الرئيسية » مقالات » بطولة أردوغان والعزف على أوتار مهترئة

بطولة أردوغان والعزف على أوتار مهترئة

يبدو أن طموحات رئيس الوزراء التركي، وعبر محاولاته الهادفة إلى اقتناص الفرص وتوظيفها بهدف الوصول إلى مبتغاه في امتلاك مفاتيح اللعبة السياسية، وجعل تركيا – بصبغتها الإسلاموية السنية/العثمانية– الحاضنة للصراعات الدائرة بين المشاريع المتصارعة على مستقبل المنطقة، والقابضة على ملفاتها والناظمة لمساراتها، وبالتالي الحَكَم في خياراتها المطروحة، فضلاً عن مزاعمه كوريث شرعي للسلطنة العثمانية، تتعدى بعض التحليلات حول بحث الرجل عن دوره كزعيم للسياسة التركية أو مهندس في المعادلات الإقليمية، بل يستشف منها أنه، ومن خلال تسويقه للدور التركي عبر تياره الإسلامي (حزب العدالة والتنمية) كنموذج للاعتدال السياسي، وامتلاكه للسلطتين التنفيذية والتشريعية، يهدف الانقلاب على الوضع الداخلي، ونقله من صورة ألـ (أتاتوركية) مصطفى كمال بصبغتها العلمانية إلى (أتاتوركية) رجب طيب أردوغان بطرازها الإسلاموي، مستغلاً في ذلك المناخات الإقليمية المتوترة، واستحواذه على الدعم من الجانبين الأوربي والأمريكي، وتحديداً الأخير منه، وما يهدفه من استغلال للورقة التركية ونموذج العدالة والتنمية، لكبح جماح الأنظمة الإسلاموية في الدول المجاورة لتركيا، لما ألحقتها من انتكاسات وارتداد في العلاقة مع المحيط الخارجي، جراء تعاملها المتعنت مع ملفات المنطقة وتحويلها للساحة الإقليمية إلى بؤر موبؤة، عبر احتضانها للنزعات الدينية والمذهبية ومدها لظاهرة الإرهاب بالدعم والإسناد .
ولعل إشكالية العلاقة القائمة بين كل من أوربا وأمريكا من جهة والنظام الإيراني – وريث الإمبراطورية الصفوية – من جهة أخرى، على خلفية الدور الإيراني في تأجيج الصراعات وأطماعه التوسعية من خلال المحور الذي يتزعمه والمذهب الذي يعتمده، ومحاولاته الرامية لامتلاك السلاح النووي كخطوة على طريق تحقيق مآربه، وكذلك الموقف التركي الإيجابي من إسرائيل، وحجم التبادل التجاري والدبلوماسي مع الدولة العبرية، إلى جانب موقع تركيا المتاخم لبؤر التوتر في كل من العراق وأفغانستان وباكستان وبعض دول الاتحاد السوفيتي السابق، فضلاً عن كونه عضو في الحلف الأطلسي، وخشية الولايات المتحدة من أن يتم اصطباغ مشروعه في الشرق الأوسط وكأنه صراع مع العالم الإسلامي، هي التي تقف وراء تغاضي الجانب الأمريكي عما تقوم بها تركيا من دور في المنطقة، وما يحاول تحقيقه أردوغان لصالح مشروعه الإسلاموي / العثماني، وذلك بغية حفاظها على التوازنات الإقليمية من جهة، وعدم توسيعها لرقعة الجبهات والمواجهات من جهة أخرى . خاصةً وأن الجانب التركي، ممثلاً بزعيمه أردوغان، بات مدركاً لنقاط القوة في مراميه ونقاط الضعف في الساحة الإقليمية، بعد أن امتلك لعبة شد الحبل والعزف على أوتار المشاعر، والتي – هذه النقاط – قد أفسحت المجال له كي يكون حاضراً في أدق التفاصيل وضاغطاً في أكثر من جبهة، وقدم نفسه كحامي ومدافع عن القضايا العربية بعد أن ضمن لتركيا موطئ قدم ضمن الخارطة السياسية العربية، وعلى حساب التناحرات القائمة بين أنظمتها الحاكمة والدم الفلسطيني الذي بات يشكل بالنسبة للقوى المتصارعة والمحاور الإقليمية بمثابة سوق عكاز يتم من خلاله المزايدات والمزاودات . ولا نغالي إن قلنا بأن لغة العواطف والمشاعر التي اعتمدها أردوغان مع الجانب العربي، ومحاولاته الظهور كسند للعروبة والإسلام، وإيجاده خطوطاً ساخنة للدخول من خلالها إلى القضية العربية المفصلية (فلسطين) قد ساهمت إلى حد كبير في طي صفحة من الذاكرة العربية المتعلقة بالاحتلال العثماني وشرورها على الأمة العربية، وإلى وأد ما هو مكتوب في المناهج الدراسية العربية عن لواء اسكندرون السليب، وعن أطماع تركيا في المنطقة وتحكمها سياسياً بمنابع المياه ومصادرها، ودورها في تأجيج بعض الصرعات الإقليمية بهدف الحفاظ على توازناتها الخاصة بها، وما تقوم بها آلتها الحربية من قصف يومي لأراض عراقية، بذريعة ملاحقتها لعناصر حزب العمال الكردستاني .
