الرئيسية » مقالات » العادات وأثرها في القضاء على الحب

العادات وأثرها في القضاء على الحب

سلطان الحب المسيطر على الشاب والشابة اللذين يرغبان في الاقتران يواجه مشاكل عدة تتمثل في العادات البالية التي تقطع أوصال المجتمعات وخاصة تلك التي مصدرها الجهل والوساوس المسيطرة على الإنسان وغالبا ما تكون مخالفة للمبادئ العامة لشريعتنا الإسلامية الغراء

أذكر – وأنا أكتب هذا اللحن – العقابَ الذي كانت القبيلة تلجأ إليه في العصر الجاهلي عندما كانت تعاقَب الحبيبة بحرمانها من الزواج بمن تحب وتزويجها بمن لا ترغب فيه تأديبا لها !!

جاء الإسلام بمبادئه ليحطم كل هذه الجاهليات والمفاهيم البالية ويضع بدلاً منها أسساً قائمة على الدين والصلاح لبناء صرح بيتٍِ زوجي قائم على التقوى والطهارة والعفة .
فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ( إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ) . رواه الترمذي وغيره .

ولا أخفي أن هذه العادة كانت وما زالت منتشرة في مجتمعنا الكردي مع كل أسف، والأدهى والأمر أن بعض المثقفين ممن يحاربون الأفكار المتخلفة وبحوزتهم شهادات عليا يحملون مثل هذه الأفكار في رؤوسهم .

العادات التي تقف عائقاً أمام الزواج كثيرة ولكني هنا سأقف عند واحدة منها ، لأن خطابي يتجدد دائماً مع الجيل الجديد ، الشباب الذين عليهم يبنى الأمل وفيهم نرى المستقبل وبفكرهم النير سيضيئون الطرق المظلمة للأجيال القادمة بعدهم إن شاء الله ..
نعم .. من الأمثلة المنتشرة في مجتمعنا : عندما يقع شاب في حب شقيقة صديق عزيز ومقرب له وقد يكون رفيق عمره، ويرغب بالزواج منها، يدخل في صراع مع نفسه من أجل مصارحته بالموضوع، وربما يقف الصديق إذا علم برغبة صديقه في الزواج من شقيقته معارضاً ، معتبراً ذلك خرقاً للصداقة، وتطاولاً على الشرف !!
حتى أن بعض الشباب يرفضون الظهور أمام الناس في يوم زفاف شقيقاتهم وأخواتهم معتبرين ذلك من العيب الذي يجب تجنبه !!

أين دعوة المساواة بين الذكر والأنثى ، وأين حق الفتاة في اختيار حياتها كما يدعيه البعض ؟!!

أعود لأخاطب هذا النمط من الشباب بأن يتقوا الله تعالى في أنفسهم وفي أخواتهم بل وفي أصدقائهم أيضاً وليسمحوا لي أن أقول لهم :
ماذا لو خسرت مصاهرة هذا الصديق المتدين الخلوق الذي تعرفه عن قرب أكثر من غيرك ، وأنت متأكد بأن شقيقتك ستكون في عرينه آمنة لا تعرف برفقته نكداً للحياة ..

وغالب الفتيات يرين في إخوانهن في البيت ملجأ الأمان لهن حين فقدانه عند الأبوين ، فربما تجد معارضة من أفراد عائلتها، أبويها ، شقيقاتها وأحياناً بعض إخوتها ، عندها تبحث عنك منتظرا الفرج الذين تكون أنت مفتاحا له .
نعم على الأخ العاقل والصديق الوفي أن يتدخل لصالح شقيقته ويقف إلى جانبها إذا كان صديقه على خلق ودين وصلاح فيعمل ما استطاع لإقناع الجميع بهذا الزواج .

كما وأذكِّره بأن يتخيل اليوم الثاني فقط من زواج شقيقته بصديقه ، كيف سيكون اللقاء رائعاً وهو يجتمع بالاثنين معاً تحت سقف واحدة لا تربطهما الصداقة فحسب بل وتتعدى إلى القرابة والدم أيضاً !!

كما وأسأل هذا الشاب المعارض لفكرة زواج صديقه من شقيقته ماذا لو كنت أنت في موقف صديقك ورغبت في الزواج من شقيقته المتدينة والطاهرة والنقية التي ترى فيها كل صفات المرأة الصالحة ، ألا تقاتل الدنيا كلها من أجلها في حالة معرفتك أنها أيضاً ترغب بك زوجاً ؟؟
وماذا سيكون الحال إذا كان جميع أفراد عائلتها راضين بك زوجاً إلا صديقك الوفي ؟!!!

