الرئيسية » مقالات » الأحزاب الإسلامية السياسية وانتخابات مجالس المحافظات

الأحزاب الإسلامية السياسية وانتخابات مجالس المحافظات

نحن أمام أوضاع جديدة وتقاليد تتجه صوب التكريس , ومنها إجراء الانتخابات المحلية والعامة والاستفتاءات الشعبية حول سياسات وقرارات الحكومة ومجلس النواب. وهي أجواء جديدة لم يعرفها العراق إلا في فترة الملكية ولكن بصورة مشوهة ومزورة , كما أكد ذلك السياسي المتميز والراحل نوري السعيد في تحديه للنواب في أنهم لن يفوزوا بمقاعد مجلس النواب عبر الانتخابات العامة ما لم تساندهم الحكومة بأساليبها المعروفة.
لا بد لكل من يتابع الوضع في العراق وحملة انتخابات مجالس المحافظات في 14 محافظة عراقية يستطيع ان يتيقن من صواب ما أشير إليه. وهذا التقليد يمكن أن يتعزز ويتطهر مما يعلق به الآن من نواقص وسلبيات وتجاوزات على الدستور وحقوق الإنسان وحريته في منح صوته لمن يشاء دون أن يتعرض الناخب إلى أي شكل من أشكال الضغوط الدينية والمالية والتهديدات بالموت بمرور الزمن.
من يتابع هذه الحملة الانتخابية سيجد أمامه صيغ وممارسات عديدة للأحزاب السياسية التي تشارك في هذه الحملة , وسيجد أمامه فجوة كبيرة جداً من الناحية النوعية بين قوى ديمقراطية وعلمانية حديثة , وبين الأحزاب الإسلامية السياسية , بين طرح برامج تحدد المهمات التي تسعى إلى تحقيقها القوى والأحزاب الديمقراطية في المحافظات لصالح المجتمع , وخاصة لصالح الكادحين والمنتجين منهم والعاطلين عن العمل وتغيير الحالة السيئة الراهنة في مجال الخدكات الأساسية , ومنها نقص الماء والكهرباء والبطالة والنفايات المنتشرة في شوارع وأزقة المدن من جهة , وبين قوى الإسلام السياسية التي لا تملك برامج , بل تستنجد بـ “المراجع العظام!” , و”مرجعية آية الله العظمى السيد السيستاني” للحصول على أصوات الناخبين دون حياء حتى من تلك المرجعيات التي قالت نحن لا ننتمي لأي حزب من الأحزاب ولا نؤيد أياً منها ونقف على مسافة واحدة من جميع الأحزاب السياسية , بغض النظر عن مدى صحة ممارسة هذا الموقف أو خلافه.
وقف عمار الحكيم , الرئيس الفعلي لحزب المجلس الإسلامي الأعلى في العراق , يخطب في جمهرة من الناس في ذي قار نقلته نقلاً خاصاً وبالكامل قناة الشرقية الفضائية. كما تم نقل خطاب الطبيب إبراهيم الجعفري في أحدى مواقع حملته الانتخابية.
وقف “الروزخون” عمار الحكيم يخطب بطريقة مملة يطالب الناس بالسكوت والاستماع إليه , إذ لم يكن في خطابه ما يدفع الناس للإصغاء له , مما اضطر إلى أن يحول خطابه أحياناً كثيرة إلى هتافات بـ “نعم” أو “لا” حيث كان الحاضرون يرددون معه: نعم , نعم , أو لا , لا !
تعرض في خطابه إلى سياسة حكومة المالكي متهماً إياها , وليس ناقداً لها , بالابتعاد عن الدستور وعن تنفيذ المهمات والفشل في إدارة شئون البلاد , كما وجه اتهامات مماثلة وليس نقداً , إلى العديد من الوزراء من غير أعضاء حزبه المشارك بالحكم بنفس التهم الموجهة للحكومة ورئيسها المالكي.
هذا الخطاب الذي وصل إلى الحضور , ولي أيضاً , كان جافاً يابساً بلا عاطفة وبوتيرة مملة واحدة مرهقة للمستمعين , ذكرني بذلك الذي كان رئيساً للوزراء وقام بانقلاب ضد وزارته وفشل فيها , وأعني به عارف عبد الرزاق في فترة حكم عبد السلام محمد عارف في العام 1966 وكنت في حينها في بغداد أتابع تلك المهزلة.
ها نحن اليوم أمام لوحة مماثلة: يحتل حزب عمار الحكيم المركز الأول في الحكومة القائمة من حيث عدد الوزراء , وهو الذي رشح المالكي لرئاسة الوزراء بدلاً عن الجعفري الذي كان من حزب الدعوة الإسلامية أيضاً , وهو الحزب القادر حتى الآن على تقديم طلب لحل الحكومة وتشكيل حكومة أخرى وتغيير رئيس الوزراء في ضوء المحاصصة الطائفية , إذ هو يمتلك أكبر عدد من النواب في مجلس النواب القائم على المحاصصة الطائفية ومتحالف مع التحالف الكردستاني. والمجلس الأعلى يعتبر الحزب المشارك في رسم سياسة حكومة المالكي , فِلمَ هذه المزايدة مع المالكي , في وقت تجري الانتخابات على مستوى المحافظات وليست انتخابات عامة؟ وهي مزايدة غير صادقة.
