الرئيسية » مقالات » حواتمة في حوار الأوضاع الراهنة في غزة مفتوحة على احتمالات متعددة

حواتمة في حوار الأوضاع الراهنة في غزة مفتوحة على احتمالات متعددة

حواتمة: إن الدروس المستخلصة من تجربة النصر والمقاومة في لبنان، نحن الفلسطينيين أحوج لها
الانقسام العربي يعكس نفسه يومياً على الأوضاع الداخلية الفلسطينية لتشجيع وتعميق الانقسامات

حاورته: بارعة الفقيه

• الخلاف على ولاية الرئيس عباس خلاف سياسي بتفوق وليس خلافاً قانونياً
• المستهدف في الاعتداء الإسرائيلي هو الشعب الفلسطيني كله وقضيته
• الأوضاع الراهنة في غزة مفتوحة على احتمالات متعددة

بعد غياب عن لبنان دام 26 عاماً؛ عاد الأمين العام للجبهة الديمقراطية نايف حواتمة إليه، وهو يحمل حنيناً إلى ماضي “النضال اليساري” الذي خلق به بين الأردن ولبنان والعراق، ومن ثم ليحط الرحال في سوريا.
لبنان لم يعد لبنان الـ 82، وكذلك فلسطين المذبوحة، ولكن القضية تبقى ثابتة راسخة. فلسطين بقطاعها الغزاوي ترشح اليوم دماً و”شركاء الدم ينبغي أن يكونوا شركاء في القرار”.
بصراحةً يتحدث حواتمة عن النضال والمقاومة التي “لا بد أن تتطور ببناء جبهة مقاومة متحدة وغرفة عمليات مشتركة بإشراف قيادة سياسية موحدة لا تستثني أحداً”. وبصراحة أكثر يعتبر “أن الانقسام العربي يعكس نفسه يومياً على الأوضاع الداخلية الفلسطينية ويعمق انقساماتها”.
يرفض التهدئة الجزئية مع العدو، لأن معادلة الهدوء مقابل الهدوء لا يمكن أن تدوم، ويرى في القرار 1860 خطوة غير كافية تحتاج إلى خطوات جديدة لردع الاعتداء وضمان انسحاب المعتدي.
ويقول: نحن الفلسطينيين أحوج ما نكون إلى الدروس المستخلصة من تجربة النصر والمقاومة في لبنان. وفيما يلي نص الحوار:

