الرئيسية » مقالات » عزوف 7.5 مليون ناخب، ماذا يعني؟!

عزوف 7.5 مليون ناخب، ماذا يعني؟!

المشاكل التي رافقت انتخابات مجالس المحافظات عديدة لكن اهمها كان عزوف نصف اعداد الناخبين تقريبا عن التقدم للادلاء باصواتهم وهذا مالم يحدث من قبل خصوصا وان تلك الاعداد قد تضاعفت مابين انتخابات العام 2005 التي كانت تدور حول ثمانية ملايين ناخب وبين العام 2009 ونحن نتحدث عن 15 مليون ناخب لم يذهب للانتخابات الا نصفهم حسب احصائية المفوضية العامة للانتخابات. هذا العزوف له اسبابه ومسبباته ولاتقتصر على جزئية واحدة ففي نظرنا انها حلقة ساهمت ظروف كثيرة ببلورتها واقنعت الناخب في نهاية المطاف لعدم اعطاء صوته لاي كان فبدا بذلك معاقبا الجميع واولهم شخصه فليس هناك ابشع من تخلّي الانسان مجبرا عن حق له!

كان من المفترض والمنطقي ان ترتفع نسبة المشاركة في هذه الانتخابات لسببين رئيسيين اولها الوضع الامني المتحسن مقارنة بالعام 2005 وثانيهما المشاركة الواسعة للعرب السنة في هذه الانتخابات وذلك على خلاف سابقتها التي وصلت نسبة المشاركة فيها 56% ورغم ذلك فان نسبة المشاركة في هذه الانتخابات لم تتجاوز 51% تقريبا حسبما صرّحت به مفوضية الانتخابات، وهو امر غاية في الخطورة اذا مااخذت الحكومة تحديدا تداعيات مثل هذه الحالة على محمل الجد وسارعت في تفادي حصولها مستقبلا.

أولى اسباب عزوف الناخب العراقي عن الادلاء بصوته يعود الى ماقامت به جهات محددة من تحرك علني لشراء أصوات الناخبين وذلك بانتهاجها طرق ملتوية تمثّلت حينا بتوزيع مبالغ عينية وحينا اخر عن طريق ماأسمته “هدايا” و “زكاة” و “صدقات” ترافق بعضها اجبار مستلم هذه المبالغ بالقسم على المصحف الشريف بالتصويت لقائمة محددة! أيضا من الاسباب هو ماقامت به جماعات محددة من محاولات تشويهية وتسقيطية بحق اطراف اخرى مساهمة في الانتخابات معها فبدت في موقع الغير ملتزم بأدنى الثوابت الوطنية فضلا عن الثوابت الاخلاقية واطر الاختلاف مع الاخر، هذا فضلا عن تزوير هذه الجهات لبيانات المرجعية الشيعية بحجة تأييد الاخيرة لقوائمهم وهو مازاد الامر سوءا وامتعاضا ونقمة.

عدم مشاركة نصف الناخبين ونحن نتحدث هنا عن سبعة ملايين ونصف صوت ليس صفعة فقط للاحزاب الدينية التي ضربت أسوء مثل في ادارة الدولة بشكل عام ومجالس المحافظات خاصة فضلا عن طريقة التعالي وعدم المبالاة في التعامل مع المواطن وتلبية احتياجاته من الخدمات الملحّة. عدم المشاركة لملايين الناخبين رغم دعوة المرجعية الدينية وغالبية الكتل السياسية والتجمعات المدنية يعني بالدرجة الاولى فقدان ثقة الناخب بكل هذه الحلقة بضمنها المرجعية الدينية بشقيها الشيعي والسني التي اكدّت كالعادة “وجوب التصويت” وبالرغم من ذلك لم يكترث الناخب لهذه الفتوى. فقدان ثقة الناخب بكل هذه الحلقة له مايبرره فسنوات اربعة مرت كانت كافية ليقتنع نصف الناخبين بعدم جدوى التغيير بينما ذهب النصف الاخر على أمل التغيير مكتفيا بعدم التصويت لمجاميع الفساد وتجّار الدين والمتحايلين على الوطن والمواطن فأعطى البعض صوته مقتنعا بينما صوّت البعض الاخر نكاية وكرها وامتعاضا لاطراف محددة فشلت فشلا ذريعا في ادراة المحافظات فبدا الوضع العام اشبه بالقول المأثور “مصائب قوم عند قوم فوائد”!

في نهاية المطاف الانقسام في الشارع العراقي يعطي انطباعا عن مدى ادراك وفهم الناخب العراقي الذي تطوّر خلال فترة انتخابية واحدة وهو ماينبأ بنجاح التحول الديمقراطي في العراق اذا مااستمر الوضع على الوتيرة التي عليها. اضافة الى ذلك فان الانقسام يعني ان التحايل عى الناخب العراقي والاتكاء على ذاكرته القصيرة ليس بالامر السهل فلم تعد الشعارات الدينية سلاحا كما ظنّت بعض المجاميع التي راهنت عليها وتبنتها بل واتخذتها حجر الزاوية في حملتها الانتخابية وكأن الناخب العراقي ليس بمسلم ولاينقصه الا اللطم والتطبير. كذلك الحال مع دعاة التقسيم الطائفي والمذهبي والمناطقي ومن تبنّوا شعارات الانفصال تحت لافتة الفيدرالية وتشكيل الاقاليم فحاولوا دغدغة مشاعر العامة من الناس عبر الوعود في القول دون العمل فبدا الناخب العراقي اذكى من ان تنطلي عليه مثل تلك الشعارات والاقاويل.

اخيرا يبقى امام القوائم الفائزة فرصة للاستفادة من اخطاء من سبقوهم واكثر من مجال لاثبات حسن النوايا واعادة ثقة الناخب بنفسه وبمن انتخبهم والا فان عاقبة عدم الايفاء بالوعود والالتزامات التي قطعتها تلك القوائم يعني عزوف النصف الاخر عن الادلاء باصواتهم في الانتخابات القادمة خصوصا ونحن امام انتخابات مجلس النواب في نهاية العام الحالي. أما القوائم التي لم يحالفها الحظ فنتمنى ان تكون قد ادركت انها امام ناخب ذكي يعرف كيف يتصرف في الوقت المناسب من دون ان يخسر شئ البتة!