الرئيسية » مقالات » أبو مهيدي تجاوز الثمانين ولا زال شيوعيا في العشرين

أبو مهيدي تجاوز الثمانين ولا زال شيوعيا في العشرين

بعد سقوط النظام البائد وتحديدا في منتصف الشهر الرابع 2003 التحقت بالحزب الشيوعي العراقي،وراجعت مقره في بابل،باحثا عن وجوه افتقدتها في سنوات التيه والضياع، فبعد انهيار الجبهة والحملة الشرسة لنظام العفالقة والضربة المميتة التي وجهت لقيادات الحزب وقواعده،أنهار من أنهار،وأعتقل من أعتقل،ومن وجد طريقا للخروج ألتحق بقوات الأنصار ،أو التجأ إلى دول الجوار تمهيدا للانتقال للدول الأخرى،وظل من ظل محتفظا بشيء من كرامته وأختار الانزواء والعزلة،وأبطال واصلوا المسيرة وعملوا قدر استطاعتهم لبناء الحزب وتثبيت ركائزه من جديد ،رغم القمع والتنكيل والظروف العصيبة التي مر بها العراق .

وعندما دخلت المقر وجدت وجوها أليفة كان لي معها أجمل الذكريات وأخرى حاولت ربط من أنقطع من وشائج لهم بالحزب،ووجوه جديدة لشباب بعمر الورود دفعهم ارتباطهم الأسري بالحزب،أو من أبناء الشهداء ممن ظلوا أوفياء لمبادئ أهليهم وما كانوا عليه من انتماء لحزب الشرفاء،وشاهدت فيمن شاهدت رجلا أشيب قدرت عمره حينها بالثمانين،وقد أسدل لحيته البيضاء الوقورة المحددة،ووجهه الذي ينضح نورا وكأنه ولي من أولياء الله الصالحين،وسألت من إلى جانبي عنه فقال أنه الرفيق( صالح عبد خاجي الخفاجي )أبو مهدي، من رفاقنا القدماء،وشاهدته بعدها مرات ومرات،وذات يوم جاء ومعه مجموعة من الشبيبة ،وطلب تنظيم استمارات لهم،وأخرى في مناسبات مختلفة يتقدم الصفوف في المسيرات والمظاهرات والاحتفاليات وكأنه شاب في العشرين،أو يتوسط مجموعة من الشباب يحدثهم عن الماضي الزاهر وسنين النضال ويشير إلى صور الشهداء محدثا عن كيفية اعتقال هذا أو استشهاد ذاك،وحسدته على هذه الذاكرة العجيبة التي تختزن ذكريات لفترة طويلة حافلة بالكثير مما يستحق التسجيل والمتابعة،وعندما جاء الرفيق سامي عبد الرزاق (أبو عادل )من السويد وجدته في عداد الزائرين،فقص أبو عادل ما للرفيق من مواقف معروفة والتصاقه بالحزب،فأجريت معه لقاء تحدث فيه عن بعض ذكرياته،آثرت تسجيلها بعد إضافة ما يستدعيه المقام من توضيحات وأمور لها علاقتها بتسلسل الأحداث،لما فيها من عبرة وعضة،وما تتضمن من دروس لمن يحاول السير في طريق الشيوعية (واليمشي بدربنه شيشوف ..يا بو علي) فليس لدينا وظائف شاغرة، أو قصور فاخرة،بل لدينا النضال والصبر والتضحية والعطاء والعمل الجاد لبناء الغد الموعود المشرق السعيد.

ويقول الحاج (أبو مهيدي) ربما يكون لولادتي أثرها في تكويني من جانبين الجانب الأول أني ولدت في السنة التي ولد فيها الحزب ولعله في ذات التاريخ لأن أهلنا تلك الأيام لا يسجلون تواريخ الولادات فكانت لجان النفوس تقدر العمر تقديرا قد يصح وقد يخطئ ،ويكون اليوم دائما 1/1 أو 1/7 لذلك سأحتسب أن ولادتي في 31 آذار 1934 تأسيا بالمقبور صدام حسين الذي جعل ولادته في الشهر الذي تأسس فيه حزبهم على ما يقال،ولأني ولدت في عائلة ريفية فقيرة فلم أتمكن من الدراسة في المكاتب أو الملة ،أو المدارس النظامية،لذلك كان عملي مقتصرا على مساعدة عائلتي في الزراعة أو تربية الحيوانات،وبعد أن بدأت أعي ما يدور حولي ،لاحظت مدى المعاناة التي تعانيها الأكثرية مقابل ما تتنعم به الأقلية من حياة مترفة لاهية،ولكن والدي يبر ذلك بالقسمة والحظ وأن الله خلق الناس غير متساوين وقسم عليهم أرزاقهم فجعل هذا مالكا والآخر مملوكا،وهذا فقير والآخر غني ،والله لا يعطي ذلك عبثا لأنه يعر خافية الأنفس وما تسر القلوب لذلك علينا القناعة فالقناعة كنز لا يفنا،وأن من نظر إلى الأعلى تنكسر رقبته،ومن راقب الناس مات هما إلى غير ذلك من التبريرات التي لم أقتنع بها أو وجدت فيها الكثير من الحيف الذي يتعارض مع قوانين الحياة،لذلك كانت المعاناة والفقر والمستوى ألمعاشي الهابط وراء انفتاح بواكير الوعي لدى الإنسان ،وهي التي تفتح أفاق تفكيره لما يقوده إلى الوعي بطبيعة الأشياء.

