الرئيسية » بيستون » كورد فيليون بغداد 1978..

كورد فيليون بغداد 1978..

لم تكن تلك هي المرة الاولى التي يطلب فيها ضابط المخابرات منه الحضور الى مركز الشرطة فقد فعلها اسبوعيا منذ نجاح الثورة الايرانية قبل اشهر وكل مرة يذهب فيها الى هناك…

كان يقرأ المعوذات كلهن عشر مرات ويجهز مبلغا من المال لكي يسد به فم الضابط الذي يدعي في كل مرة انه سيمزق الملف الامني للعائلة وسيحفظها بعيدا عن اعين الضباط الاخرين ….. لكن هذه المرة لم يفعل الضابط ما اعتاد عليه كل المرة ….
-والله حاولت لكن الاوامر العليا صدرت وانت تعرف ياحاج مراد ؟؟؟؟
-والان ماالعمل ؟؟؟ ولدي الاكبر عندكم والمحلات والبيوت كيف ساتصرف ؟؟
الاوامر تقول يجب ان تخرجوا بلا اي شيء لديك اربع وعشرون ساعة بينما تصل دورية الترحيل ياحاج مراد …!!!

ترك الحاج مراد المركز وهو في ذهول تام لايعرف ماذا يفعل وباي شيء يبدأ بالامس انزل بضاعة الى السوق دفع بها كل مايملك.. الان العالم انقلب على عقبيه بماذا يبدأ؟؟؟اي شيئ يمكن ان يعوضه لمن سيترك البيت الكبير في حي جميلة … البنات الزوجة والاولاد الصغار وبلا اي شعور اشار لاول سيارة اجرة امامه….. اختفت كل الاصوات وظل صوت واحد يدوي في داخله صوته وصورته باكيا امام شباك ضريح الامام الكاظم متوسلا كي يكشف هذه الغمة …. دخل الحاج مراد البيت في حي جميلة علا الصراخ والعويل …الجيران سمعوا وهرعت النسوة الى داخل البيت…
دخل الحاج مراد الى غرفته تبعته زوجته
ها حجي …خير؟؟؟
اي خير تهيئي للسفر سيأتون باي لحظة ويأخذوننا .
صعقت المرأة ..ودارت بها الارض
اين؟؟؟
لا ادري الان ربما …الى مركز الشرطة …ثم الى الحدود .
اي حدود ..حجي …
ايران يقولون اننا ايرانيون ..
التفت الحاج مراد الى حيطان البيت تذكر رائحة الجص امام وجه عمال البناء حين بدأ ببنائه قبل عشر سنوات..ابتسامات العمال حين يأتيهم بالصينية المليئة بما لذ وطا ب وقت الظهيرة ..تذكر متعة الجلوس معهم وقت استراحتهم بالفي …كل طابوقة له معها ذكرى …كيف سيترك كل هذا ومن …ومن سيستعمل هذا البيت بعده
وأبني ..ما مصير ابني حضرة الضابط ؟؟؟
لالا..لايروح بالك بعيد حجي ..صدقني راح يجيبوهم كلهم وراكم !!!
البنات اربعة …وامهم والصغير مالك …تكدسوا في زاوية سيارة الجيب العسكرية كأنهم يلوذون بجدار السيارة البارد من النزول الى محرقة الامن العامة لايريدون النزول والبنات يصرخن ويبكين بوجه الام لاتدري ماتفعل ..واين كانت تنتظرهم هذه المصائب وكيف ستتدبر امر البنات تصرخ باكية لتطرد من راسها كل الصور المخيفة التي تنتظرها ..فقط لو يأتي مراد الان …يالهي ماذا سافعل لو اخذوه الان وغيبوه…ومالذي سيفعلوه بنا ..نظرت بخوف ورعب الى اجساد البنات الملتصقة بها ..ورمقت مالك الخائف…يحدق بالشارع من فتحة الجيب لايدري ماذا يفعل…
مرت اربع ساعات اتى الشرطيان وهم يحيطون بالحاج مراد ويدفعون به الى داخل السيارة الجيب مع زوجته والبنات الاربعة …فكران يمد يده ويحضن مالك حرك اصابعه وتوقف بصره على البنات وهن ينحبن …وضع يشماغة على وجهه وحدق بارضية الجيب..
وتحركت السيارة بعد ان احكم الشرطيان ربط الغطاء الخارجي لها ..
رتل من الناقلات على الطريق الترابي سار الليل كله ليصل عند الفجر الى حدود منطقة بدرة وجصان …نساء مكدسة ..عيون تذرف الدموع على اكثر من مأساة الاخوة في غرف التعذيب والامهات ينحبن طوال الطريق والاطفال لايعرفون مالذي سيحدث غدا وأي بيوت ومدارس واي حياة تنتظرهم …
شوارب الشرطي المتدلية على محيط شفتيه العليا تذكر نكات تشبيه الشوارب السخيفة بالرقم ثمانية … ووجهه الخالي من اي رحمة وسباب رجال الامن اخر ماسمعه الطفل الصغير مالك قبل دخول الرتل الى الارض الحرام بين العراق وايران .

شفق