الرئيسية » المرأة والأسرة » انطوائية الطفل ما بين رغبات الأهل وقدرات الطفل

انطوائية الطفل ما بين رغبات الأهل وقدرات الطفل

ويبقى الطفل الثمرة الأكثر تأثرا بما تتلقاه من البيئة المحيطة بكافة ميزاتها وخصوصياتها , ويبقى هذا الطفل هو الأسرع في تمثل هذه التأثيرات في سلوكه الخارجي وتعامله مع الآخرين فكل ما يزرع في ذهنية هذا الطفل يتحول وخلال حياته طفلا أو مع مرور الزمن إلى سلوكيات يعاني منها هو قبل أي شخص آخر كما يعاني منها المجتمع بأسره نتيجة تواجد ( عنصر بشري ) معرض لتأثيرات تكون في بعض الأحيان مرضية , فعدم التوازن الذي من الممكن أن يكون قائما في البيئة المحيطة بالطفل يؤثر سلبا فيه ويعرضه للانحراف عن الصحة والسوية النفسية التامة .
ومن هذه الحالات التي تظهر في سلوك الطفل وتميزه عن الآخرين الحالة الانطوائية لطفل ما , وتراجعه عن الاندماج في النسيج الاجتماعي المحيط به وعدم قدرته على التلاؤم والتفاعل مع المكون الاجتماعي المحيط به .
الانطوائية تعريفا
تعرف الانطوائية بأنها الشعور الداخلي لدى الإنسان بالنقص والدونية بالنسبة للآخرين مم يؤدي به إلى الانسحاب من الحياة الاجتماعية التفاعلية وعدم القدرة على الاختلاط ويكون ذلك ناتجا عن عدم امتلاكه للمهارات الاجتماعية الأساسية واللازمة في عملية التفاعل وقلة ثقته بنفسه .
حالة واقعية
وانطلاقا من حالة التشابه بين مختلف هذه الحالات الانطوائية فلا يسعنا إلا الانطلاق من حالة واقعية واستكشاف جوانبها لمعرفة الأسباب والدوافع التي أدت بالطفل موضوع الملاحظة وهو ( كرم عبد الله ) صف رابع إلى الانطواء والتراجع عن الاندماج الطبيعي مع الغير من زملائه ويصف لنا والده السيد مجيد عبد الله الحالة بداية بقوله :” إننا نعاني الأمرين من السلوك اللاطبيعي لكرم حيث أنه يبقى دائم البقاء في البيت ويرفض الخروج للعب مع أقرانه ويبقى يلعب وحيدا دون ملل ” , وبهذه المقولة تكونت لدينا الفكرة العامة عن الحالة التي يعانيها هذا الطفل لننطلق نحو الحكم على هذه الحالة بالانطوائية ولذلك بدأنا بالبحث عن مظاهر وأسباب هذه الحالة .
من مظاهر انطوائية الطفل
وتضيف لنا السيدة نهال عيد والدة كرم بأن :” كرم يعاني من الانعزال الكامل تقريبا ولديه القليل جدا من الزملاء الذين يلتقي بهم نادرا فعادة ما يلعب لوحده, وأكثر ما يثير قلقي هو بكائه سرا ودون سبب في بعض الأحيان ولجوئه إلى النوم الكثير بعد هذا البكاء” ,وما استطعنا أن نجده من معلومات لدى المدرس مروان رفعت ( مدرس كرم في المدرسة ) والذي أشار إلى بعض المظاهر التي أكدت انطوائية هذا الطفل فهو وكما يقول المدرس :” ليس خمولا بل إنه يتمتع بدقة ملاحظة قوية ومجتهد في دروسه ويؤدي واجباته المدرسية بشكل جيد ولكن ألاحظ انعزاله عن بقية رفاقه أثناء الفرصة أو عند المجيء والذاهب من وإلى المدرسة ” .
ويؤكد لنا الأب بأن ولده :” خجل كثيرا رغم كل محاولاتنا بأن نجعله يشعر بأن لا شيء مخجل وخاصة في بعض الحالات التي لا تستدعي الخجل أبدا ولكن تذهب كل محاولاتنا سدى وربما يكون في هذا الأمر بعض الحسنات فكل من حولنا من جيران وأقارب يثقون بكرم ويثنون عليه لأنه طفل ذكي في مدرسته وخجل ويحترم الآخرين ” .
