الرئيسية » مقالات » عن هويتنا كبشر

عن هويتنا كبشر

أنا و أنت أكثر من إنسان , فيمكن لنا أن نعرف أنفسنا بتعريفات عدة تشكل معا “حقيقة هويتنا” , مثلا أنني سني , أنك شيعي أو مسيحي , هذا يجعلنا بالتأكيد مختلفين , أصدقاء أحيانا و أعداء في أحيان أخرى , حسب تفسير من يملك الحق في تفسير “هويتنا” هذه , أي وفقا لآخر فتاوي رجال الدين الشيعة أو السنة أو المسيحيين , في الحقيقة قام حتى اليوم عدد محدود جدا جدا من البشر , مقارنة بمن عاشوا و سيعيشون على هذه الأرض , بتحديد حقيقة هذه الهوية من جهة و بتحديد مضمونها و نتائجها , و بتحديد التصورات محدودة العدد الموجودة اليوم عن الحقيقة المطلقة , فعلى سبيل المثال ما يعنيه أنني سني أنني أقبل و أعتقد بالتصور الذي وضعه رجال الدين السنة عن العالم , عني , عنك , عن الآخرين , و أن أرى أنه تصور حقيقي , يعبر عن الواقع , و أنه علي أن أتصرف كما يقولون لي , هكذا على الأقل سيتصرف المؤمن المخلص , سواء أ كان سنيا أو شيعيا أو مسيحيا أو حتى علمانيا يهتدي بحكمة و توجيهات سادته الفكريين الذين يحلون بالنسبة له مكان رجل الدين , هذا أيضا ما يعنيه أنني سوري أو عراقي أو أمريكي , أو عربي أو كردي , هناك دوما “سياسيون” , “مفكرون” , أشخاص أدرى منا بحقيقة ما تعنيه كل من هذه الانتماءات , و نحن في الأغلب , نمارس انتمائنا هذا وفقا لتوجيهات و أفكار هؤلاء , هذا جزء في الحقيقة من تقسيم البشر , و من تقسيم العمل بين البشر , بين من يقود الآخرين و بين من يجب عليه السمع و الطاعة , بين من يفكر و بين من يعمل , كتب القرآن شخص واحد في الواقع , سواء أكان الإله نفسه أو نبيه محمد , عدد من كتب الإنجيل يتجاوز هذا الرقم بقليل فقط , الوصايا العشر نفسها إما أن الله قد حدث بها موسى أو أن موسى حلم بها أو أنه ألفها في لحظة تجلي أو في لحظة شعر فيها بقدرته على خداع قومه , أنا مالكي أي أنني أعتقد أن الإمام أنس بن مالك قد فهم القرآن و السنة بشكل صحيح كليا أو على الأقل أكثر صحة من أبي حنيفة و الشافعي و حتى , لا مؤاخذة , ابن حنبل , يختلف الموضوع قليلا بالنسبة للشيعة فمن المتاح للشيعي المقلد أي الذي يبحث عن من يقلده أن يختار شخصيا بين عدد من آيات الله العظام أو الأقل عظمة دون أن يقلل ذلك من حقيقة أنه شيعي مؤمن مستحق للخلاص الممنوح للشيعة وحدهم دون بقية البشر , جنة لا سنة فيها كما هي جنة السنة تقتصر فقط على السنة دون أي بشر آخرين , نفس الشيء ينطبق على الكاثوليكي و الأرثوذوكسي و البروتستانتي , اليهودي , البوذي , الخ , الحقيقة أنه ليس فقط أن عددا محدودا جدا جدا من البشر قد حددوا لنا حتى اليوم من نحن و ما يعنيه وجودنا و حقيقة العالم في شكل كتب سماوية و أرضية و ديانات و مذاهب و طوائف و مدارس “فلسفية” و “فكرية – سياسية” , بل إنه في معظم الأحيان أصبحنا على ما نحن عليه لأن سلطة سياسية ما قد فرضت على آبائنا أو أجدادنا قبلنا ما الذي يعنيه وجودهم و ما هو شكل الحقيقة المطلقة الذي عليهم أن يعتقدوا به , ربما اكتفت السلطة أحيانا بإعدام و ملاحقة بعض من هؤلاء الباحثين في الحقيقة المطلقة كالسهروردي و الحلاج و غيلان الدمشقي و معبد الجهني و الجعد بن درهم و ابن حنبل و ابن رشد , بل إن مصر سنية