في هذه البيئة الحافلة بالتناقضات بدأت أعي الكثير من الأمور ،وزاد وعي ما أسمعه من أقراني أو من يكبرني بالسن ممن تعلموا في المدارس وبدأت تداعب أسماعي كلمات جديدة ،ظلم، تمييز،عدالة ،إنصاف،وما إلى ذلك من كلمات تترك أثارها في نفسي التي ساءها أن تعيش يعضها الفقر بنابه،وتسحقها الحياة بدوراتها الظالمة وتقسيمها الجائر إلى فقراء وأغنياء،لذلك بدأت أتمرد على الوضع فقررت العمل في المدينة وامتزجت مع عمال المسطر للحصول على عمل فهالني ما يعاني هؤلاء من حياة تعسة وظروف عمل قاهرة وبطالة تدفعهم إلى التذمر والشكوى دون أن يسمع شكواهم أحد ،وحتى السماء أغلقت أبوابها عن سماع أناتهم وما يكابدون في حياتهم،وكان لبعضهم كلماته التي بدأت أعيها أكثر بعد ثورة تموز ،لأنها كانت داعية إلى التمرد على الواقع والانتفاض عليه،وما أن فجر الجيش ثورته،وخرجت الجماهير في مظاهرات صاخبة مؤيدة لها حتى كنت من حيث لا أشعر في مقدمتهم،رافعا صوتي بهتافاتهم التي كانت ترعب الأعداء وتعطي للآخرين العزم في المشاركة فيها والانغمار في تيارها،فكنت ناشطا متميزا دون أن أعي سوى أن هؤلاء يمثلون طبقتي وأنهم يعملون من أجلي وخصوصا بعد أن رأيت أسياد النظام البائد يلوذون بجحورهم كالفئران المذعورة خائفين من غضبة الشعب،وبعد أن أصبح الكثير من أكابر العهد البائد يخفون رؤوسهم خشية أن يعرفهم الشعب،وفي تلك ألأيام كنت أعمل طباخا في منطقة الجنابيين مع العاملين في حفر الآبار الارتوازية،وعندما شاهد الرفيق عويد عليوي العبد حماستي واندفاعي وبلائي في المظاهرات،نظم لي استمارة ترشيح للحزب الشيوعي العراقي الذي لمست في أنصاره روح مملوءة بالمحبة للناس والاندفاع لتحقيق المصالح العامة بعيدا عن المصلحة الذاتية، وبعد فترة قصيرة اكتسبت شرف العضوية بعد أن تضاعف نشاطي في العمل الحزبي ولمس الرفاق مدى حرصي وإخلاصي واندفاعي في تنفيذ ما يوكله الحزب لي من مهمات.

وقد جعلت من داري في الطهمازية مقرا للاجتماعات الحزبية ،وكأنها مقرات هذه الأيام،وتمكنت خلال فترة من كسب الكثيرين إلى الحزب فكنت مكلفا بالاتصال بهم وتنظيمهم وأكثرهم من فلاحي المنطقة،أو العمال،وعملت في مناطق الطهمازية وعوفي والطينية وأبو غرق مع الرفيق رحيم محمد(أبو رائد) ،فكنت لا أكل من العمل وأصبح شغلي الشاغل العمل في التنظيم الحزبي ولصق الملصقات أو رفع اللافتات أو توزيع المنشورات والمشاركة الفاعلة في المظاهرات والمسيرات التي كانت متواصلة لتأييد الثورة والدفاع عنها،فكان الحزب الشيوعي تلك الأيام الداينموا المحرك لأنشطة الجماهير وفعاليتها وأصبح القوة البارزة في التأثير الجماهيري،وله حضوره الكبير في النقابات والجمعيات ألفلاحيه التي أخذت بالامتداد والتوسع بشكل فاق جميع التوقعات،وجعل القوى الأخرى تحسب حساب لهذه الجماهيرية التي أرعبت القوى المعادية وجعلتها تتآمر على الحزب من خلال خبرتها المتراكمة في العمل التآمري،وأخذت القوى الرجعية تلملم صفوفها بالاتفاق مع بعض العناصر المرتبطة بالنظام الملكي وجهات خارجية ارتدت الرداء القومي لتحاول من خلاله العمل على إجهاض الثورة وإفشال قراراتها التي تصب في مصلحة الجماهير،فكان الشارع يحترق بالشعارات المتبادلة بين دعاة الوحدة من عملاء مصر وعبد الناصر والاتحاد الفيدرالي الذي كان هو الأنسب لمصالح العراقيين.

