الرئيسية » التاريخ » سلسلة دراسات في التاريخ الكردي( الحلقة التاسعة )

سلسلة دراسات في التاريخ الكردي( الحلقة التاسعة )


بانوراما الغرائب


نهجان اثنان لا ينفعان في التعامل مع الحدث التاريخي:


النهج القائم على نزعة شكية اتهامية مطلقة.


والنهج القائم على السطحية والسذاجة والغفلة.


أما الشك والاتهام فينبغي أن يتأسسا- في جميع الأحوال- على الأدلة الصريحة القوية، أو على القرائن والمؤشرات ذات الصلة بالحدث من قريب أو من بعيد. وأما السطحية والسذاجة والغفلة فينبغي استبعادها بشكل كلي من مجال التعامل مع الأحداث التاريخية، ولا سيّما حينما يكون الموضوع متعلقاً بالتوجّهات الإمبراطورية نحو التمدد والهيمنة وسلب (الإنسان) واحتلال (المكان).


وانطلاقاً من هذه الرؤية توصلنا، في الحلقات السابقة، إلى أن المصادر التاريخية، في بعض العهود الإسلامية، كانت الساحة الثقافية الأوسع لتبشيع صورة الكرد، ووصل الأمر إلى درجة (الأَبْلسة)؛ ففي هذه المصادر اختلط الواقع بالأساطير، والمعقول باللامعقول، واتضح لنا أن قدراً مهمّاً من المعلومات التاريخية في تلك المصادر استمدت وثوقيتها من عبارات زئبقية مثل (زعموا، وقيل، وقالوا، وذُكر، إلخ ).


ولم يستطع أصحاب مشروع (أبلسة الكرد) التسلل إلى القرآن، وتحريفه بما يخدم أغراضهم، وعجزوا أيضاً عن التسلل إلى الأحاديث النبوية الصحيحة، وتوظيفها للأغراض نفسه. وكان من المفترض ألا يتسلّلوا إلى كتب (تفسير القرآن)، فتبقى محتفظة بأقصى درجات المنطقية والموضوعية، وملتزمة بالحيطة في القول والحذر في الحُكم، ومحصَّنة ضد مشاريع التحريف والتشويه، سواء أكان الأمر متعلقاً بالكرد أم بغيرهم؛ باعتبار أن التفسير شرح لنص صاحبه هو (ربُّ العالَمين)، فلا يجوز تحميله ما لا يحتمل، ولا تأويله بما يخرج عن حدود المعقول، ويتناقض مع منطق التاريخ.


والمؤسف أن ما كان مفترَضاً دينياً وأخلاقياً ومنطقياً لم يتحقق، ووقع (تفسير القرآن) في قبضة بعض المرتزقة ومحتطبي الخرافات، وصار المرء وهو يقرأ كتب تفسير القرآن- وما أكثرها وأضخمها!- يشعر أحياناً وكأنه يستمع إلى شطحات القصّاصين تارة، ويشاهد ألاعيب الحُواة تارة أخرى، ويشعر تارة ثالثة أنه يشهد بانوراما فيها كل ما هبّ ودبّ من أصناف الغرائب والعجائب.


وسبق أن أشرنا إلى أن (الأَسْطَرة)، وما يتفرع عليها من آليات التلفيق والتخريف، كانت المدخل الأنسب إلى (الأَبْلَسة)، وبما أن عمليات (الأسطرة) تسللت إلى ساحة (علم التفسير)، كان من البديهي أن تصبح تلك الساحة مفتوحة أمام أصحاب مشروع (أبلسة الكرد)، وأن يستمروا في رسم صورة الكرد بالكيفية التي تتناسب مع تصوراتهم وأغراضهم، وهذا هو موضوعنا في الصفحات التالية.


أعراب .. وأكراد


في أثناء صراع النبي محمد، ومن معه من المهاجرين والأنصار، ضد قريش وحلفائها، كان بعض البدو الذين اعتنقوا الإسلام يُدعَون إلى المساهمة في القتال، فمنهم من كان يشارك، ومنهم من كان يتخلّف عن المشاركة، فنزلت آية قرآنية تؤنّب المتقاعسين عن القتال، وهي:


( قل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ) (سورة الفتح، الآية 16).