اليوم بشكل أساسي بسبب التعسف المباشر , الدموي في كثير من الأحيان , الذي أبداه صلاح الدين و خلفائه من بعده ضد أي بقايا أو آثار للفكر الشيعي الذي كان بالمقابل سائدا أيام الدولة الفاطمية التي أسقطها صلاح الدين محولا ملايين المصريين من شيعة إسماعيليين إلى سنة , و أن إيران شيعية بسبب القمع الهمجي ضد السنة خاصة و ضد غير الشيعة عموما الذي مارسته السلطة الصفوية , ليس هذا فقط , بل إن أغلبنا يتبع أبا حنيفة النعمان لأن مذهبه كان المذهب الرسمي للدولة العثمانية التي حكمت آبائنا لأربعة قرون أما الأقليات المعدودة و المحدودة جدا التي رأت الحق في تعاليم محمد بن نصير البصري النميري و محمد الجنبلاني ( العلويين ) أو حمزة بن علي الزوزني و محمد بن إسماعيل الدرزي ( الدروز ) فقد أجبروا على العيش في غيتو وسط , و هربا من , اضطهاد السلطة , لننتقل إلى أوقاتنا المعاصرة , قامت في روسيا ثورة سياسية شعبية انتهت بوصول حزب البلاشفة إلى السلطة , ثارت الجماهير على استبداد القيصر و استغلال نظامه لها , لكن بعد انتصار الحزب البلشفي أجبر كل الروس و الأوكرانيين و بقية القوميات في الإمبراطورية القيصرية على أن تتبلشف و لسبعين عاما كانت البلشفية كما فسرها أعضاء المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفيتي هي هوية كل الملايين من البشر هناك , اليوم يحدد مفهوم المعاصرة أيضا عدد محدود جدا جدا من البشر , هذا المفهوم الذي يعتبره كثير من الباحثين عن الحقيقة المطلقة أنه هوية الإنسان المعولم في هذا العصر و أن كل ما يعتنقه دون نقاش هو متخلف خارج عن العصر , أي عن سادة هذا العصر , عن فكر سادة هذا العصر و سياسة سادة هذا العصر , أي أنه يتبع فكر و سياسة سادة عصر ماضي متخلفة بالضرورة , أولا يحدد مضمون هذه المعاصرة شيء يسمونه المجتمع الدولي الذي يتألف تحديدا من 8 فقط من الأشخاص الذين اعتبروا أن من حقهم حكم العالم و رسم سياساته و مصير ملياراته الستة من البشر و مصير الموارد في كل مكان و حصة كل إنسان منها , لتعرف ماهية سياساتهم هذه عليك فقط أن تلقي نظرة على لائحة أغنى البشر اليوم و لائحة الأمراض و المجاعات التي تجتاح قارات و تحصد شعوبا بأكملها , عندها فقط ستكتشف أن القنبلة النووية ليست أكثر أسلحة أسياد هذا العالم فتكا , الجوع و الجراثيم أسلحة أشد فتكا بفقراء العالم من أسلحة أغنيائهم , يحتاج كل واحد من هؤلاء الثمانية الذين يحكمون العالم كي يصل إلى مكانته هذه على رأس هذا العالم إلى أقصى ما يمكن من القدرة على الخداع و الكذب و المدائح من مجموعة من المنافقين الذين يقتاتون على هامش مائدة الثمانية الكبار الذين يسمون أنفسهم و يسميهم الإعلام الذي ينتجه و يموله أغنياء و سادة هذا العالم بالمفكرين في غمار احتفالية يقودها المال و النفاق و الكذب يسمونها انتخابات , باختصار يحتاج كل واحد من هؤلاء إلى ثقة وتمويل أولئك الذين يملكون كل شيء لصالح كل البشرية و ليس لصالح جيوبهم , كما تخبرنا “النخبة المثقفة” التي تفكر هي أيضا عنا و ليس لمصلحتها أبدا كما يزعم المغرضون من أمثالي , إخلاصها هذا يعود إلى أرسطو الذي نصح العبيد كآلات غبية بالبقاء كما هم لخير البشرية جمعاء و لخيرهم هم أيضا قبل خير سادتهم , عاش