استنجد عمار الحكيم في خطبة واحدة عدة مرات بـ “المراجع العظام” و “مرجعية السيستاني” , وهو الموقف الذي رفضه السيستاني ورفض استخدام اسمه. ألا يرتكب عمار الحكيم مخالفة دستورية ومخالفة للقواعد التي وضعها مجلس النواب والمفوضية المسئولة عن سلامة سير الانتخابات في العراق؟ نعم , ولكن من يحاسبه؟ لا أحد , فهل هو من الذين يحملون على … جرس!
وقف عمار الحكيم يخطب بقضايا ذكرتني بقصة ذلك الفلاح وزوجته الخرساء والطرشاء الذي كان اسمها طنبورة , حين قال بعد أن رأي زوجته تتصرف بغير ما يفكر به “عرب وين .. طنبورة وين!” , هكذا كان الكثير من الناس الحاضرين وقد ضجروا من خطابه , وهم يرددون مع أنفسهم “إحنة وين .. وهذا العمار وين! , حتى أن بعضهم كان يهز يديه من عدم تطابق الحقائق مع ما يتحدث به عمار الحكيم.
أما الطبيب إبراهيم الجعفري فقد عاد إلينا بخطبه الفارغة التي أتعبت مستمعيه حين كان رئيساً للوزراء ليؤكد بأنه يخشى التزوير , وهو واحد ممن يجري الحديث عن احتمال مشاركته في التزوير ويخشى من أجهزة الأمن بتزوير الانتخابات , وهو الذي حول تلك الأجهزة , ومعه جبر صولاغ , إلى مواقع خاصة محتكرة للطائفية السياسية وملأها بقوى جيش المهدي وفيلق بدر وأتباعه. لقد خطب بعكس ما مارسه فعلاً. الناس تتساءل اليوم وإليكم هذا التساؤل:
الحزب الشيوعي العراقي , وهو حزب سياسي عريق في العراق حيث بلغ عمره الآن 74 عاماً وله أعضاء ومؤيدون في جميع محافظات العراق , ولكنه غير قادر على إنشاء قناة تلفزيونية محلية , دع عنك فضائية عالمية , وهو لا يملك حتى إذاعة له في بغداد , في حين أصبح الطبيب الجعفري يمتلك قناة فضائية تلفزيونية وإذاعات والكثير من المقرات والمواقع وقلة من الأعضاء وأموال طائلة توزع بلا حساب على الناخبين , فمن أين حصل على هذه الأموال الناشفة والدولارات الخضراء ليوزع بها يمنة ويسرة دون حسيب أو رقيب , وهو من عائلة برجوازية صغيرة كانت تعيش على خدمة الزوار في كربلاء , وهي عائلة طيبة ومحترمة , إذ أن بعض أفراد رجال العائلة كانوا من معارفي واحدهم كان صديقاً لي أيضاً أثناء الدراسة. أعود مرة أخرى إلى أغنية الفنانة الرائعة عفيفة اسكندر حين غنت بصوتها الرخيم والنابت من إذاعة صوت أمريكا في العام 1952 اغنية “من أين لك هذا؟” وغنى المبدع الراحل عزيز علي أغنية “بستان” الموجهة ضد “ابو ناجي” أي الإنجليز , من نفس الإذاعة ونفس اليوم والسنة؟
أما ممثل الصدريين فقد ظهر على شاشة تلفزيون الشرقية أيضاً وهو يذكر الناس بضرورة الانتباه لما يمكن أن يمارس من جانب رئيس الحكومة أو المجلس الأعلى أو غيرهما حين قال بأنهم سيستبدلون صناديق التصويت حين نقلها من مكان إلى آخر بصناديق أخرى مماثلة ولكن مليئة بأوراق أخرى لصالحهم , أو برمي أوراق إضافية ليغيروا حقيقة التصويت. وهي الممارسة التي قيل في حينها أن الصدريين وبقية قوى الإسلام السياسي قد مارستها في الانتخابات العامة والمحلية في السنوات الست المنصرمة.
هكذا هي الأمور حالياً في العراق. ومع ذلك فالدلائل تشير إلى أن الناس قد ملّوا من تلك القوى التي اغتنت على حساب الناس وتلك التي تعد ولا تفي بوعودها وتلك التي حرمت على الناس ممارسة حقوقهم الطبيعية وسلبت المرأة شخصيتها ودورها وحقوقها في الحياة العامة , رغم الواقع الاجتماعي والنفسي الذي يعاني منه المجتمع , ورغم الظروف الصعبة التي يمر بها الناس , وإلى احتمال أن تصاب هذه القوى السياسية الإسلامية , التي هيمنت على الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيبت الحياة الثقافية ودور المثقفين , بنكسة حقيقية لا يعرف الإنسان حالياً مداها في انتخابات مجالس المحافظات التي ستتم في نهاية هذا الشهر لصالح الديمقراطيين والعلمانيين والمدنيين (مدنيون) والمستقلين من المرشحين. هذا ما يأمله الإنسان ويتمناه لصالح الشعب وتطوره الديمقراطي المستقل.

28/1/2009 كاظم حبيب