فماذا قال المفسرون بشأن (قومٍ أولي بأس شديد)؟


الحقيقة أن المفسرين إزاء تفسير هذه الآية فريقان:


1- الفريق الأول: يضم أغلبية المفسرين، وهم لم يأتوا على ذكر (الأكراد) حينما تناولوا تفسير هذه الآية، وفي مقدّمتهم الطَّبَري (ت 310 هـ = 923 م)، فقد ساق روايات تقول: إن أولئك القوم هم (الفرس). وروايات تقول: إنهم الفرس والروم. وروايات تقول: إنهم بعض قبائل العرب المعروفة بشدة البأس، وهي هَوازِن، وغَطَفان، وبنو حَنِيفة قوم المتنبّئ مُسَيْلمة بن ثُمامة المشهور باسم (مُسَيْلمة الكذّاب). (تفسير الطبري، ج 13، ص 82 – 83).


وقال الطبري في هذا الصدد:


” وأَوْلى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله- تعالى ذِكره- أخبر عن هؤلاء المخلَّفين من الأعراب أنهم سيُدْعَون إلى قتال قومٍ أولي بأسٍ في القتال، ونَجدةٍ في الحروب، ولم يوضَع لنا الدليلُ من خبر ولا عقل على أن المعنيَّ بذلك هًوازٍن، ولا بنو حَنيفة ولا فارس ولا الروم، ولا أعيانٌ بأعيانهم، وجائز أن يكون عُني بذلك بعضُ هذه الأجناس، وجائز أن يكون عُنِي بهم غيرُهم “. (تفسير الطبري، ج 13، ص 83).


وسار معظم كبار المفسرين الباقين على نهج الطبري، فلم يأتوا على ذكر (الأكراد)، وأذكر منهم على سبيل المثال: البَغَوي (ت 516 هـ = 1122 م) في كتابه (معالم النزيل في التفسير والتأويل)، والنَّسَفي (ت 537 هـ = 1142 م) في كتابه ( مدارك التنزيل وحقائق التأويل)، والزَّمَخْشَري (ت 538 هـ = 1144 م)، في كتابه (الكَشّاف)، وابن الجَوْزي (ت 597 هـ = 1201 م) في كتابه (زاد المسير في علم التفسير)، والفَخْر الرازي (ت 606 هـ = 1210 م)، في كتابه (مفاتيح الغيب)، والقُرْطُبي (ت 671 هـ = 1273 م) في كتابه (الجامع لأحكام القرآن)، وابن حَيّان (ت 745 هـ = 1344 م) في كتابه (البحر المحيط)، والبَيْضاوي (ت 685 هـ = 1286 م) في كتابه (أنوار التنزيل وأسرار التأويل).


– الفريق الثاني: يضم قلة من المفسرين، وقد ذكروا اسم (الأكراد) صراحة تارة، وأشاروا إليهم تارة أخرى باسم ذي دلالة جغرافية هو (البآرز/البارزون)، ولعل المقصود بهذه التسمية هو (سكان الجبال)، وفيما يلي رواياتهم:


· ابن أبي حاتم (ت 327 هـ = 938 م): قال في تفسيره: ” عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ:” (أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ)، قَالَ: هُمُ البَآزِرُ [كذا، والأرجح أن الصواب: البآرز]، يَعنِي الأكرادَ “. (تفسير ابن أبي حاتم، ج 12، ص 230).


· ابن كَثِير (ت 774 هـ): نقل في تفسيره رواية تقول: إن أولئك القوم هم بنو حَنيفة. ورواية تقول: إنهم التُّرك. وقال: ” عن ابن أبي خالد، عن أبيه، عن أبي هريرة في قوله: { سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ } قال: هم البارزون “. ونقل أيضاً عن ” ابن أبي خالد عن أبيه قال: نزل علينا أبو هريرة، ففسّر قول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: قال: تقاتلون قومًا نعالهم الشَّعْر. قال: هم البارزون، يعني الأكراد “. (تفسير ابن كثير، ج 4، ص 190).


· جلال الدين السُّيوطي (ت 911 هـ = 1505 م): قال: ” وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هُريرة رضي الله عنه في قوله { أُولي بأسٍ شديدٍ } قال: هم البآرز، يعني الأكراد “. (الدر المنثور، ج 26، ص 519).


