الرئيسية » مقالات » تركيا..من الكمالية إلى (العثمانية الجديدة)

تركيا..من الكمالية إلى (العثمانية الجديدة)

 تعتبر تركيا إحدى أهم الدول على مستوى منطقتنا الشرق أوسطية وذلك لأسباب ومعطيات عدة؛ فهي أولاً وريثة الخلافة العثمانية – وإن أعتبرت الفترة الكمالية (أي الجمهورية التركية الحديثة) والتي أعلنت في 29 أكتوبر 1923 بأنها محاولة للقطيعة مع الموروث العثماني الاسلامي – وبالتالي فهي (أي تركيا) تملك تاريخاً وموروثاً حضارياً وثقافياً تضرب عميقاً في غور التاريخ مما تكسبها المزيد من الثقة والرسوخ وتالياً فإن التجربة الكمالية وإلغاء الخلافة العثمانية نهائياً في عام 1924 والعمل على تغيير ملامح الجمهورية الفتية وخاصةً من قِبل الأب الروحي (مصطفى كمال أتاتورك) وذلك “باستبدال المبادىء الاسلامية بأعراف قومية علمانية ومن بينها استبدال الكتابة في تركيا من العربية إلى اللاتينية” مما منحها البعد والعمق والدعم الأوروبي (مفاوضات تركيا للدخول في الاتحاد الأوروبي) وكذلك فإن التنوع الاتني العرقي (كورد وترك وأرمن وغيرهم) وأيضاً الجغرافي كونها تحتل رقعة واسعة من الجغرافية التي تربط بين كلٍ من قارتي آسيا وأوروبا وأيضاً علينا أن لا ننسى الجانب الديني الاسلامي ومحاولات تركيا قيادة دفة السنة مقابل إيران وقيادتها للطرف الشيعي. وهكذا فإن تلك العوامل بالإضافة إلى السياسة الأخيرة لتركيا وما تتبعها من دبلوماسية عملية براغماتيكية – إن كان مع الشرق أو الغرب – تجعل منها دولة ذات (شأن قوي) في مجمل سياسات المنطقة والمشاريع التي ترسم لها.

إذاً فإن تركيا ومن خلال موقعها الجيوسياسي هي قادرة على إدارة مجموعة ملفات في الخارطة السياسية للشرق الأوسط وبالتالي أن تكون لاعباً أساسياً لا يمكن تجاوزه وهو ما نشهده اليوم وذلك من خلال تحرك الدبلوماسية التركية في اتجاهات عدة واللعب على عدد من المسارات والملفات؛ الملف العراقي والخوف من ضم كركوك إلى إقليم كوردستان وبالتالي إفتعال قضية التركمان وهي (أي تركيا) التي لم نسمع لها صوت أيام دكتاتور العراق المقبور (صدام حسين) دفاعاً عن الشعب العراقي أو الأخوة التركمان – على الأقل – وذلك طوال فترة الاستبداد والقمع والتنكيل وكذلك ملفات الدول التي أنفصلت عن الاتحاد السوفيتي السابق والتي تجمعها بتركيا عامل اللغة ومحاولة جعلها سوقاً مفتوحة لتركيا بالاضافة إلى قضية الغاز وغيرها من المصالح الحيوية والاستراتيجية وذلك بهدف دعم الاقتصاد التركي والذي كان يعاني من أزمات وكوارث حقيقية وخاصةً في السنوات الأخيرة من القرن الماضي نتيجةً لحربها الدموية على كريلا حزب العمال الكردستاني وما كانت تتبعها من أعباء على ميزانية الدولة التركية وكذلك خساراتها على صعيد السياحة ودخول العملة الصعبة لداخل تركيا. ولكن ونتيجةً لتغيرات جمة على صعيد السياسة والتحالفات الجديدة التي شهدتها منطقتنا الشرق أوسطية، من أعداء الأمس إلى حلفاء اليوم مثال تركيا وسوريا، فإن تركيا عادت من جديد وبقوة للمنطقة العربية في محاولة منها لأن (تتزعم) عدد من الملفات وذلك مع طاقمها السياسي الاسلاموي الجديد/ القديم تحت قيادة حزب العدالة والتنمية ومن بعد فشل تجارب سابقة لها كتجربة حزب الرفاه بقيادة زعيمها نجم الدين أربكان.

بالتأكيد إن هذه (الصحوة) التركية – إن جاز التعبير – نتاج وحصيلة منطقية وحتمية لمجموعة معطيات ومقدمات سياسية؛ في مقدمتها تأتي المصالح التركية من حيث الاقتصاد والعلاقات السياسية مع الجوار العربي الاسلامي السني – الغالبية السنية – ولكن كان من الصعب إن لم نقل من (المستحيل) أن تلعب تركيا هذا الدور وذلك قبل عقدين من الزمن؛ حيث داخلياً كانت تعاني من الأزمة الاقتصادية وكذلك الحرب والمعارك الطاحنة مع حزب العمال الكردستاني بالإضافة إلى سيادة العقلية الطورانية الكمالية بأفقها القومية الضيقة والنكران لأي تنوع أتني ثقافي وهيمنة المؤسسة العسكرية على سدة الحكم في أغلب الفترات، بل قيادتها لمجموعة إنقلابات عسكرية كل عقد أو أكثر من الزمن (مايو/أيار 1960، 12 مارس/آذار 1971، 12 سبتمبر/أيلول 1980، 28 فبراير/شباط 1997، ومؤخراً إنذار الجيش في 27 أبريل/نيسان 2007) وبالتالي فكانت تركيا تعاني وعلى الدوام من (عدم) الاستقرار السياسي. ذاك كان من حيث الظرف والمناخ الداخلي.

