الرئيسية » مقالات » الأحفاد في الشتات (2) ازدِواجيّة الانتماء

الأحفاد في الشتات (2) ازدِواجيّة الانتماء

5/ ازدواجية الانتماء : المعنى العراقي

لقد أدركت من غير أي سؤال ، أن مضمون أية دراسة علمية ، سيتركز على أوضاع جيل عراقي توزعت سايكلوجيته بين عالمين اثنين ، أو قل ، ثقافتين مضادتين : ثقافة عراقية ترّبى أي عراقي عليها في سنوات تكوينه الأولى في العراق ، ولازمته مع أهله في بيته ، ومع معلميه ، وأصدقائه في مدرسته .. وثقافة غربية ( قسرية له ) ، وجدها بعد هجرته ، أو هروبه ، أو نزوحه في فضاءاته الجديدة ، سواء في أوربا ،أم أمريكا ، أم استراليا ، أم نيوزيلندا وأماكن وبيئات أخرى.. وستكون لسايكلوجيته إرهاصات من أنواع أخرى إن عاش في بلدان آسيوية أو إقليمية أو عربية . وغدا هذا ” الجيل ” المغترب يعيش ” ازدواجية “، أو قل، ” ثنائية ” راسخة في تربيته ووجدانه.. بين تكوينه الأول ونضوجه الثاني .. بين ذكرياته الأولى التي تحمل كل المعاني مهما كانت قساوتها ، وبين ثقافته الجديدة التي تحمل كل التشيؤات مهما كان نضوجها . إننا نجد ازدواجية الانتماء، في كل مكان ولدى أي نوع من البشر، فتتصادم تقاليده المشّبع بها بغيرها من الثقافات الغريبة عنه ، بل وتبقى تقاليده وطقوسه هي المسيطرة على وجدانه بكل أشكالها ومضامينها التي سحبها معه من دواخل أي مجتمع أتى منه ، ليتشكّل صراع داخلي عنده ضد المجتمعات التي احتوته ، بين عهد وآخر ، وكلها تترجم نفسها في بيته وبيئته فينعزل الآباء والأجداد عن الأبناء والأحفاد ضمن فضاء ثقافي واحد .. ولكن أن تتنازع الإنسان ثنائية في الانتماء لما هو عراقي شرقي إزاء أمريكي غربي ـ مثلا ـ ، فهذه تجربة سايكلوجية من نوع جديد ، وولادة سوسيولوجية تطفح لأول مرة على سطح التاريخ ، وهي تجديد مفعم بالتحولات المريرة من نوع ما، تعيشها الجاليات في خضم مخاض مأساوي في التاريخ.. إذ يتنافر كل طرف عن الطرف الآخر ، وكما يحدث الصراع ، أي نوع من الصراع في دواخل أي مجتمع في الداخل إزاء الخارج ، كذلك يتنافر كل من الانتماءين في سايكلوجية إنسان واحد سواء يعيش في الشتات ( = الوطن الجديد ) أو جاء يركض لاهثا نحو الوطن الأم ، ( فوجده هو الشتات الجديد ) !

6/ ديالكتيك الزمن : ذروة التناقض

هذه باختصار، هي الفلسفة بعيدة المدى، وعميقة البعد ، لمن يفكر في اغتراب ملايين الناس، عن وطنهم، بكل الطرق التي وفرتها الأحداث المأساوية.. إن الرؤية ، التي يحملها الأحفاد العراقيون الذين غدوا ، مثلا ، من الغربيين في بريطانيا ، أم كندا ، أم أمريكا ، أم استراليا ، أم نيوزيلندا .. الخ يتعاملون بغير لغتهم الأم ، وهي وحدها ، حكاية نموذج من ملايين الحكايات التي يتبادلها العراقيون فيما بينهم منذ عشرات السنين .. إن الأحفاد العراقيون ، شاءت الصدف أن تجعلهم في حالة تصادم بين ثقافتين ، أو حالة ديالكتيك بين هويتين .. أو حالة تناقض، بين ذاكرة عراقية، وبين ثقافة غربية.. كلها ، ذلك التصادم وذاك الديالكتيك ( = الجدل ) وصولا إلى ذروة التناقض ، هي بالأحرى عملية صراع ثقافي وسايكلوجي أساسا في بنية كل الأبناء والأحفاد الذين يعيشون حياتهم مزدوجي التفكير ، والهوية ، والثقافة إلى حد ما ! باختصار، أقول هنا، بأن ما وجدوه في مجتمعاتهم الجديدة التي تربوا في أحضانها كان اكبر بكثير من عانوا منه ، أو ما سمعوه ويسمعوه كل يوم عن مواطنهم الأولى التي تعيش جملة مآس لا حدود لها .