من يذق طعم الحب لا يقف عائقا أمامه ومن يعرف قيمة الخير في مكانه لا يستغني عنه والفرصة إذا جاءت اغتنمها فربما لا تتكرر ..

وماذا لو بقيت شقيقتك عانساً وترفض غير صديقك، وأنت غداً تنعم بحياتك مع زوجة تحبها وتحبك، وشقيقتك تحترق بنار العنوسة أمام ناظريك، ويكون سبب كل ذلك هو أنت .. نعم أنت.

أما الوساوس التي تدور في أذهان الأخ أن صديقه نسج العلاقة معه ودخل بيته وكرر زياراته من أجل أخته، فذلك من حبائل ووساوس الشيطان وإن كان فيه نوع من هذه المبررات فما المانع إذا كان الشاب وأهله على خلق ودين ؟!!! وقد يكون صداقتك وحبه لك وإعجابه بأخلاق بيتك وعائلتك هو السبب والدافع وراء رغبته في الاقتران بشقيقتك .

فالإنسان بلا شك يبحث عن الدرر عن أهل الصلاح وبيوت الخير والطهارة ، والتقرب من أجل ذلك مكرمة يثاب عليها الصديق لا يعاقب عليها ؟؟

وتاريخنا الإسلامي زاخرٌ بالمواقف الصادقة والرائعة في مشاهد الزواج والاقتران ويمكن الاستفادة منها وجعلها مصابيح نقتدي بها في حياتنا .
فهذا سيد التابعين سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى ، يتقدم إليه الخليفة عبد الملك بن مروان يطلب يد ابنته لولده وولي عهده الوليد ، فيرفض لأن ابنته لم تكن ترغب به ولم يكن ابن المسيب يراه كفؤا لها ، وما كان الوليد يتقدم لذلك لولا معرفته أن في بيته بنتاً يبدو أنها في أعلى مستوى من الدين والجمال والحسب، لكنه في الوقت نفسه زوجها من تلميذه الفقير المعروف عنده بكل ما يحمل من دين وأخلاق وتواضع ، إنه كثير بن المطلب بن أبي وداعة ، ولنسمع ما يرويه لنا جاره في قصة زواجه الميمون ذاك فيقول : ( حدثني أبو وداعة قال: “كنت كما تعلم ألازم مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم طلباً للعلم، وكنتُ أداوم على حلقة سعيد بن المسيب، وأزاحم الناس عليها بالمناكب، فتغيَّبتُ عن حلقة الشيخ أياماً، فتفقدني، وظنَّ أن بي مرضاً أو عرض لي عارض .
فسأل عني من حوله فلم يجد عند أحدٍ منهم خبراً، فلما عدتُ إليه بعد أيامٍ حيَّاني، وقال: أين كنت يا أبا وداعة؟
قلت: واللهِ يا سيدي توفيتْ زوجتي فاشتغلتُ بأمرها.
قال: هلا أخبرتنا يا أبا وداعة فنواسيَك، ونشهدَ جنازتها معك، ونعينَك على ما أنت فيه؟
قلت: جزاك الله خيراً، وهممتُ أن أقوم فاسْتَبْقَانِي، وقال لي: اجلس، فجلستُ حتى انصرف جميع مَن في المجلس، ثم قال لي: أما فكّرتَ في استحداث زوجةٍ لك يا أبا وداعة؟
قلت: يرحمك الله، ومَن يزوِّجني ابنتَه، وأنا شابٌ نشأ يتيماً، وعاش فقيراً، فأنا لا أملك غيرَ درهمين أو ثلاثة دراهم.
فقال: أنا أزوِّجك ابنتي.
فانعقدَ لساني وقلت: أنتَ، أتزوِّجني ابنتك بعد أن عرفت من أمري ما عرفت؟
قال: نعم.
فنحن إذا جاءنا من نرضى دينه وخلقه زوَّجناه، وأنت عندي مرضيُّ الدين والخلق. ثم تابع ابن المسيب الأمور فكان الزواج المبارك وعاشت ابنته في كنف فقير يعرفه أفضل من ولي عهد يجهله..

ماذا لو كان نموذج هذا التابعي مفقودا عند الأب ، على الأخ المثقف العاقل أن يكون في موقفه ذاك، كيف وأن أخته ترغب به، والشاب ليس بأرمل، بل من اعز أصدقائه ويعرف عنه الكثير ..

رائع أن يكون الأخ وسيلة خير لبناء أسرة سعيدة يكون أحد أركانها شقيقته ، وهو يراها مع مرور الأيام كيف تغرد مع زوجها وأبنائها الصالحين أجمل ألحان الورد تحت سقف أجمل روضة في هذه الدنيا … روضة الحياة الزوجية …