الرئيسية » مقالات » الانتخابات والطائفية السياسية في العراق !

الانتخابات والطائفية السياسية في العراق !

الانتخابات الراهنة في بغداد تجري في ظل عدة ظواهر سلبية لا تزال تتحكم بالواقع العراقي الراهن إلى حدود كبيرة , وأعني بها:

1 . وجود حكومة قائمة على أساس المحاصصة الطائفية التي بدأ الجميع يلعنها ويتمنى التخلص منها باعتبارها كارثة مدمرة , بمن فيهم رئيس الوزراء , رغم مساهمة الكثير من القوى السياسية المشاركة في العملية السياسية حالياً بممارسة الطائفية السياسية فعلاً , لأنهم منتسبون اصلاً إلى أحزاب طائفية سياسية , سواء أكانت شيعية أم سنية. وإذا كان رئيس الحكومة العراقية يؤكد بأنه لم يعد طائفياً فأن رئاسته لحزب سياسي قائم على أساس المذهب الشيعي ولا ينتمي لهذا سوى أتباع المذهب الشيعي , يؤكد هوية هذا الحزب. وما يؤكد ذلك ما جاء في كلمة الأستاذ محمد عبد الجبار شبوط بأن كل العاملين مع المالكي والمحيطين به ومستشاريه , وهو يعرفهم جيداً , طائفيون سياسيون حتى النخاع. وهي إشكالية كبيرة حقاً لا يمكن للمالكي أن يتخلص منها , بل يشوهون حديثه عن معاداة الطائفية , ما لم يطهر حزبه من الطائفية السياسية ومنهم ويلتزم الديمقراطية لا كوسيلة للوصول إلى السلطة فقط , كما عبر عنها علي الأديب الرجل الثاني في حزب الدعوة الإسلامي الذي يترأسه حاليا المالكي نفسه , بل كممارسة فكرية وسياسية وقناعة فعلية وتخلص من أولئك الطائفيين المحيطين به. وهكذا حال نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي أو عادل عبد المهدي , إذ كلاهما يتحدث ضد الطائفية , أولهما يمارس قيادة حزب إسلامي سني (أخوان المسلمين) والآخر عضو قيادة حزب إسلامي شيعي.

2 . استخدام الدين والمذهب في الدعاية الانتخابية لانتخابات مجالس المحافظات واختيار فترة شهر محرم وما بعدها والدعوة للسير على الأقدام من البصرة إلى كربلاء. من تابع منكم خطاب السيد عبد العزيز الحكيم , الذي ارجو له الشفاء العاجل والعودة إلى أهله بصحة جيدة , سيعرف كيف يُمارس الدين في الدعاية الانتخابية من جهة , وسعرف أن نسبة عالية من الحضور في الحملة الانتخابية كانوا من اتباع منظمة بدر العسكرية المرتدية ملابس مدنية حالياً وهم يرددون “كل ارواحنه فدوه لبو عمار” وهو نفس الشعار الذي كان يردده أتباع وجلاوزة النظام السابق ” كل ارواحنه فدوه لبو عداي” , من جهة ثانية. وهو شعار فارغ من كل مضمون.

3 . الحظوظ المتباينة في استخدام القناة الفضائية العراقية الحكومية الرسمية , إضافة إلى امتلاك أحزاب معينة لقنوات فضائية وإذاعات , في وقت لا تمتلك القوى الديمقراطية والعلمانية العربية قنوات تلفزيونية وإذاعات يمكنها أن تصل إلى فئات المجتمع. إن قناة العراقية الفضائية لا تمنح القوى الديمقراطية والعلمانية واليسارية الوقت الكافي والمساوي للقوى الإسلامية , وخاصة الشيعية منها , للتعبير عن برامجهم ومواقفهم إزاء الوضع في العراق وإزاء الانتخابات. يمتلك الدكتور الجعفري قنا تلفزيونية وإذاعة …الخ ويمارس مع الآخرين مأغلب القوى الإسلامية توزيع الأموال لكسب الأصواف. السؤأل من أين جاء الدكتور الجعفري بهذه النقود , وهو من ابناء مدينتي وأعرف أوضاع عائلة الأشيقر المالية؟ هل نزلت من السماء بزمبيل , كما عبرت عن ذلك قبل 56 عاماً عفيفة اسكندر في أغنية لها تحت عنوان “من اين لك هذا , هذا من فضل ربي” , ثم تقول: قابل ألله دندله ألك بالزمبيل!

