الرئيسية » مقالات » استغاثة الكتاب العربي بلسان قارئة عربية

استغاثة الكتاب العربي بلسان قارئة عربية

في قراءة للمعرض الدولي للكتاب الدورة 41 بالقاهرة من 21 يناير * كانون الثاني *2009 إلى الخامس من فبراير *شباط * من نفس السنة , يتضح أن الكتاب فقد قيمته كأفضل صديق وونيس بل أرقى سمو روحي يربط بين الشخص وذاته الجوانية كما قال * علي عزت بيجوفيتش * في القسم الثاني من كتابه * الإسلام بين الشرق والغرب * الفصل السابع * موسى وعيسى ومحمد *ص295 وما يأتي بعدها…
الحضور تمثل في عدد قليل من الذين يهتمون بالقراءة , ويمكن تقسيمه إلى ثلاثة أصناف :

الصنف الأول : فئة الكتاب والمثقفين والأدباء والشعراء * النخبة *.

الصنف الثاني : المجاملين لأصحاب القلم.

الصنف الثالث : الذين يعشقون القراءة.

ويمكن إجمال هذا , في التحليل التالي :

صنف الكتاب والمثقفين والأدباء والشعراء * النخبة * هم أصحاب مكان وأصحاب أقلام , ووجودهم ضروري جدا لأنهم يمثلون وجودهم الذاتي المادي والروحي في حرفهم.

الصنف الثاني من المجاملين لأصحاب الأقلام , هؤلاء يمكن أيضا تصنيفهم إلى قسمين :

الأول : فئة تؤمن إيمانا مطلقا بضرورة الكتاب , وأن الحروف والكلمات هي تكليف لا تشريف وبالتالي حضورهم نابع عن إرادة مطلقة للمعرض الدولي للكتاب في دورته الحادي والأربعون في القاهرة , ونابع أيضا بإيمانهم المطلق كذلك بدور الكاتب ودور الكلمات التي يحملها بين دفتي صفحة أولى بداية حروف وصفحة أخيرة رسالة معينة .

الثاني : فئة المجاملين الذين فقط حضروا لمجاملة الأدباء والكتاب , لأنهم فرضوا على أداء ذلك , إما بمراكزهم الاجتماعية والتي في الغالب تكون إما ريئس محافظة, أو بلدية , أو حتى محافظ , حضور هذه الفئة استئناسا ومجاملة والتزاما في أداء الديبلوماسية الثقافية بين الكاتب وحروفه.

ثم الصنف الأخير الذين يعشقون القراءة ويعشقون الكتاب ولكنهم يشكلون الندرة الندرة في عالمنا العربي , وأن حضورهم نابع بأن رسالة القلم أقوى من رصاصة رشاش.

وهنا أتساءل كمتتبع منذ الأيام الأولى من المعرض الدولي للكتاب سواء عن طريق النت بواسطة مجمع اللغة العربية بالقاهرة , أو عن طريق قنوات النيل , وأخص بالذكر قناة النيل الثقافية , كمتتبعة لمسار الأدب العربي ولدور الكتاب والكاتب في صناعة أمة وبناءها , في عالم تنطلق منه لغة الضاد ومنه تعود , اشمئز عقلي لما رأيت أن عدد الحضور لا يتجاوز خمسة آلاف فرد … !!!!!

أين أمة الضاد ؟؟؟ أين من يحملون على رقابهم رسالة أمة بكاملها من المحيط إلى الخليج ؟؟؟

أين القارئ العربي إن وجد ؟؟؟؟

وأين الكتاب العربي ؟؟؟ وأين المثقف العربي ؟؟؟؟

كأني أرى مهزلة تاريخية للأدب وللفن و للكتاب … فلقد مر العالم العربي بانحطاط فكري ابتدأ بعد سقوط بغداد بخمس قرون بعد دخول التاتار والمغول وأحرقوا أمهات الكتب في مكتبة البصرة , وكنا نحن الأبناء دائما نثور على ما فعله الأجداد في تخاذلهم مما أدى إلى انحطاط فكري , سياسي , اجتماعي … فنحن الآن وبلا ريب نعيش نفس الفترة بكل ما مر فيها من معنى الانحطاط , بل نحن نمر بأخطر انحطاط لأننا لدينا كل شيء , كل شيء متوفر لدينا , من الكتاب إلى الفضائيات إلى النت …

لكن ماذا سنختار ؟؟؟ أو ماذا اخترنا ؟؟؟ للأسف الشديد رغبنا في التوصل إلى أقصر الطرق , وأسهلها أولا عالم بلا حدود مرئي أو سمعي * النت * وثانيا الأغاني وما يتعبها …

والنت هو صورة ضرورية ومحتمة في هذا العصر , فمن أراد أن يبني ذاته يبني شعبا , يبني أمة , وبالتالي يبني تاريخا …

أما من اتخذه وسيلة للترفيه والتسلية فهو يرمي بنفسه في بئر عميق من الوحل لا يخرج منه مطلقا إلا بوجهين : الإدمان الذي يؤدي للموت أو الرغبة في تحطيم الآخر كيفما كان هذا الغير في تعامله مع نفسه أولا والأغيار ثانيا , والنتيجة الحتمية في هذا هو إعطاء أمة مهزولة , مشلولة , مهزومة , ليس لها قرار , ولن تصنع إلا تاريخا للمذلة ….

