الرئيسية » مقالات » المبدأ السياسي بين جلال الموقف و هبوط الرؤية

المبدأ السياسي بين جلال الموقف و هبوط الرؤية

كثيرا ما يتردد في الأوساط الشعبية و النخبوية و الأكاديمية قضية بالغة الأهمية تتجسد في العلاقة الكامنة بين المبدأ السياسي في رفعته و سموّه و جلال طموحه, و مدى ارتباطه بالقيم و المثل الهادفة إلى البناء و إصلاح المجتمعات و ترقيتها, و السير بها إلى الخروج من مآزقها و أزماتها و إشكالاتها المتعددة الجوانب, و تلك العلاقة التي تهبط بالمبدأ السياسي إلى درك المصلحة الواطئة و الرؤية القاصرة , و التمحور حول الذات, و ضرب الآخرين أفرادا و جماعات , متفرقين و مجتمعين , وفق نزعات و ميول و أغراض تجعل من العمل السياسي سوقا رائجة لها, تفتح أبواب الثراء و المجد و الشهرة و ذيوع الصيت, و لو كان ذلك على حساب آلام الآخرين و مصالحهم و سحق تطلعاتهم , في جبرية و طغيان , و نزعة إلى الاستعلاء , و جنوح إلى الاستبداد و القمع , و الأثرة و الأنانية و ضرب الخصوم و النيل منهم , في ميكافيلية بائسة و طرق ملتوية تبرر الوسيلة مهما كانت هابطة و بشعة .
فالمبدأ السياسي في نصاعته و عمقه و فهمه الحقيقي لأهدافه القريبة و البعيدة , ينبغي أن يشكل المنطلق لإدارة و بناء و ترقية الحياة الإنسانية, سواء في طابعها الوطني أو القومي أو العالمي الجامع أو الميل إلى إعلاء صرح المدنية و العلم و المعرفة, ليجعل من المنطلق أداة رفيعة تنسجم كوسيلة و أداة نضالية , مع الغاية التي كان المفهوم السياسي مسخرا في الأصل له, و ساعيا لبلورته و نقله و إيضاحه, و إبلاغ الجماهير المستفيدة بأدواته و وسائله المشروعة, حتى يأخذ أبعاده الحقيقية في إدارة المجتمعات, و فن قيادتها, و حسن ريادة الموقف , و إجلاء مظاهر الرفعة و التمدن و معالم التطور و مواكبة الحياة فيها , و من أجل ذلك كان بروز أعلام المفكرين و المصلحين و المنظّرين ممن كان لهم أثر في خدمة المجتمع الإنساني , و إعلاء شأنه, و إعطائه البعد التفسيري و التحليلي , بما يجنح إلى إبداعات تصب في خدمة القضايا الكبرى , التي ينبغي أن تسخر لها القيم و المثل و الأدوات و الموازين , بما يهيئ للشخصية السياسية عمقها و تبلورها و رفعة شأنها, و بعدها عن التحكم و الدكتاتورية و النمط الشمولي الغارق في ذاتيّة مفرطة, تلوّث العمل السياسي , و تكدر كل سعي من خلاله بما يفضي إلى الكراهية و الاستعلاء و الإرهاب و العنف و الهدم و القتل , مما يشكل الشناعة و الرعب , و يدمر الحياة الآمنة للشعوب المستقرة , و يدفع بها إلى متاهات مجهولة .
إن الهدف الرئيسي لعملية البناء و التمدين و رفع شأن المجتمع الإنساني , كامن في المنطلق و المبدأ كما أنه يكمن في مدى رسوخ ذلك المنطلق في نفس السياسي و تمكنه من فكره و رؤيته, و تلازم ذلك مع الترجمة السلوكية التي تهدف إلى تجسيد المبدأ و التعبير عنه, من خلال وعي داخلي و رقابي دقيق , ينسجم تماما مع التربية الطويلة و المديدة , و المسلّحة بقراءة متعمّقة و فهم صحيح للمعادلة السياسية المعقّدة في ارتقائها إلى الترجمة الحركية الميدانية, و هي من صلب العمل السياسي الحقيقي , البعيد عن الارتزاق و الارتماء في أحضان الذاتية المترفة و المتخمة بالنزعة الغريزية الهابطة و التي تدعو إلى اعتبار الذات و إشباعها و الالتفاف حولها, و الإصغاء إلى نزعاتها محور العمل السياسي , مما يولد الآفة المدمّرة في التنظيمات و المنظمات و الدول , نظرا لامتداد العمل السياسي و تأثيراته الكبيرة على الأفراد و الجماعات .
إن الإفراط في المثالية و الإغراق الرومانسي في التصور السياسي مما لا يمكن أن يأتي بنتيجة مرجوة , و لكن الإغراق في النزعة الذاتية و الإسراف في تقدير المصلحة الحزبية أو الشخصية أو الفئوية أو العرقية أو التعصب لأي انتماء سياسي يسحق الآخرين من أشد الآفات فتكا و إساءة , و من أبعدها عن تطوير المجتمعات و إغنائها و دفها إلى التكامل و إبعادها عن خطر العصبية و الحقد و الكراهة و الموقف القومي البدائي , و محاولات السيطرة و المحو و إلغاء الآخرين , و نهب خيراتهم و إمكاناتهم على حساب الرؤية الأنانية الهابطة و الموقف السياسي المتداعي و المحكوم بمصالح و رؤى ضيقة و متهاوية .
لقد دعونا و لا نزال ندعو إلى تغليب عمل سياسي ناضج و منتج و فعّال بما يحقق البعد الأمثل للنزعة الإنسانية, و الرؤية الفكرية الجامعة, و الثراء العلمي , لتكون هذه الرؤية حكما و موقفا و واقعا حركيا , و ترجمة فعلية لعمل سياسي ناضج , بعيد عن كل أشكال التقوقع و الذاتية المريضة و المتورمة من خلال الرؤية السمجة الشنيعة و الهابطة باتجاه إنكار التواصل و التكامل و التفاعل .