· الشَّوْكاني ( ت 1250 هـ = 1834 م): قال: ” وأخرج ابن أبي حاتِم عن أبي هُريرة أنهم الأكراد “. (فتح القدير، ج 5، ص 69)


· الآلُوسي (ت 1270 هـ = 1854 م): نقل جميع الروايات التي سبقته؛ أي أن أولئك القوم هم بنو حَنيفة، والفُرس، وهَوازِن، والروم، والأكراد. (روح المعاني ج25، ص 102 – 103).


· القِنُوجي البُخاري ( ت 1307 هـ = 1890 م): ذكر تارة أن أولئك القوم هم الفرس، وتارة أنهم الروم، وثالثة أنهم الفرس والروم، ورابعة أنهم هَوازِن وثَقِيف وغَطَفان وبنو حَنيفة، وقال: ” وعن أبي هُرَيْرَة أنهم الأكراد ” (القنوجي: فتح البيان في مقاصد القرآن، ج 13، ص 103).


· لم يقتصر أمر ذكر (الأكراد) في تفسير هذه الآية على المفسرين، وإنما نهج المؤرخ أبو نَعيم الإصبهاني (ت 430 هـ = 1038 م) نهجهم، فقال: ” عن مجاهد : (ستُدعَون إلى قومٍ أُولي بأسٍ شديدٍ ) قال: هم أعراب فارس، وهم الأكراد “. (ذكر أخبار إصبهان،ج 1، ص 7).


تلك هي الروايات التي ذكرت الكرد في جملة الأقوام الذين وُصفوا في القرآن بأنهم أصحاب بأس شديد، فهل يتفق سياق الأحداث مع هذا التفسير؟ وهل يقبله واقع الظروف التاريخية في بداية القرن الأول الهجر (السابع الميلادي) ؟ أم أنّ وراء الأكَمَة (التلة) ما وراءها كما يقول المَثَل القديم؟


بحث في الدلالة


إن لهذه الروايات دلالتين: الأولى إيجابية، والثانية سلبية.


أولاً – الدلالة الإيجابية: هي وصف (الأكراد) بشدة البأس وقوة الشكيمة، ويمكن للمرء أن يتّخذ هذه الآية شهادةً إلهية صريحة، نزلت من فوق سبع سماوات؛ لتشهد للكرد بأنهم يمتازون- من حيث التكوين- بصفات مرموقة، تتفرّع عن الصفة المحورية (البأس الشديد)، وأبرز تلك الصفات: الثبات على الموقف، والجَلَد في الشدائد، والشجاعة في الخطوب، والبسالة في القتال، والإقدام على المخاطر، وصعوبة تدجينهم والسيطرة عليهم.


ويمكن لوجهة النظر هذه أن تتعزّز بأقوال وشهادات أخرى، وصفت الكرد بشدة البأس بشكل مباشرة تارة، وبشكل غير مباشر تارة أخرى؛ ومن ذلك قول الآلوسي في تفسيره (روح المعاني، ج 26، ص 103): ” وبالجملة الأكراد مشهور بالبأس “. وقال شاعر يدعى (ابن طاهر) في وصف فَهْد:وليس للطُّرّاد إلاّ فَهْـــدُ


كأنّما أَلقتْ علــيه الكُردُ


مِن خُلْقِـها، أو وَلَدتْه الأُسْدُ


وهْوَ كفيلُ النُّجْحِ حين يَعْدو


( ابن حمدون: التذكرة الحمدونية، ج 5، ص 74).


أجل، من الممكن أن تؤخذ هذه الأقوال- وثمة أقوال أخرى وصفت الكرد بالشجاعة لا مجال لذكرها الآن- أدلةً على أرجحية الدلالة الإيجابية، وعلى أن الذين أدرجوا الكرد ضمن أولي البأس- في إطار هذه الآية- إنما أرادوا الرفع من شأنهم، والإشادة بشجاعتهم وبسالتهم، والتنويه بقوة شكيمتهم، ووضعوهم في مستوى واحد مع الفرس والروم وبعض القبائل العربية المشهورة بالقوة الشجاعة.ثانياً – الدلالة السلبية: هي وضع (الأكراد) في صفّ (الكفّار)، وفي خانة المعادين لله ورسوله، وليس هذا فحسب، بل إنهم من الأعداء الذين فرض الله من فوق سبع سماوات على المسلمين، ومن جملتهم الأعراب المتقاعسين، أن يقاتلوهم ويفرضوا عليهم اعتناق الإسلام، وهذا المعنى واضح في الآية (قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ)، ولا يحتاج فهمه إلى عناء، وإمكانيات المناورة معه معدومة، كما أنه لا يحتمل أيّ تأويل؛ لأن العبارات دقيقة ومحدّدة، وليست مجازية ولا فضفاضة ولا زئبقية.