4. الكل في العراق يتحدث عن توزيع الأموال وإداء القسم بـ “رأس أبو الفضل العباس أبو رأس الحار” , إذ من يخلف بالقسم في إعطاء الصوت لهذا المرشح الذي دفع كذا مبلغ من المال سيصطره العباس ويجن , إذ لن يعفو عنه أبو راس الحار!

5. أما إيران فقد اتخذت منذ فترة غير قصيرة كل ما يفترض أن يساعد في إنجاح الجعفري وحزبه الجديد وهادي العامري والمجلس الأعلى ومن يمكن أن يساندهم بالدعاية والمال والكوادر القادرة على توجيه المرشحين لإحراز النصر في العراق.

يصعب على كل متتبع لتطور الأحداث في العراق أن يقتنع بأن الانتخابات ستكون شفافة ونظيفة ومن دون تزوير وتزييف لإرادة الناس. إن إحدى إشكاليات بعض القوى الإسلامية السياسية التي تتحدث عن النزاهة والاستقامة في خوض الانتخابات مستعدة لممارسات معاكسة لما تدعيه عملياً في مقابل دفع كفارة , أي دفع مبلغ صغير لأي فقير يقف أمام إحدى العتبات المقدسة , وهذا يشبه قصة الكاثوليك في المسيحية. فهم يرتكبون المخالفات الدينية المنصوص عليها في الوصايا العشر , ولكن الله يمسح لهم كل ذنوبهم مهما عظمت حال الاعتراف بها أمام أحد القساوسة في الكنيسة وخلف ستارة بحيث لا يرى القس الشخص المعترف بذنوبه!

إليكم الواقعة التالية:

كان الوالد رجلاً مؤمناً ومتديناً يؤدي الشعائر الدينية كلها , ما فيها حج الكعبة , ولكنه كان لا يساهم في التطبير أو الضرب على الصدور أو ضرب السلاسل على الظهر , إذ كان يعتبرها غريبة عن الإسلام , ولكنه كان يحتضن الزائرين القادمين إلى كربلاء في خان له ليطبخ لهم ويوزع الرز والقيمة. كان الوالد ميسور الحال وصاحب معامل ثلج. تزوج من امرأة شابة من أقاربنا, رغم وجود والدتي زوجة له. سمعت الوالدة عن طريق الوشاة بخبر زواجه من امرأة أخرى. شاطت كثيراً ثم استفسرت منه , فأقسم لها بأغلظ الإيمان بأنه لم يتزوج عليها. صدقته الوالدة وسكتت. خرج الوالد من البيت بعد ذلك القسم وذهب إلى مرقد العباس بن علي بن ابي طالب في كربلاء وأمام باب المسجد دفع لرجل فقير يستجدي الناس مبلغاً قليلاً من المال. لم تكن هذه من عادات الوالد. كنت معه , إذ كنا في طريقنا إلى التسوق الصباحي , فسألته: بابا هذه ليست من عاداتك! فقال لي والابتسامة على شفتيه : هذا صوچ أمك خلتني من الصبح أحلف چذب, ولازم أدفع كفارة حتى أغسل ذنبي. عندها عرفت أنه متزوج بأخرى فعلاً , ولم أبلغ والدتي بذلك لكي لا يتحول البيت إلى جحيم لا يطاق. ذهبت واستفسرت من أحد شيوخ الدين في جامع في سوق العباس القريب من بيتنا عن هذه المشكلة: هل سيغفر الله لوالدي هذه الكذبة بدفع كفارة؟ كنت حينذاك في الصف الخامس الابتدائي. أجاب شيخ الدين: نعم سيغفر له , إنشاء الله , أبوك ما يريد يخلق مشاكل بالبيت! لم افهم هذا المنطق في حينها , ولكني عرفت شيئاً جديداً وغريباً ويسعدني أني لم أمارسه.

بعد هذه الحادثة مررت بحوادث كثيرة مماثلة مورست من شيوخ دين. لا يمكن القول بأنهم جميعاً يمارسون ذلك , ولكن لدي القناعة بأن جمهرة كبيرة من أعضاء وقياديي الأحزاب الدينية السياسية تمارس هذه الصيغة في العمل السياسي يومياً لأنها تعتقد بأن هذا مبرر لأنها تريد انتصار الدين الإسلامي وحزب الله هم الغالبون , ولكن وفق المذهب الذي يتبعونه , وهو تجاوز فعلي على الدين وعلى حقوق الإنسان والدستور العراقي وضحك على الذقون. والمشكلة أن الذاكرة البشرية قصيرة الأمد , وأتمنى أن لا تكون في العراق في الوقت الحاضر بالقصر الذي كانت عليه دوماً.