فبقليل من دموعه على أطفال غزة وتصريحاته عن انتهاكات إسرائيل، وبحركته الانفعالية في منتدى دافوس الاقتصادي، وتذمره من رئاسة المنتدى لعدم منحه وقتاً كافياً للرد على الرئيس الإسرائيلي، أو مساواته في الوقت، واعتباره ذلك إهانةً له ومساساً بكرامة الدولة التركية، ومن ثم انسحابه من المنتدى ليتم استقباله في اسطنبول، وفق خطة مدروسة ومرسومة من قبل أتباعه في حزب العدالة والتنمية، لأهداف انتخابية وسياسية، احتل أردوغان رقماً في قائمة البطولة من لدن قطاعات واسعة في الشارع العربي وعلى واجهة الشاشات العربية، مصورةً إياه رمزاً للشموخ والإباءة، حتى أن البعض من المحسوبين على النخبة المثقفة جعلته في مصاف القادة العظام، وأغدقت عليه جمل التبجيل والتكريم إلى درجة منحه جوائز التكريم، بل أن البعض قد تنبأ بفوزه في انتخابات الرئاسة في أية دولة عربية إذا ما ترشح إليها إلى جانب أي من الرؤساء العرب، حين قام بإجراء مقارنات بينه كبطل، وما يتم وصفهم بـ (الجبناء) من الرؤساء العرب الموسومون بالاعتدال، وكأن البطولة متوقفة على حركة معينة أو موقف بعينه، أو أن أردوغان بتصريحاته وحركته تلك، قد أعلن القطيعة في العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والتكنولوجية بين تركيا وإسرائيل، دون أن يكون مطروحاً لدى هذه الفئات حقيقة ما قدمه أردوغان للقضايا العربية، وتحديداً قضية فلسطين أكثر من أي زعيم عربي، حتى وإن كان يستمد استمراريته على حساب معادلة الصراع العربي الإسرائيلي ..؟.
فأردوغان الذي يستفز من الحديث عن المجازر التي ارتكبتها تركيا بحق الأرمن، ولا يملك أدنى شعور إنساني لأن يعتذر عن جرائم أسلافه، وأردوغان الذي هو امتداد لحروب الإبادة التي شنتها – وما تزال – العقلية الطورانية بحق الشعب الكردي، وبحق كل من لا يقر بمقولة زعيم الكمالية مصطفى أتاتورك ” اعتز بنفسك لأنك تركي”، وأردوغان الذي يجول في المناطق الشرقية – كردستان تركيا – على أنقاض الآلاف من القرى الكردية المهدمة والمهجرة، والتي تحولت إلى سجن كبير لشعب يفوق تعداده الـ ثلاثين مليون نسمة، دون أن يعترف بحقيقة التركيبة القومية في تركيا، وأن هناك شعب ما زال يعاني الأمرين من جراء سياسات التتريك وعدم الاعتراف به وبهويته القومية، لا يجد حرجاً في إطلاق التصريحات المنددة بالجرائم التي ترتكبها إسرائيل في غزة – وإن كانت غزة ستبقى تشكل وصمة عار على جبين كل من دفع بأبنائها إلى القتل والهلاك – كونه مدرك للثقافة المجتمعية التي تجعل من المرء بطلاً بموقف ومتخاذلاً أو خائناً بآخر، إلى جانب إدراكه بهشاشة الذاكرة لدى إنساننا الشرقي، وخاصةً عند المحن، إذا ما تم التعامل معه من خلال دغدغة مشاعره وملامسة آلامه، وعليه بات أردوغان بطلاً إسلامياً في نظر أولئك الذين يعانون عقدة الانكسار والمدعين بوقوفهم إلى جانب حقوق الإنسان، وكأن للإنسان نفسه أصناف، صنف ينبغي الوقوف إلى جانبه وصنف يجب اقتلاعه من جذوره ..