وقد يقال: أين هي المشكلة؟ فالإسلام هو الدين الوحيد الذي يعترف به الله تعالى، بدليل الآية (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ) [سورة آل عمران، الآية 19]، وكل من يعتنق الإسلام يصبح من (أولياء الله)، وكل من لا يعتنقه يصبح من (أولياء الشيطان)، ومطلوب من المسلمين أن يقاتلوا (أولياء الشيطان)، بدليل الآية (فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ) [سورة النساء، الآية 76]. وبما أن الكرد لم يكونوا مسلمين حينما ظهرت الدعوة الإسلامية، كان من الطبيعي أن يكونوا في دائرة (أولياء الشيطان) أعداء الله، وكان من الطبيعي أيضاً أن يُطالَب المسلمون- بما فيهم الأعراب- بمقاتلة الكرد، تماماً كما كان مطلوباً منهم مقاتلة (أولياء الشيطان) الآخرين عرباً وفرساً وروماً وغيرهم.


شكوك وحقائق


والحق أن هذا التوجيه وجيه، ولا غبار عليه. لكن تبدأ الشكوك بالتفاقم حينما يتفحّص المرء الموضوع من جميع جوانبه؛ بدءاً بالواقع السياسي لشعوب غربي آسيا مع ظهور الدعوة الإسلامية، ومروراً بالظروف التي واكبت نزول هذه الآية، وانتهاء بالجهات التي أنتجت هذه الروايات؛ ودعونا نتناول بالتأمل والتحليل هذه الأمور الثلاثة كلاً على حِدة:أولاً – الواقع السياسي في غربي آسيا: ظهرت الدعوة الإسلامية سنة (610 م)، ثم كانت الهجرة إلى يَثْرِب (المدينة) سنة (622 م)، والشروع في وضع أسس الدولة العربية الإسلامية، وحينذاك كانت شعوب غربي آسيا واقعة تحت سيطرة إمبراطورية الفرس شرقاً وإمبراطورية الروم غرباً، وكانت كردستان (بلاد الكرد) مقسَّمة بين هاتين الإمبراطوريتين، فمن مدينة (نِصِيبِين) ضمناً باتجاه الغرب كان تابعاً للروم، وما عداها شرقاً كان تابعاً للفرس؛ هذا بغض النظر عن تقلّص مناطق النفوذ في كردستان بين الفرس والروم بين حين وآخر، بتأثير الصراع الذي كان محتدماً بين الإمبراطوريتين. والمهم في الأمر أن الكرد لم يكونوا أصحاب كيان سياسي مستقل، وعلى الصعيد الثقافي كانوا- في غالبيتهم- من أتباع الديانة الزَّرْدَشتية، شأنهم في ذلك شأن الفرس.2 – مناسبة نزول الآية: جاء في بعض المصادر أن هذه الآية نزلت بشأن الأعراب الذين تخلّفوا عن الالتحاق بجيش المسلمين في غزوة الحُدَيْبِيَة سنة (6 هـ = 628 م) ضد قريش حينما قررت منع المسلمين من العُمرة إلى مكة، (انظر: مغازي الواقدي، ج1، ص 619. وتفسير البغوي، ج 4). وجاء في مصادر أخرى أنّ المخلَّفين هم الأعراب الذين تقاعسوا عن المشاركة في غزوة حُنَيْن سنة (8 هـ = 630 م) ضد قبيلة هَوازِن والقبائل البدوية المتحالفة معها (انظر تفسير الطبري، ج 26، ص 83).