لن أراهن على نزاهة هذه الانتخابات , بل أراهن بأن قوى الإسلام السياسي سوف لن تفوز بما حصلت عليه من أصوات في المرات السابقة وبما مارسته من أفعال وتهديدات بما يمكن أن ينزله الله عليهم من غضب أن صوتوا لغيرهم ودور المرجعيات الدينية في تأييد تلك الأحزاب. أراهن على ذلك لأني أتمنى أن يحصل أولاً , ولأن الكثير من قوى الإسلام السياسي , شيعية كانت أم سنية , قد مارست الكثير من التجاوزات الفظة على حقوق الإنسان وحرية المرأة وعلى أموال الشعب ومارس الطائفية السياسية بابشع أشكالها وساهم في موت الكثير من البشر عبر ميليشيات تلك الأحزاب , إضافة إلى ممارساتها التعذيب ضد الموقوفين والمسجونين السياسيين حتى الوقت الحاضر , والذي كشفت عنه تقارير اللجان الدولية الخاصة بمراقبة حقوق الإنسان في العراق.

أملي أن يحقق الديمقراطيون والعلمانيون المدنيون وقوى اليسار الديمقراطي نجاحات ملموسة في هذه الانتخابات , إذ ليس هناك من طريق غير طريق الانتخابات لتغيير الأوضاع لصالح المجتمع المدني الديمقراطي الحديث. إن نجاح الديمقراطيين في انتخابات مجالس المحافظات , ويمكن أن يكون بينهم مجموعة من المرشحين الإسلاميين الديمقراطيين , يمكن أن يضع حداً للمشاريع الطائفية , وخاصة فيدرالية الجنوب , التي يتبناها المجلس الإسلامي الأعلى و”الأمير غير المتوج” ولن يتوج في البصرة ابداً , وائل عبد اللطيف , الذي يشبه في طروحاته , ما كان يبشر به بعض البصريين وتخل عنه بعد أن فشل في مسعاه في بداية تكون الدولة العراقية الحديثة , ويضعها المجلس الأعلى في أجندته رغم زعم القيادة بأنها لا تريد فيدرالية طائفية , في حين صرح عمار الحكيم في العام 2005 بإنه يسعى إلى فيدرالية شيعية , وهذا هو المهم بالنسبة له.

أتمنى أن يفوز بعض الإسلاميين الواعين والمخلصين لمبادئ الإسلام الذين يحترمون مذاهبهم ولكنهم يرفضون الطائفية السياسية , والذين يدركون بأن شعار “الدين لله والوطن للجميع” هو الشعار المناسب لبلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب. لا أرفض وليس من حقي أن ارفض من يسعى إلى بناء العراق على أسس وطنية ويحمل في عقله وقلبه الإسلام ديناً , ولكنه لا يرى ضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية في العراق , وهي ليست واحدة , بل ينفذ دستوراً ديمقراطياً يحترم الأديان والمذاهب ويمنح أتباعها حرية العبادة , إذ لا يمكن أن يكون للدولة أي دين بأي حال , بل الإنسان هو الذي يحمل في قلبه وعقله أو يتبنى هذا الدين أو ذاك. أحترم الأستاذ ضياء الشكرجي والأستاذ محمد عبد الجبار شبوط والسيد أياد جمال الدين لأنهم يدركون واقع العراق ويدركون دور الدين ويميزون بين الحكم والدين ويدعون إلى فصل الدين عن الدولة , وهم شيوخ دين , ولكنهم ديمقراطيون واعون.

27/1/2009 كاظم حبيب

ملاحظة: نشر الأستاذ حسين علي بتاريخ 26/1/2009 على موقع صوت العراق , وهو إسلامي التوجه , مقالاً يتذكر فيه حادثاً له معي حين كنت عضواً في المجلس الزراعي الأعلى وكان طالباً في كلية الإدارة والاقتصاد. وكان في مقالته إنساناً نبيلاً وحي الذاكرة وليس قصير الذاكرة , شعر بضروة أعطاء شهادة أشكره عليها. إن نجاح مثل هؤلاء الناس الذين لا يميزون بين الناس على أساس الدين أو المذهب أو الاتجاه الفكري والسياسي , رغم مخالفتهم للاتجاهات الفكرية والسياسية للآخرين , بل همهم الوطنية والمواطنة وحدهما , هم الذين في مقدورهم المساهمة في بناء العراق مع بقية القوى الوطنية العراقية , لأنهم يحملون دينهم في عقولهم وقلوبهم ولا يريدون فرضها على الآخرين, أرجو له موفور الصحة والسلامة.