س1: غزة إلى أين ؟
غزة تدفع دائماً نحو الحرية والنصر على المعتدين، وهي ثابتة تقاوم من أجل دحر الغزاة والدفع نحو وقف تام لإطلاق النار، وبالتزامن مع هذا فإن الاعتداء لم يتوقف عند صدور القرار 1860. فالعدو له خطة يحاول تنفيذها لاعتبارات سياسية تتعلق بمصير مجموع القضية الوطنية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير والدولة المستقلة وعودة اللاجئين بموجب القرار 194، ولاعتبارات داخلية انتخابية إسرائيلية محضة يسعى من خلالها كل طرف إلى تحسين حظوظه في النجاح، وفي حال ربح نتنياهو الذي يتقدم في استطلاعات الرأي فإنه سيشكل وزارة يمينية متطرفة لا مشروع سياسياً لها، بل لديه مشروع اقتصادي يقوم على السلام الاقتصادي بمعنى أن “السلام مقابل السلام”، لذا فإن الأوساط السياسية الأمريكية والإسرائيلية حاولت الترويج بأن الاعتداء يستهدف حماس فقط، لإعطاء مصداقية أمام شعوبها لحملتها الوحشية على قطاع غزة باعتبار أن حماس على لائحة الإرهاب الأمريكية والأوروبية، إلا أن الأحداث أثبتت زيف هذه الادعاءات وأن المستهدف هو كل الشعب الفلسطيني بمختلف فصائله المقاومة وقضيته.
وصراحة فإن غزة اليوم مفتوحة على كل الاحتمالات، على احتمال الوصول إلى تسوية متوازنة لوقف تام للنار، والبحث بآليات تنفيذ القرار 1860، فالعدوان ما زال متواصلاً، بينما الحكومة الإسرائيلية لها خطتها السياسية التي تهدف إلى تحويل شمال قطاع غزة وجنوبه إلى منطقة عازلة برعاية آلية دولية، والفصل بين قطاع غزة والضفة الغربية لتحقيق مطامعها، وعليه فإن احتمال الوصول إلى آلية تنفيذية للقرار 1860 هو احتمال ضعيف، فإسرائيل تحاول أن تطرح على الطاولة العودة إلى ما هو أسوأ مما كان قبل حرب حزيران/ يونيو 1967، أي أن تعود غزة تحت الإدارة المصرية، وما يتبقى من الضفة الغربية بعد تنفيذ الأطماع التوسعية الإسرائيلية يتم إلحاقه بالأردن تحت عنوان “لا مكان لإقامة دولة فلسطينية مستقلة”. بالمقابل فإن المقاومة الثابتة تحتاج إلى تطوير أمام هذه الاحتمالات العسكرية العدائية ببناء جبهة مقاومة متحدة وغرفة عمليات مشتركة، وقيادة سياسية وعسكرية موحدة لقطاع غزة تدير كل عمليات الصراع ضد الاحتلال، كما أننا بحاجة إلى توحيد الموقف الفلسطيني، لذلك أدعو جميع الفصائل إلى إعلان سياسي بإنهاء الانقسام والعودة إلى الوحدة الوطنية لضمان وحدة الشعب والوطن وتحديد موقف فلسطيني موحد من الانعكاسات الدولية والإقليمية التي تتمثل بالقرار 1860، وبالمبادرة المصرية ـ الفرنسية. من هنا فإن الأوضاع الراهنة في غزة مفتوحة على احتمالات متعددة.
س2: كيف يمكن تحقيق الوحدة الفلسطينية ونحن نرى الانقسام السياسي العلني وسط تفاقم الأزمة، وهل هناك أصلاً تنسيق فلسطيني بشأن آلية تطبيق القرار 1860 التي ضربت به “إسرائيل” عرض الحائط ؟
إن الحكمة الشعبية والعقلانية تقول: “قل لي ما هو موقف عدوك أقل لك ما هو موقفك”. العدو الإسرائيلي رفض نظرياً وعملياً القرار 1860، قابلت ذلك تعددية في الموقف الفلسطيني وغياب الموقف الموحد، الأمر الذي يضعفنا جميعاً بلا استثناء.