7/الحلم البعيد لن يتحقق بسهولة !

كان كل العراقيين في المهجر ، يرنون إلى تلك ” اللحظة التاريخية ” التي تجعلهم يحلمون أن يكون العراق بين يوم وليلة كما كان عليه أيام ألف ليلة وليلة ، أو على اقل تقدير ، كما كان عليه في الخمسينيات من القرن العشرين ، مستقرا ، منتجا ، موحدا ، متطورا . نعم ، وكان الإعلام الأمريكي يّصور للعالم أن عصرا جديدا سينفتح أمام العراقيين حيث ( الديمقراطية ) وحقوق الإنسان، والمجتمع المدني، والحياة الدستورية.. وبالفعل، برزت للعالم عدة منظمات ومجموعات عراقية، في الداخل والشتات ، واندفع الكثيرون ، ولكن نحو التيه ، وهناك من يستغرب أن هناك حتى يومنا هذا من لم يزل يصفق للفراغ وهو بانتظار أن يغدو حلمه حقيقة قائمة بذاتها .. بالرغم من كل الهزّات والصعقات وحياة الفوضى التي تعج بالعراق ، وفرص التشنيع التي يمارسها العراقيون في ظل الحياة الجديدة باسم الديمقراطية التي لا يدركون أساليبها وتقاليدها أبدا !



8/ تجسير الهوة بين الداخل والخارج

ربما ينفرد العراقيون فقط عن غيرهم ، أنهم يعيشون التمايز منذ زمن بعيد بين من بقى في وطنه من أبناء الداخل ، وبين ذاك الشارد عن وطنه إلى ارض الشتات . ثمة تمايز تحّول مع مرور الأيام، وبفعل سياسات القمع الداخلية، ومواريث المجتمع السيئة، إلى تأسيس للكره والحقد والبغض والنظرة الحسودة من قبل أبناء الداخل لإخوتهم أبناء الخارج .. كونهم يعيشون حياة مرفهة ووديعة، ولم يعانوا الأمرّين، كالذي يعانيه أبناء الشعب كلهم.. وبالرغم من صواب هذه الرؤية ، إلى حد كبير ، إلا أن ابن الشتات تعّرض ، ولم يزل يتّعرض لمشكلات صعبة جدا لا يدركها أبناء الداخل ، فضلا عن أن أبناء الشتات ، وقفوا وقفات إنسانية ووطنية لا تنسى أيام الحصار الجائر على العراق ، وهي وقفات اجتماعية ، وأخوية ، قوية دللت على أن الروح العراقية لا يمكنها أن تنفصم أبدا لدى جيل الأمس.. اليوم ، تتحمل وسائل الإعلام والمؤسسات التربوية والتعليمية العراقية ، دورها في العمل على تجسير الفجوة بين العراقيين كلهم مع أبنائهم وأحفادهم في الخارج ، كي يساعد على الاندماج بما يخدم المجتمع العراقي بعيدا عن التمزق والتفسخ .



