الرئيسية » مقالات » الشاعر وهاب شريف .. حين يتألّق بخسائره الجميلة

الشاعر وهاب شريف .. حين يتألّق بخسائره الجميلة

دراسة: 

أنا أفهم الظروف الشاقَّة الصعبة التي يعيشها الشعر في النجف، خاصَّةً بعد أن أصبح من المحال تقريباً إنضاج ذائقةٍ جديدةٍ فعلاً لتلقِّي القصيدة الحديثة عند القارئ النجفيِّ الذي ما زال غير ذي ثقةٍ بما دعت إليه أو جسدته الحداثة، بفضل من يستمدون شرعيَّة استمرارهم في ممارسة الجريمة بحقِّ القصيدة النجفيَّة من كونهم إما أقرباء مباشرين لشعراء تقليديين مارسوا جريمتهم بحقِّ الشعر من قبل، وإما لكونهم عاصروا أولئك الشعراء، فجلسوا تحت منابرهم تارةً، وقرأوا ما كانوا ينشرونه في الصحف والمجلات التي قررت مؤازرتهم في جريمة الإبقاء على تخلف القصيدة العراقيَّة آنذاك.

كلُّ المحافظات العراقيَّة تخلصت من أعباء المراحل السابقة تقريباً، إلا النجف، فإنها ما زالت تثار فيها إشكالياتٌ مضحكةٌ حول شرعيَّة قصيدة التفعيلة مثلاً، أو وجاهة أن يكثف الشاعر من نصِّه باستغلال الطاقات الكامنة في أدواته الشعريَّة إلى أقصاها. ناهيك عن كون مجرَّد فتح باب النقاش حول شرعيَّة الوجود بالنسبة لقصيدة النثر أو النصِّ المفتوح يعدُّ هرطقةً من الهرطقات النقديَّة التي لا تغتفر.

ليس هذا فقط، بل إنَّ تحديث اللغة الشعريَّة، وتثوير طاقاتها داخل القصيدة العموديَّة نفسها، مازال إلى الآن ملفّاً غير مفتوحٍ على الإطلاق، مع أنَّ النجف لو انسجمت منطقياً مع نفسها لكانت هذه المسألة بالذات مهمتها الخاصَّة، بحيث لا يمكن مناقشتها في مكانٍ آخر إلا بالتعريج على ما يفترض أن تكون حافلةً به من النظريات النقديَّة الحاسمة التي تعالج هذه القضيَّة، لكن أرجوك جرِّب فاقرأ نصاً عمودياً مكتوباً باللغة وبالفضاءات الشعريَّة الحديثة، حتى تجد نفسك معدوداً على من استباح قدس القصيدة، وعرَّض شرفها ومكانتها السامية إلى الذلِّ والعار والشنار.

إنَّ لهذا الكلام الآنف مدخليَّةً لا يمكن إنكارها من الناحية الموضوعيَّة في كلِّ ما يمكن أن نطلقه من أحكامٍ نقديَّةٍ على النصوص الواردة في هذا الديوان، الذي اشترك في إصداره الشعراء الأربعة لاحقاً، حيث أنَّ نصوصهم رغم محاولاتها الشجاعة للتمرُّد على التعليمات الجاهزة المكتوبة على لائحة هذا المعتقل، وبالرغم من أنها أنجزت المغامرة فعلاً، إلا أنَّ الكلام حول تماميَّة نتائجها من حيث التحقُّق يبقى قابلاً للمناقشة على صعيد نسبةٍ لا بأس بها من النصوص داخل الديوان في الأقلّ.

ولا أعتقد أنَّ السبب كامنٌ في ضعف موهبة أحدٍ من الشعراء الأربعة، بقدر ما يكون السبب هو الفضاء العامُّ الذي يسبح به اضطراراً كلُّ شعراء المدينة، فهو فضاءٌ أقرب ما يكون إلى ممارسة مهنة الرقابة على كلِّ موهبةٍٍ شعريَّةٍٍ تريد التحرُّر من الأغلال العزيزة التي أورثها إياها الحبوبيُّ والجواهريُّ ومصطفى جمال الدين وكلُّ من عداهم من فرسان القصيدة، طبقاً لمعايير الفروسيَّة التقليديَّة على الخيول، لا طبقاً لمعايير الإنطلاق بها إلى مستوى غزو الفضاء.

هذه هي الرؤية العامَّة التي تبخس حقَّ الشعراء بالتأكيد، لأنها تغفل جانب الإبداع الخاصِّ بكلِّ واحدٍ منهم، حيث استطاع من خلال العديد من نصوصه المتفرقة أن يحقق جانباً مما كانت نفسه تصبو إليه من التمرد على القيم النقديَّة السائدة المستمدَّة من استمرار جاهليَّة هؤلاء الشعراء القدامى، حيث تحولوا فعلاً إلى أصنامٍ حقيقيين في أذهان الغالبيَّة العظمى من متذوِّقي الشعر في هذه المدينة العزيزة، وإن كانوا يزعمون أنهم لا يصنمونهم للعبادة إلا ليقربوهم إلى عبقريَّة الشعر الحديث زلفى.

لذلك، فإنَّ من الإنصاف أن نعرِّج على النماذج الراقية لكلِّ واحدٍ منهم، لنشير إلى ما فيها من عناصر التميز والإبداع، راجين منهم أن يخترقوا كلَّ الحجب على هداها حدَّ طلب الشفاعة مستقبلا من شياطين القصيدة لا من ملائكتها الطيبين، فمن أجل جهنم الشعر لا من أجل جنته يتسابق الشعراء.

ملاحظة: الأحكام النقديَّة الصادرة منا بحقِّ الشعراء المذكورين، ليست على إطلاقها، فأنا لم أقرأ لأيِّ واحدٍ منهم أكثر مما قرأت له في هذا الديوان، إلا الشاعر الصديق وهاب شريف، فأنا قرأت له نماذج شعريَّةً أخرى في مواضع مختلفةٍ هي أفضل طبعاً من قصائده الموجودة داخل الديوان.

فلا بدَّ من التنويه إلى أنَّ قراءتي النقديَّة هي في حدود ما هو موجودٌ للشعراء داخل هذا الكتاب، وليست متعلقةً بالتجربة الكليَّة الشاملة لأيِّ أحدٍ من هؤلاء الشعراء الأربعة.