أما من حيث العلاقة مع الخارج فكان الصراع على أشده بين دول جوار (الاتحاد السوفيتي السابق) الذي تمزق بين دول عدة وعلى الأغلب متناحرة – أرمينيا وأذربيجان حول إقليم ناغورني كاراباخ – وذلك لتقاسم تركة (الرجل الميت) بالاضافة إلى العلاقة المتوترة مع دول الجوار (اليونان بسبب قضية قبرص وإحتلال تركيا لجزء منها وكذلك مع سوريا لاحتضانها العمال الكردستاني) ناهيك عن المسألة الأرمنية وتحريكها من قبل بعض الدول الأوربية على فترات زمنية وعلى ضوء مصالحها مما كان يجعل من العلاقة التركية الأوربية متوترة في أكثر المراحل وذلك على الرغم من كونها عضو في الحلف الأطلسي (الناتو). وهكذا فإن كلا الشرطين الداخلي والخارجي كانا غير مساعدين لأن تلعب تركيا – آنذاك – دوراً (حقيقياً) فعلياً في الساحة الشرق أوسطية وملفاتها العالقة.

ولكن وبعد صعود (نجم) التيار الديني مع رئيس الوزراء الأسبق نجم الدين أربكان وحزب الرفاه الاسلامي المتشدد – وعلى الرغم من إطاحة المؤسسة العسكرية بحكومته – ومن ثم إستلام الجيل الجديد (عبد الله غول ورجب طيب أردوغان) قيادة التيار الديني المعتدل من خلال حزب العدالة والتنمية – وقبلها الفضيلة حتى عام 2001 – والفوز بالأغلبية النيابية وكذلك بالرئاسات الثلاث (البرلمان والحكومة ورئاسة الجمهورية) وأيضاً بأغلب البلديات وحتى في المحافظات والمناطق الكوردية (شمال كوردستان) وبالتالي تحجيم المؤسسة العسكرية والتيار القومي المتشدد وخاصةً حزب الشعب الجمهوري بقيادة دنيز بايكال وحزب الحركة القومية والذي يقوده دولت بخشلي وذلك إلى جانب حل أو تهدئة عدد من الملفات الداخلية والخارجية (الأزمة الاقتصادية ولدرجةٍ معقولة وكذلك العلاقة مع الجارة سوريا وإخراج قيادة العمال الكردستاني وزعيمها عبد الله أوجلان من تحت الحماية السورية وإبرام إتفاقية أضنة الأمنية بين الجانبين من بعد ما كانت قد حشدت قواتها على الحدود مع سوريا وأيضاً مع الجارة الأخرى اليونان والقضية القبرصية). وبالتالي أوجدت تركيا لنفسها (مواطئ) قدم في المنطقة لتلعب أدواراً رئيسية وأن لا تكتفي بدور الكومبرس الملحق بالناتو.

وهكذا أستطاع الثنائي (غول – أردوغان) ومن خلال قيادتهم لحزب العدالة والتنمية أن يمتلكا نقاط قوة عدة وبالتالي تغيير وجهة السياسة التركية والمعروفة بالطورانية والكمالية وذلك باتجاه ومناحي أقل غلواً وتشدداً قومياً كما هو معروف عن الجمهورية التركية ومبادئ مؤسسها والأب الروحي لها (مصطفى كمال) وذلك على الرغم من بعض التصريحات التي تدلي بها، بين الحين والآخر، بعض القيادات في حزب العدالة والتنمية لمداراة الشارع التركي المؤدلج قومياً، وكما رأينا مؤخراً من خلال تصريح لأردوغان وهو يتوجه بالحديث إلى حزب المجتمع الديمقراطي ومن خلاله للشعب الكوردي في شمال كوردستان وذلك عندما قال: (إمَّا أنْ تحبوا وإمَّا أنْ ترحلوا)، حيث وبالرغم من هذا النفاق السياسي للعدالة والتنمية باتجاه التيار القومي المتطرف، فيمكن القول بأنها (أي حزب العدالة والتنمية) تحاول أن ترسم ملامح جديدة لتركيا والتي يمكن تسميتها بـ(العثمانية الجديدة) أو الأردوغانية.

