الرئيسية » مقالات » التفسير المتكامل للفكر والسلوك الإنساني -الجزء الرابع

التفسير المتكامل للفكر والسلوك الإنساني -الجزء الرابع

في الجزء الثالث من هذا البحث, وقفنا على ظاهرة البحث عن بديل أيديولوجي شامل, يعالج ويفسر التلازم العضوي بين الفكر و السلوك الإنساني في التصدي للنزعة الفردية وما ينجم عنها من الحرية المدنية الواسعة في التعبير والمعتقد وسائر مظاهر السلوك ومقتضياته وآفاقه دون إغفا –لاحقا- للنزعة الديمقراطية في إطارها العام,وجوانبها الإيجابية, وتجاربها وتراثها التاريخي ,مع الإلحاح على قيم الردود والمفهوم الجماعي, وصيغه ومعطياته وتفسيراته, وبناه الفوقية, والكتابات والتصورات حول الانقلاب الفكري الجديد والمعطى التصوري وقيمه واعتباراته وموازينه, والاختلافات الجذرية وركائزها الجدلية , ورؤية الديالكتيك ومقوماته, وما يمكن أن يخلف من انسحاب متكامل على السلوك الإنساني , وتفسير الأحداث والوقائع والبحث عن قيم فلسفية ومعرفية جديدة, وما يمكن أن يوجه إليها من نقد جذري, يطال الجانب الفكري والتصوري “الرؤية النظرية وقيم ومعايير المفهوم “, كما يواجه السلوك والتصرف الجماعي والفردي وتطبيقاته, وجوانبه الاجتماعية والاقتصادية والتشريعية والقضائية ” الجانب الحركي والسلوكي ” .
وسوف نحاول في هذا الجزء والجزء الخامس بشكل أخص وما يليه أن نتعمق ظاهرة النقد التحليلي المستند إلى جملة القواعد والتصورات النظرية والحركية وتطبيقاتها في الرؤية الجدلية, القائمة على قواعد في الفكر الهيغلي ,الذي أشاد فلسفته الجدلية المثالية على أساس الديالكتيك, وجعل منه مادة فلسفية شاملة, للمجتمع والحدث التاريخي والبنى الفوقية والسلوك الإنساني الشامل, واستندت عليها الجدلية الجديدة التي اعتمدتها الماركسية اللنينية قانونا للفكر والواقع على السواء, في الوجود والتطور, يقول لينين : ” فإذا كان ثمة تناقضات في أفكار الناس, فذلك لأن الواقع الذي يعكسه فكرنا يحوي تناقضات. فجدل الأشياء ينتج جدل الأفكار, وليس العكس .. – المادية والمثالية في الفلسفة ص 83 – .. ” . ويؤكد كارل ماركس على حركة الفكر المنعكس مباشرة عن حركة الوقع, في دماغ الإنسان – المصدر نفسه , ص 83 .. وهو يؤكد ما بيناه في الجزء المتقدم من اعتماد تناقض المحتوى في الفكر والسلوك, كخط تصاعدي يقود حتميا إلى الحركة الدورية المتطورة, باتجاه إثراء المحتوى المتكون من الأطروحة فالنفي فالطباق, أو النفي , ونفيه , فالتركيب, مما يغتني به المفهوم , ليقود – بالضرورة – إلى مفهوم جديد ناجم عن تراكم التناقضات الكمية في المحتوى والموضوع , لتقود عملية التراكم الكمي التي تعد المقدمة الضرورية اللازمة للتول النوعي في التركيبة الانقلابية الجديدة, والمشكلة لنمط مستجد, يكون بدوره أداة ومقدمة لتطور آخر قادم , وهكذا حتى تكتمل الصورة النهائية اللازمة للمجتمع الشيوعي الموعود, والمحكوم بحتمية تاريخية , تقود إليها بما -لا يدع مجالا للريبة والشك في رأيهم- الحتمية الديالكتيكية يقول لينين : ” فالديالتيك في نظر ماركس, هو علم القوانين العامة للحركة, سواء في العالم الخارجي أم في الفكر البشري ..ماركس وانجلز ص24 ” , كل ذلك من خلال عملية نمو تطورية بما يطابق التاريخ العام و” بما يطابق تاريخ العلوم الطبيعية والاقتصاد السياسي والتاريخ , إذ يستمد الديالكتيك استنتاجاته من تاريخ الفكر..كيدروف , المنطق الشكلي والمنطق الديالكتي ص12-13 ..” والجدلية الجديدة تجعل من قانون التناقضات, أي وحدة الأضداد ” القانون الأساسي الأهم في الديالكتيك .. ماوتسي تونغ ,المادية الديالكتبكية والمادية التاريخيةص12 ” كما يؤكد لينين على كون التناقض في صميم الأشياء جوهر الأشياء وبالتلي لب الديالكتيك , الصدر نفسه ص12 ” والعملية التطورية خاضعة لهذه التحولات ذاتيا , وبحكم القانون الطبيعي الحتمي لقواعد الحركية النسبية الصاعدة والمستمرة, حتى تصل إلى قيم أكثر غنى وثراء, و حتى يصل الأمر- في شكله النهائي – إلى المجتمع المرتقب , وهو في قمة ثرائه , وتلبيته للحاجة الإنسانية , وإشباع السلوك ودوافعه, وإنامة تطلعاته المشبعة – في مسيرة الجدل الحتمية وقواعدها في الفكر والسلوك – إلى بناء متكامل للمجتمع الموعود كما تقدم .