السلطة الفلسطينية رحبت بالقرار من دون تحفظ في حين أن “حماس” تعترض على الكثير من جوانبه وأحياناً عليه برمته، وهناك الموقف الذي تعبر عنه الجبهة الديمقراطية لتحرير لسطين وإلى جانبها قوى وطنية ديمقراطية عديدة، والقائل بأن القرار 1860 خطوة غير كافية تحتاج إلى خطوات جديدة لردع الاعتداء وضمان انسحاب المعتدين إلى خارج قطاع غزة، وهذا يستدعي وضع آليات ملموسة عملية، ونحن نقول “لا لتهدئة جزئية بين قطاع غزة ومحيطه الإسرائيلي”، لأن معادلة “الهدوء مقابل الهدوء” لا يمكن أن تستقر وتدوم، لذلك ندعو إلى تصويب قرار مجلس الأمن باتجاه تهدئة شاملة تشمل جميع الأراضي الفلسطينية المحتلة والداخل الإسرائيلي. فأي تهدئة جزئية أخرى تعني ترك القدس فريسة لتكثيف عمليات التهويد الجارية وترك الضفة الفلسطينية فريسة لاستعمار الاستيطان، لذلك نحن في الجبهة الديمقراطية ندعو جميع الفصائل إلى إعلان سياسي لإنهاء الانقسام والعودة إلى الوحدة الوطنية وتشكل قيادة سياسية مشتركة تتحمل مسؤولية القرار السياسي الفلسطيني الموحد تجاه القرار 1860، واتجاه أي قرارات دولية أو إقليمية عربية أخرى.
س3: هل هذا ممكن ونحن نشهد من انقسامات فلسطينية داخلية ومن رهانات حول تحول المواجهة إلى فلسطينية ـ فلسطينية في مرحلة ترتيب البيت الداخلي الفلسطيني لاحقاً، والحديث عن دماء فلسطينية جديدة ستسيل خصوصاً أن ثمة تجارب محزنة سابقة ؟
هذا سؤال مشروع بالاستناد إلى تجارب سابقة، ولكن ما دمنا نحن جميعاً “شركاء في الدم” علينا أن نكون “شركاء في القرار”، لذلك أدعو الجميع إلى تحكيم العقل والروح الوحدوية من أجل إعلان سياسي لا يكلف أحداً شيئاً بإنهاء الانقسام والعودة إلى المؤسسة الفلسطينية، حتى نبني قيادة سياسية وعسكرية موحدة في قطاع غزة، تدير العمليات الدفاعية والجماهيرية وثبات الشعب، ونبني قيادة سياسية موحدة في رام الله، تضم جميع الفصائل والقوى لاتخاذ القرار السياسي الموحد، وما لم يحصل هذا فأقول بوضوح أن الرابح الأكبر والمستثمر الأكبر للانقسام الفلسطيني هو حكومة الاحتلال التي استثمرت هذا الانقسام لشن حربها على قطاع غزة، ومواصلة أعمالها العدائية في الضفة الفلسطينية، كذلك بالنسبة للانقسام العربي ـ العربي فإن الرابح الأكبر منه هو حكومة أولمرت ـ باراك، والخاسر الأكبر الشعوب والدول العربية. فالانقسام العربي يعكس نفسه يومياً على الأوضاع الداخلية الفلسطينية لتشجيع وتعميق الانقسامات بدلاً من موقف موحد ينهي الانقسام.
نحن اليوم بيدنا أبعد من ذلك، بيدنا قرارات إعلان القاهرة في آذار/ مارس 2005، ووثيقة الوفاق الوطني التي وقعنا عليها جميعاً في حزيران/ يونيو 2006. لكن للأسف فتح وحماس ارتدتا إلى الخلف باتجاه “اتفاق محاصصة” هو الاتفاق الذي فتح جحيم الحرب الأهلية والانقلابات السياسية والعسكرية، واستغل العدو الإسرائيلي هذه الأوضاع والتهدئة من أجل التهدئة لتدريب جيشه وأخذ العبر من حرب تموز/ يوليو 2006 لشن اعتدائه الغاشم على قطاع غزة.
لقد استطاع القرار 1701 أن يوقف الاعتداء الإسرائيلي على لبنان بعدما توحد لبنان من أقصاه إلى أقصاه في القرار السياسي، على رغم كل الخلافات التي كانت قائمة بين مختلف الفرقاء قبل اعتداء تموز/ يوليو.
إن الدروس المستخلصة من تجربة النصر والمقاومة في لبنان، نحن الفلسطينيين أحوج لها في هذه المرحلة، وإلا فإن العدو سيستثمر أكثر فأكثر، مستغلاً انقساماتنا لتمهيد الأجواء لخرائط جديدة فلسطينية وخرائط جديدة في منطقة الشرق الأوسط، تتم فيها مصادرة حق الشعب الفلسطيني بتقرير المصير وبدولة مستقلة بحدود 4 حزيران/ يونيو 1967 عاصمتها القدس العربية وعودة اللاجئين. اليوم تطل مشاريع إسرائيلية وأمريكية، ومنها ما نادى به جون بولتون بالعودة إلى خطة الانطواء إلى الجدار العنصري العازل، ليكون خط الحدود الجديدة “لإسرائيل” وما تبقى يتم توزيعه بين مصر والأردن. فالخطة الإسرائيلية اللاحقة تقوم على العودة إلى المقولة الصهيونية الشهيرة “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”.



