمقراطي تكون، ومن المفترض ان تكون، على سعة وشمول لايمكن تجاهل استحقاقاتها. أننا، وفي ذات السياق، نؤكد بان النتائج الانتخابية ليست المحطة الأخيرة في المشهد السياسي العراقي، بل هي اشارة واضحة لكل الأطراف المشاركة وغير المشاركة في العملية السياسية بان مقاليد الحكم لن تكون حكرا لكتلة او فرد ايا كان لونه المذهبي او الإتني او توجهه السياسي، وان نتائج الانتخابات (مثلا) دليل آخر على فشل/نجاح اطراف سياسية منها قد تخندقت خلف شعارات دينية او مذهبية او قومية، ومنها قد تبنت العلمانية كوسيلة اقناع دون التعاطف مع الشعور العام للمواطن واحتياجاته اليومية. فالهوة بين طموح المواطن العراقي في الخدمات والرفاه والأمن وبين شعارات دينية أو مؤدلجة أو الداعية الى تطبيق الديمقراطية، أخذت بالإتساع ولم تتناسب وحجم تضحياته وتضحيات الشعب العراقي ككل. وللأسف يمكننا القول أن مثل هذه الشعارات قد تم تغليفها برموز أئمة وعلماء نكن لهم تقدير واحترام وإيمان كنموذج للكائن الإنساني السوي، شعارات غير موضوعية، غير قابلة للتحقيق، غير شفافة الى درجة التشكيك، بل الى خلق القرف عند الجميع. شعارات اكل الدهر عليها وشرب منذ عقود، شعارات لم تتمكن من اقناع حتى الموالين لهم من المواطنين الذين خدعوا وتمسكوا بها من باب الولاء لبعض من الوقت.



اننا كنا ولا نزال مع اتاحة الفرصة لكل القوى السياسية، الإسلامية منها وغير الإسلامية، وذلك ايمانا بان ذلك هو الأسلوب الأمثل لوضع قادتها على المحك فيما قدموه، ولجعل الحكم فيما بعد ملكا للناخب، ودليلنا على ذلك هو ما أفرزته انتخابات المجالس البلدية من نتائج لم يتوقعها حتى الساسة المخضرمون.



في حقيقة الأمر اننا نتطلع، على المدى الأبعد, الى المزيد من الانحسار لمثل هذه القوى التي فقدت ثقة المواطن من المذهبين الشيعي والسني. فالنتائج التي افرزتها الانتخابات قد كشفت عن تلك الحقيقة التي نحن بصددها, وأن الزمن لكفيل، أيضا، بغياب كتل واطراف شغلت ولا تزال تشغل اكثر من مفصل من مفاصل الدولة الإدارية والسياسية. ونعتقد، بدورنا جازمين، ان الانتخابات البرلمانية القادمة ستمهد الطريق الى ظهور قوى سياسية غير مؤدلجة تمهيدا للقضاء التام على كل اشكال المحاصصة والمحسوبية المبنية على قاعدة الدين أو المذهب أو القومية.



لقد سبق وان تطرقنا “موضوعيا” الى استحقاقات المرحلة الانتقالية غير المريحة، بل كنا على يقين تام بأن ظهور مثل هذه السابقة (ما بين الثابت والمتغير) هي من باب الحتمية الظرفية، وأن تواصلها ستمتد لمرحلة أخرى حتى افراغ ما في الجعبة من مشاريع وبرامج سياسية فارغة لن تؤدي الى انهيار كل معالمها واطاراتها فحسب، بل هي مؤدية، بلا ريب، الى انتحار سياسي مرتقب خلال الخمس سنوات القادمة.



من جانب آخر، وفي السياق ذاته، يمكننا الجزم بأن دعاة الدين المسيس ليسوا، ولا يمكن أن يكونوا على مستوى من النضج السياسي المفترض، وذلك بحكم اللادراية بالواقع المعاش، وبالتطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تجري على الصعيدين الإقليمي والدولي. وأنهم بعيدون، أو ابتعدوا كل البعد عن معرفة دقائق الأمور المتعلقة باللعبة السياسية، وهذا ما نعتبره بمثابة المطب الذي آل اليه الجمع خلال الحقبة الزمنية القصيرة المنصرمة كل من الطرفين الشيعي والسني، وأن حملة الشعارات الدينية، التي نحترم فحواها ومضامينها السماوية، قد عزلوا انفسهم تدريجيا عن ثوابت المواطن والروئ والبصيرة التي درج على التمسك بها. فالمواطن والوطن، الذي عانى من مظلومية كبرى ومن اضطهاد سياسواجتماعي، بحاجة الى نفض الغبار عن هذا الماضي المقيت بعيدا عن الشعارات الديماغوغية، وأن الرغبة الجامحة، التي ولدت في بواطن تفكيره في التغيير نحو الأفضل بعد معاناة من الحرمان والإذلال الاجتماعيين، ستكون ضمن اولويات طموحه. ولنا ان نجزم بأن السواد الأعظم من الشعب، بعد معاصرته المرحلة السياسية الحالية وما تمخض عليها من نتائج غير سعيدة، لقادر على بلورة رؤى سياسواجتماعية اكثر شمولا وبابعاد ما هو مفترض أن تكون من حيث التسامحية والتكافلية والمساواتية.



أن مرحلة المخاض السياسي العصيبة التي مررنا بها، والنتائج السلبية التي حظي بها المواطن من خلال هذا المخاض، ووقوف السيد جواد المالكي على مسبباتها ونتائجها، دفعت به وبالمجتمع الى انتفاضة سلمية وثورة مخملية هادئة ازاحت بعض من الهم الاجتماعي. كما نجزم بأن نتائج الانتخابات المحلية، التي جرت، ليست إلا بداية لمرحلة انتقال جديدة سيحتضنها المشهد السياسي ايجابا. ويمكن الجزم ايضا بأن هذه المرحلة الانتقالية الجديدة في النوع، قد تمتد الى خمس سنوات أخرى وصولا الى تبني خيارات ستكون على الصعيدين السياسي والاقتصادي هي الآوسع في الممارسة والتطبيق الأيجابيين، وهذا ما سيتم من خلال الممارسة الديمقراطية للقوى الوطنية التكنوقراطية، بما في ذلك القوىالدينية المعتدلة في ادارة شؤون الوطن والمواطن. كما نأمل ان تكون التحالفات المرتقبة ين القوى السياسية التي ربحت معركة الانتخابات الديمقراطية مبنية على اساس تحقيق سيادة القانون والتوجه نحو البناء الاقتصادي الدائم. وهنا لايسعنا إلا أن نوصي بتحالفات بعيدة عن مكاسب حزبية ضيقة على حساب المواطن الذي ابتلى بالمحاصات المقيتة التي زرعت الفرقة والدمار.