والماركسية – إذ تقرر ذلك – تعتمد في تصورها المعرفي , وموازين ذلك ومقرراته, و في مفهومها الفلسفي – على رد قواعد المنطق العام ومقدماته وقواعده الأولية, إذ ترفض الاحتكام إلى مبدأين أساسيين من التصور المنطقي _ العلية , وعدم التناقض _ مرتكزا بشكل لا يقبل الجدل على التناقض ومحتوياته وسيرورته الصاعدة كما أسلفنا,كما ترفض العلة الأولى المكتفية بذاتها , وتتهرب بكل الوسائل من استحقاقاتها, كما تعتمد المنطق التجريبي, وعدم التسليم بوجود معرفة منفصلة عن التجربة, حيث تضع التطبيق في المقام الأول,لأن “اكتساب المعرفة بأية درجة لا يمكن فصله عن التطبيق, إذ لا انفصال في ذلك عن الواقع المنعكس في الفكر مهما يكن .. المادية والمثالية في الفلسفة ص114 ..” وفلسفة الواقع الموضوعي , ورده المنعكس في الفكر,واعتماد نظرية بافلوف في المثيرات والمنعكسات الشرطية, وتطبيقها على الرموز اللغوية التي تعدها وعاء فكريا , مما سوف نأتي عليه ونقف على المقدمة اللازمة لتشكل هذه الرمز , ومفهومها في إدراك الواقع الموضوعي والإحساس به في الدماغ كمادة, وعدم القبول بأي طابع آخر خارج هذا التصور المادي والانطباع به , ورفض التعليل الصوري ومقدماته ونتائجه والمعارف الأولية الناجمة عن الضرورات العقلية و والمسلمات التي يعرف بها المنطق والتصور الأولي للعقل وملكاته في استقلالها عن التجربة الحسية وانعكاساتها, وقيامها بمهمة التمييز والإدراك الذاتي المستقل عن تلك التجربة المحسوسة,من الركائز المعتمدة في التصور الجدلي الديالكتي والتي لا يمكنه الاستغناء عنها لاشعوريا, وإلا فما هو هذا الحتمي الجدلي وتناقضاته, وماهي مبرراته إن لم يعتمد مبدأ التماسك الموضوعي وعدم التناقض ؟؟! , وهو ما لا يتقرر – في غمرة البحث عن الحقيقة الموضوعية, في التصورالجدلي, -, بأية قيمة علمية لهذه المعارف والضرورات العقلية القائمة في الذهن, والتي تشكل الطبيعة الأساسية للعقل الإنساني في تصور المنطق الأرسطي وضرورات المنطق الشكلي, والمنطق العام و وقضاياه الأساسية, ومقوماته في العلية والتلازم بينها وبين المعلول , ومبدأ عدم التناقض , وسائر المسلمات والبدهيات العقلية الأولى كالجزء الذي لا يتجزأ , والكل أكبر من الجزء, و(1+1= 2 ) والأسس و والأحكام الثانوية المتفرعة عنها,كالتلازم بين الحرارة والتمدد والحركة والدفع الخارجي,والامتصاص والخاصة الأسموزية والجينات والشيفرة الوراثية, مما يعد من القواعد المركوزة التي يعتمدها العقل في الوصول إلى العلوم والمعارف في ميادينها الواسعة , وإنجازاتها المعقدة والكبيرة , وتراثها الإنساني العميق ,هذه القواعد التي تعد من لوازم الإنسان المفكر دون سواه من السوام والدواب مما تعتمد في تكيفها الطبيعي على الغريزة التي يعد مجرد الكشف عن أسلوب التكيف معها معجزة بحد ذاته , دون أن تمتلك القدرة على التعلم والتعليم والتطوير, لتكون الذات الإنسانية المفكرة منطلق إبداع وتطوير لميادينه وآفاقه المشهودة, بالاعتماد على أدوات التعليم والتعليل والسببية المذكورة, خارج نطاق الواقع الموضوعي المحسوس , والذي يقتضي البرهان عليه من خلال التجربة ومنطقها الذي تماسك واضطرد على أيدي أساطينها ” دافيد هيوم وستيوارت ميل وبرجسون ..” , إعادة النظر في القضايا العقلية والتفسيرية الأولى , وبهذا نفتقر إلى أبسط مقومات التماسك المنهجي , والذي يعدم قيم البحث الأولية , وأحكامها التعليلية الأولية والمتناهية في البساطة , لتجد المعارف العلمية والطبيعية , بما فيها المنطق الديالكتي ,كفكر إنساني, في