ملايين البشر عبيدا هكذا دون حتى عزاء رجال الدين السائد دين سادتهم , كان عليهم البحث بين الهراطقة عن بعض العزاء ليصبح هذا العزاء اسما لقهر جديد , هنا يمكننا أن نكتشف الفرق الأساسي بين الديمقراطية البرجوازية للأغنياء و بين ديكتاتورياتنا المهترئة , فهذه الديمقراطية تقبل بأن تستحضر شخصا ما من أسفل المجتمع ليعمل كموظف , كغطاء , لسلطة الأغنياء , هذا ما فعله الأمريكان أخيرا بانتخاب أسود لرئاستهم و حتى أسود آخر لزعامة الحزب الجمهوري المحافظ أحفاد الكوكس كلان , هكذا يستخدم أحفاد الكوكس كلان أسودا من أحفاد ضحاياهم ليصدق الرجل الأسود أن النظام يكترث لهم , هذا ما فعله الأغنياء البيض بالأمس في جنوب أفريقيا عندما استحال عليهم أن يحكموا السود مباشرة فاستخدموا حكاما من بني جلدتهم ليعيدوا إنتاج سلطتهم على العبيد , لكن لأن الطبقة المسيطرة مشخصنة في بلادنا في شخص الحاكم – الديكتاتور , فإنها و مثقفيها في مأزق يحتاج لاستحضار كل شياطين الأصولية و العلمانية النقدية و الفوضوية أو الفوضى لتصبح قابلة للهضم , لتبدو في مقابل هذه الشياطين ملائكة و إن بثياب أشد سوادا من الليل الذي تفرضه على مجتمعاتنا و ليقارن قبحها بقبح الاحتمالات التي يهددونها بها في حال اختفت المعتقلات و حراسها فجأة من حياتنا , على الأقل يحق لهرطقي مثلي يكفر بكل شيء و يحتقر كل السادة من كل الأنواع و المشارب و المذاهب أن يسأل هؤلاء السادة و خدمهم : إذا كان الإسرائيليين جيرانا جيدين ديمقراطيين و متقدمين كما يصر عبد الرحمن الراشد و سادته في قصور الرياض , و إذا كان القرضاوي و سادته في قصور الدوحة يريدون حقا أن يقاوموا الدبابات التي انتهكت كل شيء في غزة طوال 3 أسابيع و ليس البحث عن إثارة إعلامية نكاية بجيرانهم في قصور الرياض القريبة , فليرسلوا جميعا أولادهم إلى مدارس وكالة الأونروا بدلا من المدارس الأمريكية و ليغادروا قصورهم إلى غزة ليقتسموا لقيمات المساعدات مع مليون و نصف إنسان في غزة , إذا كان حكم البشر من أقلية تأكل أكلهم و تسلب خبزهم قدرا لا بد منه و إذا كان هذا لمصلحة العبيد أساسا فلماذا لا يتبادل السادة موقعهم مع العبيد , دون أن ينتظروا ثورات العبيد , ما دامت الفوارق بين السادة و العبيد فوارق غير ذات أهمية و ما دام الجميع , كما يؤكد كل مثقفي السلاطين العرب و الأعاجم منهم , يستفيد من حقيقة سيطرة البعض على الأغلبية ؟ على الأقل هذا ما يفعله البرجوازيون في أمريكا و أوروبا عندما يستدعون أحد العبيد لينصبوه سيدا وهميا جديدا على العبيد بهدف الحفاظ على امتيازات طبقة السادة , نحن في الحقيقة كما كان الإنسان دائما , أقل من بشر , حتى اليوم كانت هذه هويتنا , مجرد عبيد , و قد فرضت علينا حتى أسماء آلهتنا , و أنبيائنا , و أصبحت بعض الترهات التي اعتقد بها بعض الأشخاص , بعضهم غير سليم العقل تماما , جزءا من تفكيرنا السائد لقرون طويلة , و قتلنا بعضنا بعضا بأوامر من سادة و رجال دين و مفكرين “أذكياء” و “مبدعين” , و جعنا و عرينا ليلبس و يأكل هؤلاء , نحن , كما كنا في الأمس , أقل من بشر , و لسنا أكثر من عبيد كما كان أجدادنا..هذه هي باختصار الحقيقة التي يجمع عليها كل من يكفر الآخر من رجال دين و مفكرين و فلاسفة و رجال سياسة…….