الرئيسية » مقالات » البطاقة التموينية والاقتصاد العراقي

البطاقة التموينية والاقتصاد العراقي

العاقل من وعظته التجارب
الدين لله والوطن للجميع
الفقر يخرس الفطن والفقير غريب في بلده
ما خلق امرؤ عبثا فيلهو ولا ترك سدى فيلغو
الفكرة تورث نورا والغفلة تورث ظلمة

في 20/5/1996 وقع العراق والامم المتحدة مذكرة تفاهم،بعد مرور عام على صدور القرار 986 في 14/4/1995،والذي سمح للعراق ببيع النفط بقيمة مليار دولار كل 3 اشهر لتمويل مشتريات السلع الانسانية وتمويل النشاطات المختلفة للامم المتحدة.ومرت المذكرة بمراحل عدة جرى تجديد العمل ببرنامج النفط مقابل الغذاء فيها كل 6 اشهر حسب قرارات الامم المتحدة اللاحقة التي نظمت آلية العمل وبالاخص القرارات 1051و1153و1284.وجاء برنامج النفط مقابل الغذاء اساسا لتخفيف معاناة الشعب العراقي من وطأة العقوبات الاقتصادية التي فرضها المجتمع الدولي على بلادنا بسبب حماقات صدام حسين وافتعاله الحروب الكارثية،الا ان النظام العراقي البائد كعادته لم يتعامل مع البرنامج من زاوية مصالح الشعب العراقي بل من مصلحته الضيقة والاستفادة منه لاعتبارات سياسية!.
لقد استهدف البرنامج تخفيف المعاناة الانسانية وليس توفير حل شامل للازمة في العراق،وهو لم يستجب لمتطلبات الانماء والاستثمار،وكانت البطاقة التموينية من اهم ثماره الايجابية.وعليه تعرف البطاقة التموينية بانها- آلية توزيع الحصص التموينية الدورية على ابناء الشعب العراقي وفق برنامج النفط مقابل الغذاء!،البرنامج المنقطع النظير والفريد في تاريخ الامم المتحدة،وهي ليست استهلاكا عبثيا بل نتاج السياسة الكارثية للدكتاتورية البائدة،وشحة فرص العمل،ومجمل الازمات الاقتصادية التي عانت وتعاني منها البلاد…بعد انخفاض الدخل الفردي مئات المرات وانخفاض قيمة العملة الوطنية بنسب مئوية غير معقولة،وتضخم ملفات الفقر وما تحت مستوى الفقر،وتوقف عجلة الدورة الاقتصادية السلمية،والكساد الاقتصادي الذي قل نظيره في تاريخ العراق الحديث،والغلاء الفاحش،والبطالة المكشوفة والمقتعة،وتوسع الهجوم الضريبي على المواطنين،والتقليص الصارم للانفاق العام في ميزانية الدولة بحجة التقشف والاصلاحات الاقتصادية،والنهب المنظم لمداخيل المواطنين!
وبطبيعته وكعادته تلاعب نظام صدام حسين بالتوريدات في اطار برنامج النفط مقابل الغذاء وبعقودها،ومارس التجارة غير المشروعة والتهريب والسوق السوداء،وطبق سياسة الخصخصة والعمل على اسس تجارة التمويل الذاتي وترميم قاعدة السلطات الاجتماعية عبر استيلاء اعوان النظام على المنشآت العامة المخصخصة،وتعمد التلاعب بمواعيد حصص البطاقة التموينية واوزانها وحجمها والغش في نوعيتها واستخدامها سلاحا للمعاقبة!واداة لمكافأة الاعوان!،كما حولت السلطات جزءا من قيمة عقود التوريدات الى حسابات المسؤولين،واباحت توريد المواد الفاسدة والرديئة والقديمة والمستهلكة!وتناغمت بيروقراطية الامم المتحدة وتسويف ممثلي الولايات المتحدة وبريطانيا مع الابتزاز والفساد الحكومي!لتجر المبالغة في استقطاعات التعويضات واغلبها غير حقيقية وملفقة وبشكل تعسفي على حساب تلبية الحاجات الانسانية للشعب العراقي!.
وبعد مضي نصف عقد من الزمن على سقوط الدكتاتورية الغاشمة لازالت البطاقة التموينية وثيقة رسمية مطلوبة في جميع المعاملات الرسمية التي يحتاجها المواطن في حياته اليومية اسوة بالجنسية،وصارت اهم من المستمسكات المطلوبة كشهادة الوفاة والميلاد والزواج والطلاق وعقود البيع والشراء!وهي اساس السجلات الانتخابية في الاستفتاءات الشعبية!.واستنادا الى بيانات الجهاز المركزي للاحصاء التابع لوزارة التخطيط والتعاون الانمائي،فان 96% من العراقيين يحصلون على حصص مقننة من الغذاء!
