الرئيسية » مقالات » التكامل في تفسير الفكر والسلوك الإنساني – الجزء الخامس

التكامل في تفسير الفكر والسلوك الإنساني – الجزء الخامس

تناولنا في الجزء الرابع من هذا البحث تطور الفكر الإنساني وتصوراته للسلوك الإنساني وتطبيقاته, من خلال قواعد الفكر الديالكتي وتطوره وانعكاسات الفكر الهيغلي,وأثر الوضعية والتجريبية والنسبية وقواعد الانعكاس الشرطي ونظرية بافلوف في اكتساب المعرفة وما نعنيه بالرموز اللغوية , ودور ذلك كله في مصادر المعرفة وقيمة اكتسابها والعلاقة بين نظرية التحول والإثراء وتناقض المحتوى, ومدى تماسكها في تشييد الصرح المعرفي , واستناد السلوك الإنساني إليه, مما هو من لوازم وضرورات الفكر الإنساني وآثاره , والذي يستوجب إلقاء مزيد من الأضواء والتوضيحات لفهم ملامح فكر متكامل يستند إلى تفسير متكامل وصحيح, يتماسك فيه ولا تتعارض نتائجه مع المقدمات المنطقية – على اختلاف الرؤى والمناهج والدراسات – لصياغة رؤية منهجية متكاملة تخدم الفكر وتفسر العلاقات وتؤسس لموقف جامع ومستنير, تكون مقدماته الأولية سليمة , ولبناته الأساسية متماسكة, ليكتمل البناء وتعلو أركانه ويعتمد عليه لإشادة صرح صالح لتفسير وتعليل مختلف الظواهر والبنى الفوقية, ومستكنات وكوامن الفكر وأسسه ومتعلقاته وآفاقه ورؤاه من سياسة واجتماع واقتصاد وإدارة وحكم وموقف قومي وإنساني, ومنطلقات كل ذلك في ضوء التماسك المطروح بوضوح نظري واقتران عملي , بعيدا عن التخلخل وضبابية الموقف وهفافته وتهافته وانحداره وافتقاره إلى الموضوعية والمنهجية والتفكير العلمي القائم على إدراك عميق للغة العلمية ومستلزماتها ومعارفها ومسلماتها الأولية , وهو ما نحن بصدد الوقوف عند دقائقه في مدارسه واتجاهاته الوضعية والتجريبية والوجودية والجدلية.. وضرورة بيان الحكم الدقيق –معرفيا وبحيادية علمية- للوصول إلى أفضل صياغة فكرية تخدم المسيرة الإنسانية في تكاملها التراثي الشامل , وهو ما ركزنا عليه جهدنا منذ بداية هذا البحث .
ومن أجل بيان الرؤية العلمية الناصعة والتفكير العلمي الدقيق, كان لابد من الاحتكام إلى قواعدهما ونبذ التعصب لفكر أو لون أو جنس بعينه, وذلك باعتماد المنطق الإنساني وقواعده الفكرية والسلوكية ’ورفض منطق وصائي وفكر مسبق , واعتماد لغة العقل والمنطق المجرد قياسا دقيقا وأساسا مكينا , يعتمد عليه في التقعيد والتأسيس والبناء , بما يوفر الكثير من التمحل والبحث المصنوع والشارات والقيم والأوضاع والموازين الجاهزة والقوالب الفكرية المعدة , وأشكال التطرف والمغالاة والتشدد في الفكر والسلوك والممارسة الحركية , مما يؤخر المسيرة العلمية والتراثية , ويسيء إلى المنهج العلمي وقضاياه في التطور المعرفي والإنساني والتفسير للحدث التاريخي, وتجارب الأمم وسير الشعوب, وارتباط ذلك بالقيم العلمية والتراثية والروحية والأخلاقية المتكاملة , بما يحيط بجملة المؤثرات والعوامل , وهو ما سوف ينتهي إليه البحث في النهاية, مؤكدا على تضافر وتكامل العلل والأسباب, في مختلف الرؤى والظواهر والأحداث والسير والتطلعات .