في تلك الفترة تعرضت لتهديدات من قبل القوى الإقطاعية النافذة في الريف ،فطلبت من الحزب الانتقال إلى كربلاء وعملت في التنظيم الحزبي في مدينة كربلاء وأحيائها المعروفة العباسية وباب الخان وباب طويريج وشارع أبو الفهد ولمدة ثمانية سنوات،ورأيت الاستفادة من وجودي هناك لتعلم القراءة والكتابة التي كنت قد تعلمت أولياتها من خلال بعض الرفاق فسجلت في الصف الثالث وتمكنت في فترة وجيزة من أجادة القراءة والكتابة بشكل جيد بحيث كنت أقرء الصحف والمجلات والكتب وأحرر محاضر الاجتماعات،وكان خطي مقروء رغم تعثره،وفي كربلاء كان نشاطي متزايدا في توزيع المنشورات ولصق الملصقات في مختلف مناطق كربلاء دون أن أشعر بأي كلل ،وبعد أن بدأت الأوضاع تسوء وبدء قاسم بالتراجع وأصبح العمل سريا ،أودعت في بيتي مطبعة الحزب التي بقيت محافظا عليها في فترة العمل السري حتى تهيأ للحزب تهيئة بيت حزبي ملائم ونقلت إليه،وعند اللجوء للعمل السري كانت زوجتي قد عملت جيبا سريا في ملابسها تخفي فيه المناشير والأدبيات المطلوب توزيعها ،وعندما دوهمت دارنا في العباسية الشرقية قامت بإخفاء الوثائق بين طيات ملابسها ،دون أن يشعر الأمن بذلك أو يحاولون تفتيشها لما للنساء من حرمة تلك الأيام.

وبعد انقلاب البعث الأسود عام 1963 اعتقلت أثناء وجودي خارج البيت،ومورست معي مختلف أشكال التعذيب رغم عدم وجود أي اعتراف ضدي وقد تمكنت من الصمود،مما جعلهم يطلقون سراحي بعد وساطة لأحد النافذين ممن تربطني به علاقة وثيقة،ولتجنب ما تخبئه الأقدار غيرت محل سكني إلى أن سقط الحرس القومي بعد انقلاب عارف الذي أظهر المعدن الحقيقي لأشباه الرجال من صراصرة الحرس القومي ،وكانت الفترة اللاحقة أقل معاناة رغم أن السلطة كانت تحاول ما وسعها الجهد ملاحقة الناشطين السياسيين والشيوعيين منهم بالذات ،وقد تم استدعائي عدة مرات من قبل الأمن للاستفسار والمسائلة إلا أنهم لم يستطيعوا أثبات شيء ضدي ويطلق سراحي بعد أيام.

وبعد انقلاب تموز 1968 عدت إلى الطهمازية،ونشطت في المجال التنظيمي من خلال الرفيق رحيم محمد المسئول عن التنظيم ،وكنت انظم عدة خلايا فلاحيه وعمالية، وقد شاركت بدورات حزبية داخلية منها دورة في الاقتصاد السياسي حاضر فيها الرفيق سامي عبد الرزاق (أبو عادل)،الذي كان مثالا نادرا بين الشيوعيين لما يحمل من نفس طيبة وما يتميز به من أريحية وروح هادفة لمنفعة الآخرين.

ومارست واجباتي الحزبية خلال فترة الجبهة وبعد تدهور الأوضاع انتقلت إلى مدينة الحلة وسكنت في منطقة الجامعين،وكنت على اتصال بالشهيد البطل طالب باقر،الذي كان يوصل لنا مطبوعات الحزب وبياناته ،والتقيت بالشهيد أبو عبيس قبل استشهاده وكان مختفيا يعمل في لملمة التنظيم رغم القمع الوحشي الذي مارسه البعث،وبعد استشهاده انقطعت علاقتي بالحزب نهائيا بسبب المراقبة الشديدة والتضييق على الحريات وكان الأمن والأجهزة الحزبية ترسل ورائي بين فترة وأخرى في محاولة لإرهابي رغم علمهم بانقطاعي عن التنظيم وانصرافي لتوفير مستلزمات العيش الكريم لأسرتي.

وبعد سقوط احكم ألصدامي أعدت الارتباط بالحزب ونلت شرف العضوية مجددا ،ورغم تجاوزي الخامسة والسبعين إلا أني لا زلت فتيا أعمل ما لا يستطيع عمله الشباب فكنت أقوم بلصق الدعاية الانتخابية في الانتخابات المتعاقبة بهمة الشباب وعزم الشيوخ وأيمان المناضل،مما حدا بالقوى المعادية إلى تأليب أبنائي ضدي في محاولة منهم لمنعي من ممارسة نشاطي الحزبي إلا أني ضربت بعواطف الأبوة عرض الحائط لأن الحزب أهم من الأبناء والأحفاد وما زلت مواصلا طريقي عاملا في صفوف الحزب لا تصدني عنه عاتيات الرياح أو مدلهم الخطوب فهو الأمل والمستقبل لبناء العراق الجديد والسير بالبلاد إلى مرافئ المحبة والخير والسلام.