وفي الحالين رجّح بعض كبار المفسّرين أن المقصود بعبارة (قوم أولي بأس شديد) هم القبائل العربية القوية من أمثال بني حَنيفة قبيلة المتنبّئ (مُسَيْلَمة الكذّاب)، ومن الممكن أيضاً أن يكون المقصود دولة فارس ودولة الروم. أما الكرد فما علاقتهم بالموضوع؟ إنهم كانوا حينذاك شعباً مقموعاً ومغلوباً على أمره، ولم يكن لهم أدنى تأثير في الدعوة الإسلامية، لا إيجاباً ولا سلباً، فهم من الناحية الجغرافية كانوا في جبالهم بعيدين عن الحجاز أرض الدعوة الإسلامية، ومن الناحية السياسية لم يكونوا أصحاب دولة ذات نفوذ، ولم يكونا سادة إمبراطورية تشكل قوتها خطراً في المستقبل على انتشار الدعوة، وتدفعها مصالحها إلى الدخول في حروب ضد العرب المسلمين. 3 – الجهات المنتجة للروايات: تعود الروايات التي ذكرت (الأكراد/البآرز/البارزون) إلى ثلاثة رواة، هم ابن أبي حاتم في الدرجة الأولى، وابن أبي خالد ومُجاهد في الدرجة الثانية، فماذا عن كل واحد منهم؟


أما مُجاهد فهو مُجاهد بن جَبْر (ت 104 هـ = 722 م)، مولى بني مخزوم، وهناك من مدحه بأنه ثقة في علم التفسير؛ قال الذَّهبي: ” قال سُفْيان الثَّوْري: خذوا التفسير من أربعة: مُجاهد، وسعيد بن جُبَيْر، وعِكْرِمة، والضَّحّاك “. (الذهبي: سير أعلام النبلاء، ج 4، ص 450 – 451). وهناك من شكّك في مصداقيته، وبنى ذلك على انصراف أهل العلم عن الأخذ بما جاء في تفسيره؛ “قال أبو بكر بن عَيّاش: قلت للأَعْمَش: ما بالُهم يَتّقون تفسيرَ مجاهد؟ قال: كانوا يرون أنه يسأل أهل الكتاب [= اليهود والنصارى]”. (المصدر السابق نفسه). وعلّق الذهبي على الموضوع قائلاً: ” قلت: ولمجاهد أقوالٌ وغرائب في العلم والتفسير تُستنكَر “. (الذهبي: سير أعلام النبلاء، ج 4، ص 455).


وأما ابن أبي حاتم (ت 327 هـ = 938 م) فهو عبد الرحمن بن محمد بن إدريس بن المنذر التَّمِيمي الحَنْظَلي الرازي، وقد يبدو للوهلة الأولى أنه عربي الأصل من بني تَميم، لكن سرعان ما نكتشف من ترجمة والده (حاتم) أنه حاتم بن إدريس بن المنذر بن داود بن مهران، وأنه فارسي الأصل من مدينة الرَّي، وأنه كان مولى بني تميم، وكان يسكن حيّ بني حَنْظلة في الرَّي، فقيل له: الحنظلي. (انظر الذهبي: سير أعلام النبلاء، ج 13، ص 247. وابن عساكر: تاريخ مدينة دمشق، ج 53، ص 3. والزركلي: الأعلام، ج 6، ص 27).


وأما ابن أبي خالد فهو إسماعيل ابن أبي خالد (ت 146 هـ)، وكنيته أبو عبد الله البَجَلي، وتُوهمنا هذه النسبة أنه من قبيلة بَجِيلة العربية، لكن الحقيقة أنه مولى بني بَجِيلة، واسم أبيه هرمز، وقيل سعد، وقيل: كَثير (انظر الذهبي: سير أعلام النبلاء، ج 6، ص 176 – 178)، وإذا أخذنا بالرواية التي ذكرت أن اسم والده (هُرْمُز) فالأرجح أنه فارسي الأصل، أو أنه من خرّيجي الثقافة الفارسية.


وهكذا يبدو واضحاً أن الرواة الذين صنّفوا (الأكراد) في عداد (قومٍ أولي بأس شديد) لم يكونوا عرباً، وإنما كانوا فرساً، أو من خرّيجي الثقافة الفارسية، وقد نسب كل من ابن أبي حاتم وابن أبي خالد الرواية إلى الصحابي المشهور (أبو هُريرة ت 57 هـ)، وهنا يبدأ الإشكال الأكبر، فأبو هريرة عربي من قبيلة دَوْس اليمانية، كان اسمه في الجاهلية (عَبد شَمس بن صَخْر)، وحينما أسلم سنة (7 هـ) سمّاه النبي (عبد الرحمن)، ويُنسب إليه ذكر قرابة حوالي (5000) خمسة آلاف حديث نبوي، متقدّماً في هذا المجال على كثيرين من كبار الصحابة، وبينهم أبو بكر الصدّيق وعمر بن الخطّاب وغيرهما.