س4: كيف تقيّم الموقف والأداء العربي تجاه الاعتداء على غزة ؟
أولاً: حتى نضع نهاية للانقسامات العربية؛ علينا أن نبدأ بأنفسنا ونعلن سياسياً إنهاء الانقسام والعودة إلى الوحدة الوطنية وتشكيل قيادة سياسية موحدة لا تستثني أحداً، ومن شأن الموقف الفلسطيني الموحد أن يأخذ دوره الكبير في توحيد الموقف العربي.
ثانياً: إن الانقسامات العربية تتستر وراء أسوار انقساماتها للتحلل من التزاماتها تجاه القضية الوطنية الفلسطينية التي أجمعت الشعوب العربية على أنها القضية المركزية لكل شعوب هذه الأمة، التي رفعت صوتها عالياً خلال الحصار والاعتداء الإسرائيلي على غزة، وبهذا السياق نقول أنه علينا أن نبني علاقاتنا الفلسطينية ـ العربية على قاعدة طبيعية مع جميع الأقطار العربية دولاً وشعوباً، لأننا بحاجة إلى الجميع، كما أن موقفنا الفلسطيني الموحد كفيل بوقف المزايدات على القضية الفلسطينية، وعلينا أيضاً ألا نتنكر للتاريخ والجغرافيا وننسى ما قدمته مصر من تضحيات، وما خاضته من حروب في سبيل القضية الفلسطينية.
ونحن نرى أن إغلاق المعابر الثمانية يجب أن يتوقف بما فيها معبر رفح، ومن المحزن أن معبر رفح مقيّد بسلسلة من القيود التي جاء القرار 1860 ليعيد تدوينها ممثلة باتفاقية المعابر 2005، وبالتالي الرؤية المصرية بروح الموقف الفلسطيني الموحد، والبحث عن حل يؤمن المصالح الفلسطينية والمصالح المصرية.
س5: الحديث عن انتهاء ولاية الرئيس عباس والانتخابات التشريعية المبكرة؛ يضعنا أمام أي مشهد فلسطيني ؟
هذه واحدة من القضايا الخلافية الفلسطينية ـ الفلسطينية. ونحن ندعو إلى تأجيل كل القضايا الخلافية والجلوس على مائدة حوار وطني فلسطيني شامل لحل هذه القضايا الخلافية على أساس قرارات إعلان القاهرة ووثيقة الوفاق الوطني.
أما بشأن ولاية الرئيس محمود عباس، فهي مسألة سياسية والخلاف سياسي وليس برأيي خلافاً قانونياً كما يقول الطرفان. وبإمكاننا أن نأتي بقانون السلطة الفلسطينية وقانون الانتخابات الذي وضعه المجلس التشريعي السابق بالإجماع في أيار/ مايو 2005، هذه القوانين تقول أنه بعد انتخابات كانون الثاني/ يناير 2006 تجري انتخابات تشريعية ورئاسية متزامنة وفق مبدأ التمثيل النسبي الكامل. كما أن وثيقة الوفاق الوطني التي وقعنا عليها جميعاً تنص على انتخابات مجلس وطني فلسطيني جديد وموحد لكل الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، لذلك أقول أن المسألة لو كانت قانونية لأمكن حلها في الإطار القانوني، لكنها سياسية بتفوق لذا لا بدّ من ترحيلها إلى ما بعد دحر قوات الاحتلال من قطاع غزة، ومن ثم ننتقل مباشرة إلى الحوار الوطني الشامل بعيداً عن الاحتكار والمحاصصة، وعلى غرار حوار “الدوحة” اللبناني وبصيغته وبرعاية عربية، كما أن قرار قمة دمشق العربية ينص على تبني المبادرة اليمنية وتحت رعاية 6 دول عربية هي مصر، سوريا، السعودية، اليمن، الأردن، لبنان. فصيغة الدوحة هي الصيغة الصالحة لإعادة بناء الوحدة الوطنية، وبالتالي فلنرحل كل قضايا الخلاف إلى ما بعد وقف الاعتداء وإرغام قوات العدو على الانسحاب من أي شبر من قطاع غزة، وبناء تهدئة شاملة تشمل القطاع والضفة والقدس والداخل الإسرائيلي حتى نحول دون وقوع القدس فريسة للتهويد والاستيطان.
س6: هل توافق القائلين على أن ثبات المقاومة في غزة سيرسم معادلة جديدة في المنطقة ؟
بالتأكيد أن ثبات المقاومة في قطاع غزة وفي الضفة الفلسطينية بأشكال جماهيرية صاعدة سقط فيها شهداء من نعلين وسلواد وقلقيلية. وتحركات شعبنا داخل أراضي 48 وخروجه بتظاهرات تضم عشرات الألوف دفاعاً عن غزة ومجموع القضية الفلسطينية المستهدفة من الاعتداء، لكنه له انعكاساته وتداعياته على الأوضاع الفلسطينية والإسرائيلية والعربية، والمعادلة الجديدة تتوقف على مصير الصراع الدائر في قطاع غزة وبأي اتجاه ستذهب هذه التداعيات. هل تذهب باتجاهات تستجيب للحقوق الوطنية الفلسطينية والعربية أم تؤدي إلى مزيد من العربدة والتصلب التوسعي الصهيوني المدعوم من الدوائر الأمريكية وسياساتها في الشرق الأوسط، التي لا تستجيب إلى انتهاج سياسة متزنة وشبه متوازنة ؟! … ونأمل من الرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما أن يزن بميزان الذهب إستراتيجياً المصالح الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط على قاعدة معادلة جديدة، مصالح كبرى مقابل مصالح كبرى، وليس كما هو قائم اليوم بمعنى أن كل المصالح الأمريكية مضمونة بالمجان من الدول العربية مقابل لا شيء للفلسطينيين ولا شيء للعرب في السياسة الأمريكية.