لتقليص النفقات الحكومية الباهضة في دعم البطاقة التموينية وحجم الاموال المخصصة لها في الميزانية،والتي يستورد العراق لتأمينها اكثر من 8 ملايين طن من المواد الغذائية سنويا تتجاوز قيمتها 3 مليار دولار،عمدت الحكومة الحالية على ترشيقها او ترشيدها واختزال مفرداتها(في قرارات غير رسمية وغير مصادق عليها من قبل مجلس النواب العراقي،لكنها ملزمة كصكوك الغفران)لتقتصر على المواد التالية مع تحسين نوعيتها:
• الرز
• السكر
• الطحين(حصص غير منتظمة- وقطعت مرارا)
• الزيت
• الحليب(حصص غير منتظمة)
كما اقرت حصة لكل مواطن من الايرادات النفطية يجري توزيعها مع مفردات البطاقة التموينية!وتم الالغاء الفوري لمفردات المساحيق والصابون والملح!ويبدو ان الاختزال المذكور هو جزء من خطط حكومية للتغيير التدريجي في نظام البطاقة التموينية على مراحل،ما يؤدي الى الغائها خلال اعوام قلائل،كفترة ثلاث سنوات مثلا!وتماشيا مع شروع الحكومة العراقية تطبيق بنود الاتفاقية المعقودة بينه وبين صندوق النقد الدولي والمتضمنة خطة شاملة للاصلاح الاقتصادي واعادة هيكلة الاقتصاد العراقي لضمان تحول سلس وسليم نحو اقتصاد السوق!
حذرت القوى السياسية الوطنية مرارا من ان الغاء البطاقة التموينية او اختزال مفرداتها في ظل انعدام السياسة الاجتمااقتصادية الرصينة للدولة العراقية،والافتقار الى البدائل المناسبة لها،وشيوع الفساد الاقتصادي،يؤدي حتما الى تصعيد حدة التباينات الطبقية وانتشار الفقر والجوع بصورة واسعة،والى المزيد من تعميق التفاوت والاستقطاب الاجتماعيين في البلاد،وتكريس هيمنة الرأسمالية الجديدة والبورجوازية الكومبرادورية والطفيلية على مقدرات البلاد ومصالح المجتمع.
الترشيد الحالي للبطاقة التموينية اجراء حكومي منفرد وشاذ وسط اقتصاد يعاني من ازمة عميقة وشاملة!الترشيق الحالي للبطاقة التموينية هو ضحك على الذقون،واستغفال لابناء الشعب العراقي الذي يذوق الامرين في ظل غياب السياسات الاقتصادية والمالية والنقدية المتكاملة والمتناسقة،المستندة الى استراتيجية اقتصادية وتنموية واضحة!…الحكومة العراقية تختزل مفردات البطاقة التموينية وهي في منأى من توفير شروط اعادة تدوير العجلة الاقتصادية السلمية،توظيف العوائد النفطية لاغراض الاستثمار والتنمية ودعم اسعار المشتقات النفطية،معالجة البطالة،الاهتمام بتنمية الموارد البشرية،تأكيد دور الطبقة العاملة وسائر الشغيلة في حياة المجتمع،اعادة اعمار الريف وتطوير القوى المنتجة فيه والنهوض بالقطاع الزراعي،الاهتمام بالقطاع العام باعتباره قاعدة رئيسية للاقتصاد الوطني وعامل التوازن الاقتصادي والاجتماعي!،الوقوف بوجه الدعوة الى اعتبار الخصخصة وصفة عامة وشاملة لحل مشكلات الاقتصاد وتحقيق التنمية في مطلق الاحوال،تشجيع مبادرات القطاع الخاص،محاربة الفساد الاداري والمالي والاقتصادي وتعزيز دور الرقابة المالية وهيئة النزاهة،تعبئة الموارد المحلية والخارجية لتمويل عملية تنمية مستدامة،توفير ضمانات العيش الكريم للمواطنين وحمايتهم من الفقر والعوز بالاستخدام العادل لثروات البلاد وعوائد التنمية،حماية المستهلكين من انفلات النشاطات الطفيلية والمضاربة والارتفاع الحاد في اسعار المواد الضرورية واجور السكن والنقل والخدمات!،تنظيم الاسواق التجارية واعادة تأهيل الاسواق المركزية،وقف الاستيراد العشوائي،تأسيس شركات النقل القادرة على القيام بمهام النقل والتسويق،مكافحة استيراد المواد الغذائية من قبل عدد من التجار المتنفذين في الاسواق!،تعضيد الاداء الحكومي الخاص بتنظيم شبكات الحماية الاجتماعية،اعتماد الشفافية في وضع الحقائق امام الشعب اولا باول كي لا نحتاج الى نصائح صندوق النقد الدولي الباهظة الثمن.