ولسنا الآن بصدد الشكوك التي أثيرت حول غزارة الأحاديث النبوية التي رواها أبو هريرة، رغم أن فترة صحبته للنبي لم تتجاوز ثلاث سنوات، ولسنا أيضاً بصدد اضطراره إلى الدفاع عن نفسه إزاء تلك الشكوك. وما يهمنا الآن أن لأبي هريرة مقاماً رفيعاً في التراث الإسلامي السُّنّي حصراً، وحينما يكون هو صاحب خبر ما فلا ريب في أن ذلك الخبر يكون مسموعاً عند المسلمين السُّنّة، وهم القسم الأكبر من المسلمين، ومن هنا تأتي أهمية أن يكون أبو هريرة صاحب تفسير أن (الأكراد) من الذين يندرجون تحت وصف (قوم أولي بأس شديد).


لكن يبقى السؤال: من أين كان أبو هريرة- وهو البدوي الأمي- يستمد المعلومات ذات الصبغة التاريخية والاجتماعية والإثنية المتعلقة بشعوب غربي آسيا من غير العرب؟ وأقصد على وجه التحديد المعلومات التي لم يأت لها ذكر لا في التراث العربي قبل الإسلام، ولا في القرآن، ولا في الأحاديث النبوية الصحيحة. ومعروف أن المجتمع العربي قبل الإسلام، وفي عهد الدعوة الإسلامية، كان يفتقر إلى المؤسسات التي تُعنى بتدوين المعلومات؛ سواء أكانت تاريخية أم غير تاريخية، وكانت الجهات التي تمتلك القدرات والإمكانيات في هذا المجال تابعة سياسياً وثقافياً للفرس والروم؛ إنها الجاليات والبعثات التبشيرية المسيحية واليهودية في اليمن والعراق، وهؤلاء هم الذين أصبحوا- في عهد صدر الإسلام- المصدر الأول والأهم للمعلومات.


ونحن هنا إزاء أحد احتمالين: 1 – إما أن أبا هريرة فسّر آية (قوم أولي بأس شديد) على ضوء المعلومات التي كان يروّج لها بعض خرّيجي ثقافة أهل الكتاب (اليهود والنصارى)، وبعض خريجي الثقافة الفارسية، وكان هؤلاء جميعاً قد وجدوا في (تفسير القرآن) ميداناً رحيباً لتفتيق التأويلات، وتفريع الاحتمالات، ومزج الواقع بالأسطورة؛ وهذه حقيقة يعرفها كل من اطّلع على تفاسير القرآن القديمة.2 – وإما أن كلاً من ابن أبي حاتم وابن أبي خالد الفارسيين، أو المتفرّسَين ثقافياً، نسبا المعلومة إلى أبي هريرة، ثقة منهما بأنها تكون أكثر رواجاً، ولم يكن مثل هذا النهج بالأمر الصعب في عهد الرواية الشفهية، وإذا كانت الأحاديث النبوية نفسها لم تسلم من الدس والتحريف؛ فهل من العجب في شيء أن يصل الدس والتحريف إلى أقوال أبي هريرة؟


السمّ في الدَّسَم


وخلاصة ما نرجّحه أن اسم (الأكراد) أُقحم في تفسير آية (قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ) إقحاماً، ولا أستبعد أن يكون هذا الأمر نتاج تقليد سياسي قديم في التراث الشرقي؛ أقصد سياسة (السمّ في الدَّسم)، وأذكر في هذا الصدد حدثين، الأول من شرقي العالم الإسلامي، والثاني من غربيّه:1 – في سنة (38 هـ) احتدم الصراع على السلطة بين الخليفة الراشدي الرابع عليّ بن أبي طالِب في الكوفة بالعراق، ومنافسه مُعاوية بن أبي سُفْيان في دمشق ببلاد الشام، ولما عيّن عليٌّ أحد كبار أنصاره، وهو الأَشْتَر النَّخَعي، والياً على مصر، أوكل معاوية إلى أحد عملائه في مصر (مسؤول الخَراج) مهمة التخلص من الأشتر، فاستقبله العميل في الطريق، واستضافه، وقدّم إليه طعاماً وسقاه شراباً من عسل، فمات منه، فلما بلغ ذلك معاوية ذلك قال: ” إنّ لله جنوداً من عسل”. (ابن كثير: البداية والنهاية، ج 7، ص 376).2 – كان المنصور أبو عامر يتولّى منصب الحجابة (يعادل رئاسة الوزارة في عصرنا) في الأندلس (إسبانيا)، ولما تُوفّي سنة (392 هـ) تولّى المنصب ابنه عبد الملك، وفي سنة (399 هـ) عزم عبد الرحمن بن المنصور التخلص من أخيه عبد الملك، ليتولّى هو المنصب، فاستضافه وقدّم له تفاحة قطعها بسكين كان قد سَمّ أحد جانبيها، وناول أخاه ما يلي الجانب المسموم، وأخذ هو ما يلي الجانب الصحيح، وأكله بحضرته، فاطمأن عبد الملك، وأكل ما بيده منها، فمات. (ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ج 8، ص 678).