ولزاما – وكما قدمنا – كان لابد من فحص الأدلة الدقيقة في المذاهب الكبرى – وقد وقفنا على دحض بعض القضايا- , خدمة للحقيقة, وإسنادا لها .
فالجدلية التي تستند في نظريتها المعرفية إلى تناقض المحتوى , وتحاول تعزيزها في مختلف القطاعات والمجالات العلمية والتطبيقية, وعلومها وفنونها ومعارفها, وبحوثها التحليلية لكل مناحي الكون والحياة والنشأة والتاريخ وتفسير الطبيعة ومناحيها ومدهشاتها, الأمر الذي يدعونا للوقوف بجدية بالغة على هذا الجزء التحليلي والتفسيري من التراث المتصل مباشرة بالفكر والسلوك الإنساني وآفاقهما المذكورة والتي تستحق وقفة جادة ومتأنية , بمنطق الباحث عن الحقيقة , في غير إغفال لمنطق الحياة العلمية دون أدنى تحيز سوى للحقيقة, والجدلية تحاول أن تجد – من خلال منطقها الديالكتيكي – التطبيق الاجتماعي و السياسي الخاضع للحركة التطورية للمجتمع و التي تستمد وقودها الذاتي و الضروري من الصراع الطبقي بين المتناقضات, التي يحتويها الهيكل الاجتماعي العام , ليكون التفسير الوحيد للسلوك الإنساني و تراكماته, و التي تشكل تناقضات أساسية في مسيرة التاريخ و المجتمع , لتنسحب بدورها إلى كافة مجالات الحياة و تطبيقات العلوم الفيزيائية و الكيميائية و البيولوجية و الفيزيولوجية, حيث تجد مستندها في سائر التفاعلات و الحركات و تطوراتها و نظرياتها, و بخاصة نظرية النشوء و الارتقاء ل”دارون” و النسبية التطورية ل”آينشتاين” و مفاهيم النبذ و الجذب, و المد و الجزر و الفيزياء النووية و تعقيداتها, و نوى العناصر والدقائق الصغيرة التي لا تتجزأ والمشكلة لمبدأ المادة , والجينات والشيفرات الوراثية البالغة في الدقة والخطورة بما يدير العقول, ويحير الألباب, وآليات النقل الوراثية المعقدة و الإلكترونات و النترونات والبروتونات المتعادلة, و التفاصيل التي ذهب إليها “نيوتن” في أبحاثه و دراساته في الحركة الميكانيكية والحدوث المستمر, والنظرية البراغماتية في السلوك وما ذهب إليه الفيلسوف والمربي “جون ديوي ” , وكثير من مقولات “هايم , وفيورباخ , وديدرو, وهبوم , وبافلوف…” إلا أن ما يهمنا أن نجد مدى الدقة في التطبيق العملي لحركة التاريخ و المجتمع, و تفسير السلوك الإنساني إزاء التناقضات التي ذهبت إليها الجدلية و توفّرت عليها, و آمنت بها و جعلتها محور دراساتها, و اعتمدتها في قفزات التطور,والإيمان العميق بنسبية هذا التطور , وخضوعها لقانون التناقض , , حيث اعتبر “ستالين” : (الديالكتيك تطورا حقيقيا ينتقل من تغيرات كمية ضئيلة و خفية, إلى تغيرات ظاهرة و أساسية, أي إلى تغيرات كيفية, و هذه التغيرات الكيفية ليست تدريجية, بل هي سريعة فجائية, و تحدث بقفزات من حالة إلى أخرى . و ليست هذه التغيرات جائزة الوقوع بل هي ضرورية .. المادية الديالكتيكية و المادية التاريخية ص8-9) و التطور الجدلي حركة تكاملية صاعدة أبدا و دائما .
