الرئيسية » مقالات » نادي بابل الكلــداني في بغداد ذلك الجندي المجهول

نادي بابل الكلــداني في بغداد ذلك الجندي المجهول

بيتنا الكبير هذا ما كنا نطلقه على نادي بابل الكلداني في بغداد والذي ناهز عمره اليوم على أريعة عقود من السنين ، حيث كان تأسيسه في التاسع من آذار 1971 م .

كان هنالك نخبة من الشباب من شعبنا الكلـــداني أزمعوا على وضع اللبنة الأولى لتأسيس نادي يحمل الأسم الكلداني ، وهو اسم قوميتنا الكلدانية العراقية الأصيلة . البدايات كانت متواضعة ، لكن بمرور الأيام والسنين انطلقت تلك البذرة الكريمة ، لتغدو شجرة باسقة يانعة ، ودأبت ترسل ظلالهاالوارفة ليستظل بها شبابنا وعوائلنا وأطفالنا في العقود اللاحقة والى اليوم .

تداولت على النادي ، وبعد كل انتخابات ديمقراطية ، هيئات ادارية جديدة ، وبمقدوري ان ازعم ان هذه الهيئات المتطوعة التي تفوز في الأنتخابات ، واللجان المختلفة التي كان تنبثق من بين اعضاء الهيئة العامة ، كانت بمجموعها تعمل بقلب واحد وفريق واحد ، وكان شغلها الشاغل خدمة النادي وإعلاء شأنه ، وإن كان ثمة تباين في الآراء السياسية لدى النخب الفائزة ، فإن القاسم المشترك الذي يجمعها كان خدمة النادي وتطويره وديمومته .

تفرعت مهام النادي فكان يقيم الحفلات الترفيهية العائلية وينظم السفرات السياحية ، ويقيم العروض المسرحية والنشاطات الفنية المختلفة ، فكان تظهر بين حين وآخر قابليات فنية غنائية او مسرحية والأسماء كثيرة لا مجال لذكرها . كانت هنالك لجان تنطلق للعمل بروح حماسية ونكران ذات وهي مرتبطة بالهيئة الأدارية مباشرة ، لقد كان ثمة اللجنة الأجتماعية التي تبادر الى حل مشاكل اجتماعية عويصة من بينها مشاكل عائلية يتفق الطرفان على توسط اللجنة الأجتماعية في النادي لحل المشكلة ، وفعلاً افلحت هذه اللجان في التخفيف عن المرضى والى حل مشاكل بين العوائل والأزواج وكان شعار اللجنة الطريف يقول : طوبى لمن يفلح في جمع رأسين على وسادة واحدة .

في وقت الحصار في العقد الأخير من القرن المنصرم عكف النادي على توزيع المعونات المالية على محتاجيها والتي كانت تصل من الخيرين في امريكا ، ويقوم النادي بتوزيعها رغم الحظر الذي كانت تفرضه الحكومة على مثل هذه النشاطات ، ويوزع النقود على المحتاجين ولا يبقي شيئاً منها لنفسه رغم انه كان بحاجة ماسة الى بعض تلك المبالغ لتمشية اموره . لقد نشطت اللجان في تلك الفترة وسجلت الأسماء ووزعت المبالغ رغم علمنا بأن الحكومة لا تسمح بذلك النشاط ، إذ كان تلقي مبالغ من الخارج اي دولة اجنبية يعتبر جريمة كبيرة يترتب عليها اقسى العقوبات .

كان هنالك لجنة فنية وأخرى ثقافية والتي كان لها دور كبير في بلورة ثقافتنا وتاريخنا ومأثرنا ولغتنا ، لقد نظمت دورات لتعلم اللغة الكلدانيـة ، وكانت مسرحيات وأغاني باللغة الكلدانية . لكن يأتي في ذروة نشاطات النادي تلك المهرجانات الثقافية في فصل الصيف ، كان المهرجان الأول عام 1995 وأعقب ذلك مهرجان ثقافي كل سنة ، وكانت هذ المهرجانات حافلة بالأنشطة الثقافية والفنية ، ويستقطب جمهور كبير من ابناء شعبنا ، كما ويصدر في كل مهرجان مجلة ثقافية ، حتى اصبحت هذه المجلة فيما بعد تصدر بشكل مستقل عن المهرجان الثقافي ، وتعرف المجلة باسم ” صدى بابل ” .