بدل تنظيم البطاقة التموينية واستثمار نظامها الجيد في سبيل تحسين مستوى المعيشة للمواطن عبر تنويع مفرداتها وتحسين نوعيتها،وعوضا عن المحافظة على البطاقة التموينية وتحسين مكوناتها ومستوى شموليتها،جرى انحسار كامل لمنافع الشعب العراقي بسبب تدخل جهات مختلفة غير حكومية وتحكمها بالبطاقة ومفرداتها،عدم توزيع النفط والغاز ضمن موادها في جميع المناطق رغم وجود قرار بذلك،زيادة ثمنها الى اضعاف،الترويج لفكرة صرف مبالغ مالية مقابل البطاقة التموينية،رداءة نوعية المواد الداخلة فيها،التفاوت في تجهيز مفرداتها ولا تستلم كاملة،عدم انتظام توزيع مواد البطاقة،المخالفات(التكرار)وتسلم الحصص التموينية من اكثر من منطقة،وجود اعداد كبيرة من المتوفين مسجلين لدى وكلاء المواد الغذائية ويتقاضون الحصة التموينية كل شهر!والكشف عن مئات الهويات المزورة ضمن الاسماء المشمولة بمفردات البطاقة التموينية وكان اصحابها يستلمون المفردات بشكل مخالف للضوابط..الجميع يتقاذف الاتهامات،والجميع يشفط ويلهط،الحكومة العراقية ووزارة تجارتها،مجالس المحافظات والبلدية،وكلاء المواد الغذائية،تجار الجملة والمفرد،..
من المؤسف تقليص تخصيصات البطاقة التموينية في مشاريع الميزانية الفيدرالية،وبنسب تصل الى 13% بحساب الدينار احيانا،هكذا وبدلا من تحسين مفردات البطاقة التموينية يجري شطبها!لقد انعكس التراجع الكبير في نوعية الحياة للعائلة العراقية من خلال عدم استقرار وعدم ضمان تجهيز خدمات الكهرباء والمياه،والتراجع في خدمات الصرف الصحي،وتدني مستوى السكن.وصار جليا الارتفاع المستمر الدوري لاجور النقل واسعار المواد الغذائية والسلع الاخرى.تنفق اغلب العوائل العراقية نصف راتبها الشهري على الوقود،وتسكن الدور السكنية بالايجار،وتقتني بصعوبة قناني غاز الطبخ.
البطاقة التموينية خدمة عامة،وهي بالتالي نعمة للشعب العراقي الآمن المسالم المتطلع لغد افضل،وجب تسخيرها في خدمة السلام ودرء الكوارث لا في نشر الثقافة الطائفية وثقافة اللطميات!هذا هو حال الكهرباء والمياه الصالحة للشرب والتلفونات الارضية وشبكات تصريف المياه والاتصالات والخدمات الاساسية الاخرى!البطاقة التموينية خدمة معيشية عامة وجب محاسبة ومعاقبة من يستخدمها للابتزاز والضغط على الشعب وامتصاص قوته لا بالقطع المبرمج مثلما تقطع الحصص التموينية عن العوائل التي رفضت ان يلتحق اطفالها بمعسكرات اشبال صدام وترفض اليوم الانصياع للولاءات الرجعية والقرقوشية الطائفية فحسب،بل ويستخدمها للضغط السايكولوجي على المواطنين لتجذير العبث واللامعقولية وتمزيق النسيج المنطقي للاحداث لتضيع في غموض الصدفة واللاوعي.
حتى نضع الامور في نصابها الصحيح،واذ ندرك حجم التركة الثقيلة التي ورثناها عن النظام السابق،من حق المواطن ان يرى توجها واضحا وسياسة متكاملة مرسومة بدقة وعناية،تستفيد من الامكانيات والطاقات العراقية لرسم معالم الخروج من دائرة الازمات،التي تحيط بالوطن والشعب،الى عتبة العيش الكريم والرفاه والاستقرار…وعليه يتطلع الشعب العراقي اليوم اكثر من اي وقت مضى الى ان تلتفت له الحكومة العراقية باعتبارها المسؤولة الاولى عن شؤونه،خصوصا ان الحكومة تتمسك بمشروع وطني لتحقيق العدالة!ان تأمين تدفق البطاقة التموينية ومفرداتها وتحسين مكوناتها ومستوى شموليتها،انما هو واجب وطني مقدس،وان القلوب والعيون تصبو نحو كل موقف منصف ومعين.

31/1/2009