و هي من أجل ذلك تسعى إلى بلوغ أهدافها و تحقيقها, وفق قانون طبيعي كليّ القدرة لأنه صحيح, كما يقول “لينين”,أو ليس الكلي القدرة والصحيح مطلقا بامتياز؟!!, ولا يمكن أن يتحقق ذلك المطلق, كما ورد في البيان الشيوعي : ” إلا بهدم النظام الاجتماعي التقليدي , بالعنف و القوة كما يقول “ماركس” و “أنجلز ” .. ص8 , و يؤكد على ذلك “لينين” :”في ضرورة لجوء البروليتاريا في ثورتها إلى تحطيم جهاز الدولة البرجوازي بالعنف .. أسس اللينينية ص/66 “.
و الذي يمكن أن يدحض هذه المقولات هو المنطق الذي اعتمدته الجدلية نفسها, فهي تقر بما لا يقبل الجدل في منطقها الجدلي بتناقض محتوى الفكرة و مضمونها , وتطور هذا المضمون وانتقاله , ثم تحوله الفجائي والكيفي وانهياره ,في الوقت نفسه و الموضوع ذاته, سواء كان ذلك التناقض, أو ذلك التحول فكرة أم سلوكا, نظرية أم حدثا , حيث تؤكد الماركسية في جدليتها على التناقض : “كوجود مطلق قائم في عملية التطور في كافة الأشياء أولا, كما أنه في عملية تطور كل شيء ثانيا..كارل ماركس ص58 ..”, مما لايدع مجالا للشك في الارتياب المنسحب على كل مظاهر الوجود والتطور في الأشياء والأفكار والتصرفات, حتى في الجدلية نفسها إذ الجدلية ذاتها فكرة إنسانية, و كل تطبيقاتها و فروعها و ممارساتها العملية, تخضع للفكرة الإنسانية ذاتها, فما نقيض الجدلية على هذا الأساس أولا ؟! و ما هو بديلها ثانيا؟! و هل هي متناقضة مع ذاتها ؟! أم أنها تشكل أطروحة سابقة, تناقض ما بعدها وتهيء لها ؟!و هل هي خاضعة لقوانين التطور و التكامل كما تذهب إليه الجدلية, أم أنها فكرة مطلقة فوق التصور , وخارج نطاق الفكر الإنساني ,و بالتالي فهي غير خاضعة للمنطق الجدلي ؟!, وإذا كانت كذلك – وهي كذلك بلا ريب – , فنقيض الماركسية في ذاتها وفي محتواها , لأن ذلك ببساطة من مقررات تناقض المحتوى والحركة التطورية الصاعدة التي تعتمدها الجدلية , في الوقت الذي تمارس كل مقومات المنطق الصوري , والضرورات العقلية الأولى خارح نطاق التجربة الحسية المعتمدة , والمستندة إلى العقل بكليته وتركيبته الخاصة كخلايا نبيلة, لم يتمكن العلماء من حل لغزها كلغز الحياة نفسها ؟!! و هي أسئلة تقف الجدلية عاجزة عن الإجابة عليها إلا بمنطق جدلي تعتمده و تقرّ به, مما يوقعها في تناقض مريع, لا تكاد تنجو منه, معتمدة على مقرراتها ذاتها , و إن كانت تستخدم منطقا كلاسيكيا صوريا, يستند إلى مبدأ العلّية و السببية و عدم التناقض , لسبب بسيط و هو أن المنطق المتماسك الذي تطرحه الجدلية, و تنتهي به إلى إقرار الحقيقة المطلقة, في حتمية التطور النسبي و الحتمية الجدلية و الحتمية التاريخية, و حتمية الحل الاشتراكي , و حتمية التطور التاريخي إلى المجتمع الشيوعي تقرّر سلفا مبدأ الحقيقة المطلقة, التي ترادف الحتميات الآنفة الذكر, و هي في ذلك تتناقض إلى حد كبير مع مبدأ التناقض الذي تقر به في كل مساراتها و تطبيقاتها المسلكية و ثوراتها و انقلاباتها, وإلا كيف توصلت إلى هذه الأحكام المنطقية المترابطة والمطلقة؟! و التي تعترف ضمنا في افتقارها إلى تدخل العامل الخارجي و الذي يعد عنف الثورة, من أكبر مقوماته, و هو ما ذهب إليه القادة و المنظّرون الجدليون كما تقدم, مقرين ضمنا بالفقر الذاتي للثورة في التغيير عبر الثورات والانقلابات التبريرية في روسيا وتشيكوسلوفاكيا وأفغانستان, وما لم تصح الحتميات المطلقة للحل الاشتراكي في الدول الرأسمالية الكبرى كبريطانيا وفرنسا, وما حدث خلافها تماما في روسيا والصين وكوريا ومنظومة الاتحاد السوفياتي فيما بعد .