وبالتالي فإن تركيا ومن خلال ما سبق قد حضّرت وأعدت نفسها جيداً أثناء الفترة السابقة لأن تكون لاعبة أساسية في المنطقة وقد لاحظنا ذلك من خلال النشاط الدبلوماسي الكثيف لها وفي عدد من الملفات (الحوار السوري الاسرائيلي كوسيط وأيضاً الملف الفلسطيني وخاصةً في الأزمة الأخيرة؛ قصف غزة من الجانب الاسرائيلي) وكان خروج رئيس وزراء تركيا (رجب طيب أردوغان) من حواره المثير للجدل أساساً مع رئيس الدولة الاسرائيلية (شمعون بيريز) في مؤتمر دافوس الاقتصادي الأخير بسويسرا والذي أنتهى أعماله في نهاية الشهر الأول للعام الحالي، هي أوسع وأعلى الأبواب السياسية التي تفتحها الدبلوماسية التركية وذلك لكسب الشارع العربي المشحون عاطفياً ومنذ العهد الناصري والباحث عن (قائد تاريخي) بحجم (جمال عبد الناصر) ولكن بشروط وأسس المرحلة الحالية ووفق المناخ الثقافي الأيديولوجي والذي زاوج بين التيارين القومي والديني (الاسلامي). وهكذا كانت ضربة (أردوغان) بحق “ضربة معلم” وخاصةً إذا أخذنا بعين الاعتبار (سنية) تركيا مقابل إيران ومحاولاتها لتشييع المنطقة العربية (سوريا مثالاً) وإدارتها لمجموعة ملفات وصراعات في المنطقة من خلال وكلائها (التدخل ونفوذها القوي في الشأن العراقي وكذلك الصراع اللبناني بين قوى المعارضة والموالاة وأيضاً الفلسطيني بين فتح وحماس ودائماً بمساعدة سورية).

إن تركيا ومن خلال هذا التحرك الفعال في الساحة وفي عدد من الملفات تحاول بالتأكيد أن تحقق جملة أهداف أستراتيجية تصب في خدمة الدولة التركية وعلى رأس تلك المهمات والأهداف إعادة بسط نفوذها على المنطقة وذلك بعد خروجها منها مع تركة (الرجل المريض) وإنتهاء الخلافة العثمانية في الربع الأول من القرن الماضي وخاصةً أن هناك فوران في الساحة والشارع العربي واليأس من القيادات الحالية العاجزة عن طرح مشروع سياسي يلبي طموحات الشارع الذي عُبِأَ بأيديولوجية قومية متطرفة بحيث شكلت مؤخراً نوع من العبأ الثقافي والسياسي على الحكومات التي روجت للمشروع ذاته في مراحل ماضية وذلك من خلال شعارات ثوروية قومجية متطرفة. وهكذا فلقد رأت الجماهير و(الغوغاء) العربية في النموذج التركي وخاصةً في ظل تراجع نفوذ التيار القومي وتسيُّد (المنطق الظلامي السلفي) والطائفية الدينية – الصراع السني الشيعي – بأنها (أي النموذج الاسلامي في تركيا) هي حبل النجاة لها وذلك (للتصدي للمشروع الصهيوني) من جهة ومن الناحية الأخرى الوقوف في وجه المد الشيعي الايراني وبالتالي فإن إحدى مرامي تركيا، من المسرحية الأخيرة في دافوس، هي “سحب البساط” من تحت قدمي إيران و”قصقصت جناحاتها” وبالتالي محاولة إبعاد كل من سوريا وحماس عن إيران وحزب الله اللبناني (إقامةً) والإيراني (جنسيةً) وهكذا (يفرط) التحالف الرباعي الذي يشكل محور الارهاب أو الممانعة وذلك حسب الضفة التي نكون عليها.

وكذلك فإن لتركيا غايات خارج حدود المنطقة وإننا نعرف مدى رغبتها للدخول إلى النادي الأوروبي ومحاولاتها الحثيثة في ذلك، وهذا التقارب من الملفات الساخنة والعمل على فك عقد تلك الملفات هي بمثابة رسالة للعالم الأول لمدى أهمية تركيا لأن يكون شريكاً أوروبياً وبالتالي فتح أبواب البيت الأوروبي أمامها وكذلك للضغط على بعض الدول – الأوروبية خاصةً – لعدم التدخل في (شؤونها الداخلية) وعلى الأخص ملفي الأرمن والمسألة الكوردية والتي أصبحت من القضايا العالقة في تركيا وتستنفذ قدراتها الاقتصادية والبشرية، مع السماح لنفسها بالتدخل في شؤون وقضايا بلد آخر مثل العراق (قضية كركوك) وغيرها من الملفات. إن هذه هي الاستراتيجية الجديدة لتركيا ولكن يبقى السؤال الأصعب أمام الحكومة التركية الحالية: هل ستنجح تركيا في الاتيان بـ”العثمانية الجديدة” من دون استحقاقات على صعيد ملفاتها الداخلية وعلى رأسها حل القضية الكوردية حلاً ديمقراطياً عادلاً في شمال كوردستان.. والجواب في عهدة الحكومة المقبلة.

هولير – 5/2/2009