ويبدو أن ثقافة (السمّ في الدسم) لم تكن حَكْراً على الساسة المتنافسين، وإنما وجدت طريقها إلى التراث الديني أيضاً، بل إلى واحد من أكثر المجالات الثقافية الدينية أهمية؛ ألا وهو مجال (التفسير)، وكان في كل مرة يقع شعبٌ ما أو شخصٌ ما ضحية تلك الثقافة. وأحسب أن الذين أدرجوا اسم (الأكراد) في فئة (قوم أولي بأس شديد) أسسوا توجّههم هذا على الظروف المتعلقة بحياة الكرد قبل الإسلام، وعلى الظروف التي واكبت حياة الكرد حينما ظهر الإسلام وبدأت الفتوحات العربية الإسلامية بالتوسع، وألخّص تلك الظروف في ثلاثة أمور هي:


أولاً – هامش التاريخ: في عهد الدولة الميدية كان الشعب الكردي في بؤرة تاريخ غربي آسيا، وكان إلى جانب الشعوب الأخرى من أكبر صانعي ذلك التاريخ، لكن قبل ظهور الإسلام بحوالي (12) قرناً كان الكرد قد زُحزحوا من بؤرة تاريخ غربي آسيا إلى هامشه بل إلى هامش الهامش؛ حدث ذلك منذ سقوط دولة ميديا على يد كورش الثاني الأخميني سنة (550 ق.م)، وفي حدود قراءاتي لتاريخ غربي آسيا قبل الإسلام، ونتيجة معلومات كثيرة ومتشابكة لا مجال الآن لسردها، أمتلك الجرأة العلمية لأن أقول: عملت السياسات الفارسية خاصة لإخراج الجماهير الكردية من دائرة الفعل الحضاري، وأبقت أمامهم خياراً وحيداً، هو الاحتفاظ بالبقاء فقط، لكن في أكثر الظروف الحياتية قسوة.


ومن الثمار المُرة لتلك السياسات أنه لم يبق أمام الكرد طريق إلى الحياة سوى أن يتحوّلوا إلى رعاة، يهيمون مع أنعامهم في البراري أو في شعاف الجبال، ولا أضع في اعتباري الحياة المرفَّهة التي عاشتها قلة قليلة من الأسر والزعامات الكردية، فهي كانت مرتبطة بالدول الفارسية سياسياً وثقافياً، وكانت كردية بالاسم فقط، ولا تصلح لأن تشكّل تمثيلاً واقعياً للجماهير الكردية.


وكانت النتيجة الطبيعية أن الكرد تحوّلوا خلال اثني عشر قرناً تقريباً (550 ق.م – 600 م) إلى مجتمع رعوي، بعيد عن مراكز الحضارة، ومحروم من أسباب الثقافة والمدنية. وفي بيئة رعوية يغلب عليها الطابع الجبلي، وتهيمن عليها البدائية والبداوة، كان من الطبيعي أن تكون خصلة (البأس الشديد) هي البارزة في الشخصية الكردية، وإلا فلن يكون ثمة مجال للاستمرار في البقاء؛ وعلى ضوء هذه المعطيات نفهم وصف الكرد بأنهم (أعراب فارس/البارزون)، على أن نأخذ في الحسبان أن المقصود بكلمة (أعراب) هنا هو (البدو).