لكل حالة عللها
إن المسألة الأكثر أهمية هي اكتشاف الأسباب التي تؤدي بهذا الطفل للتصرف بهذا الشكل ولأن طريق الحل يمر عبر معرفة الأسباب أولا ولدى سؤالنا للسيدة نهال عن الأوضاع الاجتماعية أو الأسرية التي يعيش ضمنها كرم قالت :” إنه لا يعاني من أي نقص من حيث أننا نستجيب لكل ما يطلبه فهو الولد الوحيد بين ثلاث بنات ونحاول أن نقدم له كل شيء ” , وهذا يتطابق كثيرا مع ما قاله الوالد والذي أكد بأنه يحاول أن :” أجعل من ولدي أفضل من جميع رفاقه فألبسه وأحذره من كل ما يسيء إلى نظافته وترتيبه بحيث يبدو نظيفا , مجتهدا دائما “,ولكنه وحين سألناه عن تعامله معه وما إذا كان فيها شيء من القسوة قال :” لا أقسو على ولدي إلا بما يجعله أهلا لأن يكون شابا قادرا على حمل المسؤولية مستقبلا “, وتؤكد الوالدة بأنه :” ولو كان لدى والده شيء من اللهفة الدائمة عليه فإن هذا لأجل مصلحته قبل كل شيء ” .
أما المدرس فقد أضاف كلمة أخرى استطاعت أن تفيدنا فيما بعد وعند البحث عن السر وراء ما يعانيه كرم من انطوائية حيث قال بأن :” كرم وكأنه يعاني من الخوف من زملائه والذين ألاحظ بأنهم أحيانا وكما يقول آخرون يحاولون التعامل معه بقسوة نتيجة خوفه هذا والذي يبدو لهم واضحا من بعض سلوكياته التي استطاع الأطفال ملاحظتها بسرعة “.
هل من أسرار ؟
لم يبدو لنا في التفسير الذي قدمه لنا المرشد النفسي الأستاذ حسن غزوان ما يثير الاستغراب في سلوك هذا الطفل نتيجة ما أكد لنا المرشد من تأثيرات ناتجة عن المعلومات البسيطة التي تم الحصول عليها من المحيط الصغير الذي يحيط به وهو الأب والأم والمدرسة , فيقول السيد غزوان :” إن تعرض كرم لهجمة شرسة من دلال الأهل ( المؤذي أحيانا كثيرة )وتحذيراتهم من جهة أخرى لم يكن من شأنه إلا أن ولّد حالة من اللاتوازن في نفسية هذا الطفل الذي أراد الانعزال عن الآخرين كحل وسط لحماية دلاله وتلبية تحذيرات الأبوين بفعل كذا وكذا مم قد لا يستطيع فعله في مجتمع طفولي يحدث فيه كل شيء وبالتالي فإن حالة الانطواء والانعزال وحتى ما يعانيه من خوف هي نتيجة طبيعية للطلبات التي تفوق قدرة هذا الطفل ” .
إن انطوائية الطفل ناتجة بالدرجة الأولى من التربية غير المدروسة من قبل الأبوين مم قد يوقعهما في مطب التناقض في الأوامر والتنبيهات والنصائح للطفل والذي يتمثل لكل شيء بحذافيره وأي تناقض يجعل هذا الطفل في حالة من الاضطراب النفسي الذي يتحول لديه لردة فعل غير مفهومة أحيانا من قبل الأهل الذين يعتقدون بأنهم على دراية بصحة كل ما يقدمونه لطفلهم من مقومات تربوية, ويبقى الدور للتوعية الاجتماعية التربوية التي يجب أن تقوم بها المؤسسات التربوية وعلى رأسها المدرسة التي يجب أن تتابع الحالات(المرضية سلوكيا) للتلاميذ ,خاصة إن كان من شأنها أن تشكل وبالا على الطفل مستقبلا .