كما أن الجدلية في كل مناقشاتها و أبحاثها و دراساتها, تعتمد مبدأ “عدم التناقض” , و اعتماد “العلّية” في تسلسلها المنطقي سواء كان ذلك في البرهنة على المعادلات و القيم و الموازين التي تعتمدها في تفسير صرحها النظري من المبدأ إلى المنتهى ,حيث لا يمكن لها أن تتخذ أية قاعدة نظرية, أو فكرة أو تطبيق علمي , أو تعتمد منهجا تجريبيا, ما لم تقر بتماسك الوحدات و الجزئيات الفكرية, و المعارف الثانوية المشتقة من المعارف الأولية التي تعرف بها الذات المفكرة, و القوة العقلية و المنطقية التي يسلكها العقل الإنساني في وضع القواعد الأولى للفكر المنهجي و التفكير العلمي المستند إلى معرفة تراكمية, لا يمكن أن تتم في العلوم الطبيعية و الإنسانية وميادينهما الواسعة ما لم تمتلك الطاقة المميزة والقدرة على الفحص والتدقيق والإحاطة, بعملية استقرائية تراكمية تقود إلى استنباط الأحكام والقواعد , كما فعلت الجدلية كوسيلة لابد منها للوصول إلى مطلقها و حتمياتها المتناقضة بشكل قطعي مع أسسها النظرية التي ألزمت نفسها بها , كما أن من أهم صفات التفكير العلمي و مرتكزاته قوة ” التنظيم , أي أننا ننظم أفكارنا عن وعي, ونبذل جهدا مقصودا من أجل أفضل تخطيط ممكن للطريقة التي نفكر بها .. باستخدام الملاحظة والتجريب واعتماد القوانين الجزئية, ثم الاستنباط العقلي, بالبحث والاستدلال على الأسباب والعلل الكامنة وراء الظاهرة المدروسة, والوصول إلى تعليلها .. التفكير العلمي د/ فؤاد زكريا ص/3-23 بتصرف ..” وهو ما تقره الماركسية في جدليتها دون أن تعترف بها مضطرة في ذلك –لاشعوريا – باستخدامها المنطق والتفكير العلمي المنظم والمعتمد على الملاحظة والتجربة, مؤكدة على مبدأ الحس التجريبي, وعدم إقرار الاستدلال العقلي غير المستند إليه, وما يتبع ذلك من تعليل الأحكام واستنباط القواعد بعد استقرائها, وفق قواعد المنطق وقيمه العقلية والعلية المتماسكة , والتي تعد من البداهات الأولية التي يسلك بها العقل طريقه إلى المعرفة , من خلال ضروراتها العقلية ثم معارفها الثانوية المحصلة من التجربة, ثم ارتقائها إلى القيم والمعارف المنظمة والرؤية العلمية والمعرفية الواسعة , والتي تقف خلف التراث المعرفي المعقد, مما يجعل من إنكارها, والإيمان بمبدأ التناقض البديل عن المعارف الأولية وتطبيقاتها وعللها إنكارا لكل منجزات العلم والمعارف والعلوم الإنسانية – بما في ذلك الجدلية نفسها – , مما يشكل انهيارا تاما لكل تلك المنجزات ., وهو ما يناقض التفكير العلمي وأسسه ومقرراته – نتابع في الجزء السادس تتمة الدراسة لاحقا –