ثانياًً – فتح كردستان: خلال الفتوحات الإسلامية لاقى العرب الفاتحون كثيراً من المشقات في إخضاع الكرد، وإن الرغبة في تصوير الأمر وكأن الكرد كانوا مرحّبين بالفاتحين العرب ينافي الحقيقة الموثَّقة في المصادر، وإذا كان الكرد قد شعروا بالارتياح في الخلاص من الهيمنة الفارسية فذلك لا يعني بالضرورة أنهم رحّبوا بالمهيمنين الجدد. ثم إن سقوط المدن في أيدي الفاتحين العرب لم يكن وحده كفيلاً بفرض الهيمنة العربية على كردستان؛ فالمدن كانت مراكز للسلطة الفارسية، أما الغالبية العظمى من الجماهير الكردية فكانت مقيمة في البراري والجبال والأرياف، وإن المقاومة الشرسة التي أبداها الكرد ضد الفاتحين العرب تركت انطباعاً لدى الرأي العام العربي وغير العربي بأن الكرد يندرجون تحت تصنيف (قوم أولي بأس شديد).


ثالثاً – جغرافيا الثورات: كانت الجغرافيا الكردية، معظم القرون الأولى من العهود الإسلامية، ساحة للانتفاضات، ومعقلاً للثورات، ضد سلطة الخلافة في العهد الراشدي، ثم ضد سلطة الخلافتين الأُمَوية والعبّاسية، هذا في القرون الثلاثة الأولى، أما بعدئذ فلم تضعف وتيرة الانتفاضات والثورات، بل زادت؛ تارة بسبب سياسات القهر التي مارسها المرتزقة العسكريون الأتراك المتحكمون في دار الخلافة ببغداد، وتارة أخرى ضد سلطة الدَّيْلم الفرس أو المتفرّسين الذين أزاحوا المرتزقة الترك جانباً سنة (334 هـ = 946 م)، وحلّوا محلهم في بغداد، وتارة ثالثة ضد سلطة التركمان السلاجقة الذين دخلوا بغداد سنة (447 هـ = 1055 م)، واستولوا على مقاليد الأمور في غربي آسيا.


تلك- فيما نرى- هي المعطيات التي سوّغت لبعض المفسرين تصنيف الكرد ضمن (قوم أولي بأس شديد)، ووضعهم في خانة أعداء الله الأشداء من الفرس والروم والترك والقبائل العربية البدوية؛ أولئك الأعداء الذين لا وسيلة إلى حملهم على اعتناق الإسلام إلا بالقتال.


المراجع


1. ابن أبي حاتم: تفسير ابن أبي حاتم، نسخة إلكترونية.


2. ابن الأثير: الكامل في التاريخ، دار صادر، بيروت، 1979.


3. الآلوسي: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، دار الفكر، بيروت، 1978.


4. البغوي: معالم التنزيل في التفسير والتأويل، تحقيق خالد عبد الرحمن العك، مروان سوار، دار المعرفة، بيروت، 1987.


5. ابن حمدون: التذكرة الحمدونية، تحقيق إحسان عباس، بكر عبّاس، دار صادر، بيروت، 1996.


6. الذهبي: سير أعلام النبلاء، تحقيق شُعَيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية، 1982.


7. الزِّركلي: الأعلام، دار العلم للملايين، بيروت، 1986.


8. السيوطي: تفسير الدُّرّ المنثور في التفسير المأثور، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الثانية 1983.


9. الشوكاني: فتح القدير الجامع بين فنّي الرواية والدراية وعلم التفسير، تحقيق الدكتور عبد الرحمن عميرَة، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، المنصورة، مصر، الطبعة الثانية، 1997.


10. الطبري: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، القاهرة، 1968.


11. ابن عساكر: تاريخ مدينة دمشق، تحقيق محب الدين أبو سعيد عمر بن غرامة العَمروي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، 1995.


12. القِنوجي البخاري: فتح البيان في مقاصد القرآن، إدارة إحياء التراث الإسلامي، قطر، 1989.


13. ابن كثير: البداية والنهاية، دار أبي حيّان، القاهرة، الطبعة الأولى، 1996.


14. ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، تحقيق الدكتور محمد إبراهيم البنّا، محمد أحمد عاشور، عبد العزيز غنيم، الشعب، القاهرة، 1971.


15. أبو نعيم الإصبهاني: ذكر أخبار إصبهان، دار الكتاب الإسلامي، القاهرة، 1934.


16. الواقدي: كتاب المغازي، تحقيق الدكتور مارسدن جون، عالم الكتب، بيروت، 1980.


وإلى اللقاء في الحلقة العاشرة


د. أحمد الخليل   في 3 – 2 –  2009