خطر داهم يعرضها للانهيار الكامل , مما يجعل مهمة الباحث شاقة وعسيرة, وهو ما نبه إليه العالمان التجريبيان ” هيو وميل”, وحذرا من الوقوع في رفض البدائه الأولى والتي هي مسالك طبيعية لكل سبيل إلى البحث المتماسك إذ لا يكاد يجد مقومات أساسية في أي بحث ,يخرج من إطار الواقع المحسوس , فيحل التسليم بضرورة الاحتكام إليها في كل برهنة,بل في كل خطوة علمية أو تحليلية , مما يفقد الأسس والقواعد المنطقية تماسكها وقيمتها المعرفية والمنهجية ,والذي يوقف عجلة التقدم العلمي في مختلف مجالاته الطبيعية والتطبيقية والعلوم والمعارف الإنسانية , وهو أمر مذهل ومريع , ومدمر لكل الطاقات والجهود العلمية والمعرفية ومناهج وأسس البحث العلمي عبر تراث علمي ثري نعمت أجيال بثمراته وآثاره وتقدمه, وقفزاته الهائلة وعطاءاته العلمية المبرهن عليها , وهو ما يجعل مهمة التصدي للديالكتيك وقواعده , والتأكيد على نقده ورد مسلماته في تناقض المحتوى والحتمية الجدلية والتاريخية ومقوماتهما, من المهام المعرفية الضرورية, بل من المقدمات الحياتية الأولى لإشادة صرح مدني شامخ , يعزز المسيرة الإنسانية في الفكر والسلوك ويثريهما , وهو الغرض الأساسي لدراستنا المعللة والممنهجة , والبعيدة عن الارتجال والاعتساف , والمؤكدة على القضايا الحيوية المؤسسة لفكر موضوعي متماسك يفضي إلى الحقيقة ويؤسس لذلك الفكر التراثي الصحيح والمعلل,والذي يسعى لفهم قواعد التعليل والتقعيد والوصول إلى معرفة موثوقة يطمئن إليها الباحث , بموضوعية وتماسك ووضوح بالغ , مما يطرح قيمة معالجته والوقوف عنده لتفسير الخط النظري والحركي للمسيرة الإنسانية وآفاقها , خدمة للحقيقة الموضوعية كما قدمنا, ووصولا إلى فكر إنساني متكامل , يخدم التراث الإنساني ويرفع أعمدته في وضوحه المنهجي , بما يرقى إلى رؤية موضوعية صائبة تخدم الفكر الإنساني , وتجنبه الوقوع في متاهات الضبابية والتناقض والهروب إلى العبثية واللاأدرية , واللامعقول , واختناقات الفكر وتخبطه, وأخطائه المنهجية القاتلة, مع التأكيد على ضرورة إغناء البحث برؤية موضوعية متماسكة , ونقد علمي معلل وموثق , وإثرائه في كل ذلك, بما يحيط بالتجربة المعرفية وجوانب التفسير النظري والسلوكي المعلل, سواء كان ذلك في جانبه المادي وتطبيقاته أم في جانبه التفسيري ومعطياته المثالية” الروحية والأخلاقية والقيمية ” , بما يضيف ثراء فعليا إلى التراث المعرفي المبرهن عليه في آفاقه العلمية في الطبيعة والرياضة والفيزياء ومناحي العلوم التطبيقية, والمعارف الإنسانية في الاجتماع والاقتصاد والفلسفة والفكر .
ومن أجل ذلك كان لزاما علينا أن نعيد صياغة المفهوم المعرفي بما يؤسس لرؤية تفسيرية متكاملة وموضوعية وشاملة بمنطق متماسك , خدمة لتراث إنساني بما يحمل من القيمة العلمية والروحية والأخلاقية والرقابية الذاتية والتربوية العالية, ما يجعلها مرجعا يثري ذلك التوجه بأبحاث ودراسات متكاملة, يحملها الباحثون في كل مكان على عاتقهم , إعلاء للأمانة العلمية, وتوفيرا للطاقة والقدرة البشرية بدفعها في اتجاهها الصحيح والقويم , تجنبنا لمخاطر السقوط في الذاتية والمواقف الجاهزة, وخطر الاستعلاء والوحشية, وأدران التخلف والعبثية والعنصرية بمختلف أشكالها البعيدة عن التماسك العلمي والرؤية الإنسانية الجامعة.
والتزاما بالأناة , وتيسيرا لفكر موثق ونقدي معلل, سوف يأتي الجزء الخامس من هذا البحث لنقد أسس الجدلية وتطبيقاتها وصلتها بالوضعية والتجريبية والسلوكية والنسبية التطورية والعلل الميتافيزيقية والمثالية.