في عام 1995 كان هنالك مؤتمر بطريركي للكنيسة الكاثوليكية لشعبنا الكلداني في بغداد ، وخصص النادي يوماً لدعوة المؤتمرين الى النادي ، وكان يوم 18 /10 / 1995 يوماً مشهوداً في نادي بابل الكلداني حيث حضر المؤتمرون وعدد كبير من الكهنة والراهبات وحضر في مقدمتهم المرحوم غبطة البطريرك مار روفائيل الأول بيداويد والسفير البابوي وعدد من المسؤولين في الدولة . لقد القيت الكلمات في تلك المناسبة وافتتح معرض للخط والكتاب الكلدانــي ، وقد اطلق على ذلك اليوم اسم

” يوم بابــــل ”

وحينما تحدث غبطة البطريرك مار روفائيل بيداويد قال في كلمته ” إن نادي بابل الكلــــداني مدرسة اجتماعية ” .

اتذكر في انتخابات عام 1999 حينما كنت من بين الفائزين في تلك الأنتخابات ، انيطت بي سكرتارية النادي ومسؤولية اللجنة الثقافية ، فقد عملت في حينها الى ضم نخبة كبيرة من ادباء وكتاب وفناني شعبنا ، فكانت لجنة عريضة من اكبر اللجان في النادي ، وكان فيها اسماء كثيرة لها الباع الطويل في الكتابة والأدب والفن والمجالات الثقافية عموماً .

كان للنادي علاقات ثقافية واجتماعية طيبة مع سائر النوادي والجمعيات التابعة لشعبنا كمثل غير حصري نادي سومر وجمعية آشور بانيبال الثقافية ، ولم يكن هنالك فسحة او مجال للتفرقة والشقاق بيننا ، وفي الحقيقة كانت ثمة تناغم وتعاون بين ما كان معروفاً بالناطقين بالسريانية من الكلدانيين والسريان والآشوريين ، وهذه حالة طبيعية كان يؤسس لها ، فقد ورد في الصفحة الثانية من مجلة قالا سريايا عام 1978 وغيرها عبارة تقول :

مجلة قالا سريايا تصدرها الجمعية الثقافية للناطقين بالسريانية من الآثوريين والكلدان والسريان ، ولم يكن هنالك ما يعكر صفاء تلك العلاقات الطيبة ، الى ان انطلقت الأحزاب القومية الأديولوجية الأثورية ورفعت شعارها العنصري في أقصاء الآخرين وجعلهم تابعبن للاسياد الآشوريين .

لقد وصلت تلك الحالة المؤسفة بعد نيسان عام 2003 ان يلجأ بعض مواكبي الفكر الأقصاء الآشوري الى طلب تغيير الأسم الكلداني كشرط لتقديم الدعم المادي للنادي ، وهم يعلمون مدى حاجة النادي الى المال لدفع الأيجارات العالية والى اليوم يمضي الخطاب الآشوري المتزمت بالعمل على إقصاء كل ما يوحي الى الشخصية الكلدانية والقومية الكلدانية العراقية الأصيلة .

رغم ان عوامل كثيرة كانت ولا زالت تهدد وجود وديمومة النادي ، وفي مقدمتها يأتي العامل المادي . إذ كان في وقتها مجال لاقامة حفلات وسفرات ومسرحيات ، بالأضافة الى تأجير النادي لمتعهد وكان ريع هذه النشاطات يستفيد منها النادي في تغطية الأيجار والمصاريف الأخرى ، لكن مع تردي الأوضاع ، اصبح من غير الممكن تحقيق اية ارباح ، ورغم ان صاحب بناية نادي بابل في المسبح ، وورثته من بعده ، كانوا اناس طيبين ومتعاونين ويحبون خير النادي نظراً للعشرة الطويلة بين صاحب البناية وبين الهيئات الأدارية المتعاقبة طيلة هذه العقود ، إلا ان نادي بابل الكلداني يظل هاجسه الرئيسي قائماً لافتقاره الى بناية ثابتة يجتمع بها ابناء شعبنا الكلــــــداني واصدقائهم .

اليوم نادي بابل الكلداني في بغداد يبقى وحيداً يصارع الزمن ومصائبه وقسوته ، ومع الأنفراج الملحوظ في الوضع الأمني يحاول المخلصون في النادي من إعادة الحياة والنهوض ومزاولة نشاطاته الأجتماعية والثقافية والفنية ، ويقف على رأس الهيئة الأدارية اليوم الأستاذ عاد فرج قس يونان ونخبة من الشباب ، ,وإنني في هذا المقال احث منظماتنا الكلدانيــــة في المهجر الى الألتفات لهذا الصرح الجميل الذي صمد في ظروف قاهرة ، وأدعوهم لمساعدته لكي يستطيع الأستمرار في بقائه ومزاولة نشاطه الأجتماعي والثقافي والفني وليعود مرة أخرى كما كان وبمثابة مدرسة اجتماعية .

حبيب تومي / اوسلو في 29 / 01 / 2009