9/ الاوهام البليدة

لقد كان الأحفاد في الشتات أكثر اندفاعا من آبائهم وأجدادهم في موجات هذا التيار بالخروج من ازدواجية الانتماء إلى أحاديته .. قبل أشهر مضت ، قابلت في تورنتو الكندية مجموعة عربية من رجال عرب كهول السن ، وهم يعيشون أفكارهم المحتقنة ، إذ يريدون بثها في الغرب ، ولما جابهتهم أن أحفادهم سيغدون كنديين حقيقيين مستقبلا بحكم الزمن ، انتفضوا انتفاضة كبيرة واستعاذوا بالله من الشيطان الرجيم ، فقلت لهم : إنها حقائق أثبتها الزمن على غيركم ، خصوصا وإنكم تتمتعون بالقوانين الكندية اليوم ، ولكنكم ترفضون الواقع وانتم من الهاربين .. وهذه هي محنة المهاجرين العرب والمسلمين في الغرب خصوصا .. إنهم يتوهمون جعل العالم يمشي حسب مزاجهم وأهوائهم وأفكارهم .. فإذا كنتم قد فشلتم في أوطانكم التي أدرتموها من الأمام إلى الوراء ، فكيف باستطاعتكم تغيير العالم كما تريدون . إن العالم أقوى منكم جميعا، وهو لا يكترث بكم، بل يعّول على أحفادكم في الشتات ! إن مجتمعاتنا في دواخلها ، تتوهم الأخيلة حقائق ، ولكن ليس كمن انتظر طويلا لإصلاح ذات الحال ، والخروج من مأزق الظلم والعنف والحروب والحصارات ، كي يدخل فوهة بشعة، ولكن من نوع آخر ، حيث انسحاق المؤسسات واختفاء الأمن ، وتبلور الانقسامات ، واشتعال الحرب الطائفية ، وانتشار الإرهاب ، وإشاعة التمزقات والتباينات باسم المكونات ، أو الاكثريات والأقليات ..



10/ العراقيون .. ضرورة التواصل

أود القول إن هذا ” المقال ” يمّثل حصيلة قراءات علمية لبعض مشروعات التنمية الاجتماعية التي قمت بالإشراف أو الاطلاع عليها أكاديميا في بعض الجامعات الغربية ، وخصوصا دراسة أوضاع الجاليات العربية في الشتات ، ومن خلال أسئلة لاستطلاعات الرأي ، ومنها الجالية العراقية التي تمّثل نماذجها ، فرادة في تنوع أسباب الهجرة والهروب الجماعي ، أو النزوح واللجوء ألقسري نحو الغرب على امتداد خمسين سنة مضت .. وربما تلاقت الأسباب والنتائج مع ما يعانيه العرب جميعهم وغيرهم من شعوب المنطقة في الشتات. إن التركيز هنا، على الجاليات العراقية ، سيمنح الآخرين ، عدة فرص للدراسة والاستفادة، ولكن من نوع آخر، إذ تبيّن لنا من خلال استطلاع الرأي أن جيل الآباء له شديد الحنين لأرض الوطن، وتقل النسبة كثيرا عند جيل الأبناء. وتكاد تكون هذه ” الحالة “، نادرة عند جيل الأحفاد الذي لا يدرك هويته إلا في الحاضنة التي ترّبى فيها.. وهذا أقسى ما سيصل إليه النزيف البشري من مجتمعاتنا ( العربية خصوصا ) والمكبلة بالتناقضات.



وأخيرا : نزيف بشري عن وطن محترق !

إن الأحفاد والأبناء، قد ضاع أملهم في الرجوع والعودة إلى وطنهم المحترق حتى إن كان الرجوع زيارة قصيرة.. بل وبدأ العراقيون يتدفقون على بلدين عربيين مجاورين كي يمارسوا الضياع، ويتفاقم الأمر كثيرا عندما يصبح النزوح حالة جماعية.. إن متغيرات الحياة الصعبة في أوطاننا، بكل جروحها وقروحها، على امتداد النصف الثاني من القرن العشرين قد خلقت هذا النزيف البشري الذي لا انسداد له ، وخسرت بلادنا العريقة أهم ثروة سكانية من أبنائها ، وكلهم من ذوي القدرات المبدعة ، والمهن الخلاقة ، والكفاءات الرائعة .. فمتى تستقر حياة أوطاننا وتتطور الحياة فيها كي ترجع الطيور إلى أعشاشها .. بدل أن نهدي العالم أولادنا وأحفادنا على امتداد قرن آخر من الزمن ؟؟



نشرت على موقع الدكتور سيار الجميل