فهناك من يريد التخريب بجميع أصنافه, يبدأ بالتخريب الفكري المتمثل في أشياء قد تكون في طبيعة المخلوقات حتى تصبح إدمانا بل وكرا للدعارة الفكرية التخريبية …

وهناك من يريد المجد , ويبحث من المعرفة أيا وجدت , وبالتالي يستطيع أن يرقى إلى المجد والسمو الفكري , وإنشاء عقل له قدرة على التحليل وقدرة على النقد , وقدرة على البناء …

وطبعا شتان بين النوعين من الذين يتخذون العالم السمعي المرئي بلا حدود * النت أو الفضائيات *…

ومن أسهل الطرق أيضا للترفيه عن الذات هناك الأغاني , فهي تشكل النسبة الكبيرة جدا في عالمنا العربي الذي يتراوح عدد الذين يتخذون هذا النوع للتسلية بنسبة تفوق 95% … ماذا يعني هذا ؟؟؟

حيث نجد أن الأعمار ليست لها قياس في اتخاذ هذه الوسيلة حكما ممكن أن نقيس عليه , بل إن الفاجعة كل الفاجعة أن جميع الأعمار من الخامسة إلى ما فوق الخمسين يسمعون … وماذا يسمعون … ؟؟؟

أغاني ملوثة الأذن والسمع , وكلمات كلها مصنوعة على شكل ونفس الوتر , كلها أغاني هابطة المستوى , رديئة السمع , وكلمات سوقية التداول , ومن يؤديها هم أصحاب رسالة …. لكنها للأسف هدامة … وهذا يشكل النسبة العليا بدون منازع للكتاب وللقراءة وللكاتب ولأصحاب أقلام حرة أبية …

من يسمع هذه الأغاني , لا يمكنه أن يقرأ ولا حرف في الكتاب …

ومن يتخذ النت وسيلة لإشباع رغباته طبعا لن يمكنه أن يقرأ ولا حرف إلا ما يريد أن يقرأه حتى يشبع رغبته ولذته ….

الخطر كل الخطر ليس في هذه الصناعة التكنولوجيا الكبيرة بقدر ما أن الخطر كل الخطر ينبع من ذواتنا , من يسمع أغاني على شريط قرصي سي دي ألا يمكنه أن يسمع على نفس الشريط قصيدة لأعظم شعراء عالمنا العربي سواء بأصواتهم أو من قرؤوها نيابة عنهم !!!!

هنا يكمن الخطر … أبناؤنا الآن يضيعون ومن ضيعه ؟؟؟ ألسنا نحن … ألسنا نحن الذين يعتبر القلم بأيدنا رسالة تكليف لا رسالة تشريف ؟؟؟؟

أو لم نكن الآن نصنع تاريخ أمة , فأين دورنا نحن آباء هؤلاء الأبناء …

أين نحن يا أيها الآباء من الكتاب … هل نحن نؤمن بأنه رسالة أقوى من رصاصة رشاش أم أننا يكفينا فقط أن نشاهد فضائيات متنوعة تمتزج بين الأخلاقي واللاأخلاقي …

ألا نقول أننا نبني شعبا … أمة … تاريخا …

فليكن بناؤنا بناء هادف وممجد …

حتى لا يأتي غد يسألنا فيه أبناؤنا ماذا صنعنا لأمة مجدها يصرخ بين القديم المهلل وبين الحديث الرذئ الدني …

ماذا سيكون ردنا عن سؤالهم … إن وجد لنا رد …؟؟؟؟

ألا نكون نحن كذلك نسقط في نفس الهوة التي سقط فيها آباؤنا وأجدادنا لما أضاعوا الأندلس , وأضاعوا مكتبة البصرة , وأضاعوا تاريخ ومجد أمة … ؟؟؟؟

الكتاب هو الصديق , هو الرفيق , وهو الونيس , وهو الذي يصنع تاريخ أمة إما بمجد خالد أو بدناءة خالدة … ماذا سنختار أيها الآباء ؟؟؟

ولكم الجواب … لكن بفعل … لا بقول …!!!!

بقلم : فدوى أحمد التكموتي

المغرب