الرئيسية » مقالات » أمير الدراجي… وداعاً

أمير الدراجي… وداعاً

تلقيت ببالغ الأسى خبر رحيل الكاتب العراقي المتميز أمير الدراجي بعد مرض عضال، ومعاناة طويلة. لقد توفي مغتربا في النرويج، دون أن تمد الحكومة العراقية، أو الأحزاب الحكومية، له يدا، فيما تُنهَبْ الأموال نهبا في فساد جعل العراق في مقدمة دول الفساد، وفيما ينال أميون مراتب خيالية وتقاعدا أكثر خيالية وسفرات مجانية تحت عنوان الحج.

كان الفقيد كاتبا تقدميا ذا عطاء، وله سجل مجيد في النضال والتضحيات بنكران ذات.
إن مصير المرحوم أمير هو مثال جيد على معاناة المثقفين الوطنيين العراقيين، داخل العراق وفي المغتربات، فهم بعد حوالي ست سنوات من سقوط النظام السابق، مازالوا يعانون من الإهمال والنسيان الحكوميين، وقبل أمير توفي في بغداد بعد معاناة طويلة الموسيقار النابغة سلمان شكر، وهو على مسافة قصيرة من المنطقة الخضراء، أما لامبالاة الحكومة والأحزاب الحكومية رغم أنني نبهت للخطر في نداءاتي على المواقع أكثر من مرة، وتوجهي لجهة كردستانية للمساعدة على نقل سلمان إلى مستشفى في الخارج، وكان شفاؤه مرجحا.

المثقفون العراقيين الوطنيون، الحريصون على مصلحة العراق، قد عانوا الأمرين زمن صدام، من إعدام، وسجن وتعذيب، وقطع الأرزاق، والابتزاز، مما اضطر آلاف منهم للهجرة؛ أما اليوم فالمحنة مستمرة بأشكال ودرجات.

إن محنة المثقفين جزء من اللوحة العامة لعراق اليوم، حيث اختلاط التناقضات، وتعدد المآسي، واحتدام الصراعات، مع نقاط ضوء واعدة.

لقد اغتالت المليشيات والقاعدة أكثر من مائة صحفي، وجرى التضييق على حرية الفكر والتعبير، ورأى الفنانون العراقيون المبدعون أنفسهم في أقفاص اتهام الإسلاميين المعادين للديمقراطية وحقوق الإنسان، برغم كل الشعارات واللافتات البراقة، وألقى دستور أحكام الشريعة بغيوم السواد على المرأة والفن بكل أشكاله، وأخيراً جرى منع الاحتفال بالأعياد في النوادي ترضية لفقهاء الدين والساسة الإسلاميين.

في المهجر عشرات الآلاف من المثقفين الذين اضطروا للهجرة زمن صدام، وكثيرون ممن عادوا بعد سقوطه رجعوا للمغتربات، ولاسيما في السنوات الخمس الأولى حينما كان الموت بالجملة، والتطهير الديني والمذهبي ممارسة يومية.

في العراق حريات عامة واسعة بفضل الرئيس بوش، ولكنها حريات أساءت الأحزاب الحاكمة استثمارها بسبب نظام المحاصصة الطائفية، والمعايير العرقية والمذهبية في الانتخابات. في العراق حريات عامة واسعة، ولكن حريات الفرد مقيدة جراء هيمنة الأحزاب الدينية، وإرهاب القاعدة، وضغوط رجال الدين، أيضا الخراب الاجتماعي والفكري للمجتمع الموروث من عهد الفاشية البائدة.

إنني، أقدم أصدق التعازي لعائلة الدراجي، وأقاربه، وأصدقائه، وللمثقفين الوطنيين العراقيين، داخل الوطن وفي المغترب…. وسلاما لذكرى الفقيد.
16 يناير 2009 ..