الرئيسية » مقالات » النظام السوري والمتاجرة بحقوق الإنسان

النظام السوري والمتاجرة بحقوق الإنسان

أوردت وكالة آكي الإيطالية للأنباء، قبل أيام، خبراً يفيد بأن: سوريا أكدت “لسفراء أوربيين في دمشق أنها لن تقبل من الآن وصاعداُ إثارة أي مسؤول غربي معها مسألة حقوق الإنسان أو الديمقراطية أو النظام الاقتصادي الحر وذلك على خلفية امتناع هذه الدول عن التصويت لتشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة للتحقيق بما ترتكبه إسرائيل خلال معاركها في قطاع غزة”. وقد جاء هذا التأكيد على لسان معاون وزير الخارجية السوري (عبد الفتاح عمورة) والذي اجتمع يوم الخميس (15 كانون الثاني/يناير 2009) مع سفراء بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا وسلوفاكيا وسويسرا وسفير بعثة المفوضية الأوربية بدمشق وهي (الدول التي امتنعت عن التصويت) وأعرب المسؤول السوري عن “استغراب ودهشة سورية” من موقف هذه الدول “وهي التي ترفع شعارات الديمقراطية واحترام القانون الدولي والإنساني”، وأوضح لهم أن سوريا لن تقبل من الآن فصاعداً إثارة أي مسؤول غربي معها مسألة حقوق الإنسان أو الديمقراطية أو النظام الاقتصادي الحر.

وتضيف الوكالة نفسها وتقول: “..ويأتي الموقف السوري المتشدد تجاه أوربا استكمالاً لموقف وزير الخارجية السوري وليد المعلم الذي انتقد الموقف الأوربي حيال ما يجري في غزة” حيث كان المعلم أعرب الأربعاء في مؤتمر صحفي جمعه مع وزير الخارجية الإسباني ميغل موراتينوس عن غضبه من موقف بعض الدول الأوربية التي أمتنعت عن التصويت في مجلس حقوق الإنسان على قرار تشكيل لجنة تقصي حقائق وقال إنه “غير مسموح لأي مسؤول أوربي أن يأتي ويتحدث عن الديمقراطية وغزة تذبح، لأن شعبها انتخب حماس.. وغير مسموح أن يتحدثوا عن حقوق الإنسان وأمامهم المجازر التي تجري في غزة” وكان المعلم قال الأربعاء “يُقتل فرد هنا أو هناك فتشكل لجنة وتقام محكمة (في إشارة إلى اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري)، وتباد غزة ولا يتم تشكيل لجنة.. هل لأن شعب غزة خاوي المعدة وفارغ الجيوب؟”، وهكذا فقد أعتبر بأن الدول الأوربية تستخدم شعارات حقوق الإنسان “للضغط السياسي على شعوبنا”.

وقد بررت الحكومة الفرنسية موقفها وعلى لسان المتحدث المساعد باسم الخارجية فريديريك ديزانيو بأن “امتناع بلاده عن التصويت على قرار مجلس حقوق الإنسان القاضي بإرسال لجنة تقصي حقائق إلى غزة بالقول: إن فرنسا لا يمكنها تأييد اقتراح بإرسال بعثة تقصي حقائق وفق صلاحيات جزئية”. وأضاف “أردنا أن تغطي صلاحية البعثة الانتهاكات التي ارتكبتها كل الأطراف”، أي كلٍ من إسرائيل وحركة حماس وكذلك نوه ديزانيو بأن “بلاده والدول الأوروبية الأخرى قررت الامتناع عن التصويت على القرار نظراً لهذه العناصر، وأنها أسفت لأن مجلس حقوق الإنسان لم يعرف ممارسة مسؤولياته بشكل كامل حول موضوع أساسي لحماية الحقوق المكلف بحمايتها”، وذلك وفق تعبيره وكذلك علق المتحدث الفرنسي على إعلان سورية عدم قبولها الحوار حول حقوق الإنسان بالقول: “نتمسك بالصفة العالمية وغير القابلة للانقسام لحقوق الإنسان ولهذا نواصل مع شركائنا الأوروبيين إدخال مسألة حقوق الإنسان في حوارنا مع السلطات السورية”.

هناك مثل شعبي كوردي يقول ما مفاده “إن أستنطقت الكوردي فسوف يشهد على نفسه” وكذلك فإن المثل العربي يقول عن ذاك الذي يقع في أفخاخه والتي نصبها للآخرين بأنه “وقع في شر أعماله”. وهنا في مثالنا عن النظام السوري ورموزه وما يدلون به في مؤتمراتهم الصحفية من تصريحات وبعد أن نحور في المثل السابق يمكن أن نقول أنهم (يقعون في شر أقوالهم) وهي التي تترجم وبطريقة غير واعية أفعالهم الشنيعة؛ حيث أن التعبير ليس إلا الترجمة عما هو راسب في قعر الوعي البشري. وهكذا فإن الدبلوماسية السورية – وعلى الرغم من غوبلزيتها ونجاحاتها – فإنها تعبر، أحياناً ومن دون وعي، عن حقائق في الواقع السياسي السوري وما تدور خلف الكواليس والغرف المغلقة لأساطين المؤامرات والدسائس وبالتالي ومن خلال الوقوف على تصريحات كلٍ من وزير الخارجية السورية وليد المعلم ومعاونه عبد الفتاح عمورة يمكن لنا أن نستنتج قضايا ومسائل حساسة بخصوص واقع حقوق الإنسان في سوريا.

إن أولى هذه الحقائق والتي نستخلصها من تصريحات الدبلوماسية السورية هي؛ إعترافها بأن سجل سوريا (النظام السوري) في قضايا حقوق الإنسان سيء وبالتالي فهي تدحض إدعاءات رئيس النظام والتي قال في أكثر من مناسبة ومن على أكثر منبر إعلامي بأنه “لايوجد معتقلين سياسيين في سوريا.. إنما أُناس خارجين عن القانون ويستطيع أي مواطن أن ينتقد الحكومة ويعبر عن رأيه بكل حرية” وبالتالي فيمكن الاعتماد على هذا (الاعتراف) الغير واعي من المعلم ومعاونه وذلك لمحاسبة النظام السوري مما أرتكبه ويرتكبه من جرائم بحق مواطنيها وخاصةً المعتقلين السياسيين وأصحاب الرأي والتي أزدادت (أي جرائم النظام) في ظل المرسوم (64) الصادر منذ أشهر، و الذي يحمي عناصر الأمن من التحقيق والمسؤولية، حيث أصبح المرسوم السيء الذكر عاملاً إضافياً لدعم المسيرة المنفلتة لأجهزة الأمن السورية وأعطاها دفعاً وقوة إضافية فوق قوة (نظام) حالة الطوارئ المؤبدة والأحكام العرفية. وقد رأينا ذلك من خلال تسجيل عدد من الحالات الجرمية المرتكبة من قبل أجهزة الأمن والمخابرات السورية؛ حيث “كشفت مصادر حقوقية عن مقتل مواطنيين سوريين اثنين نتيجة التعذيب في فروع الأمن السورية في حالتين منفصلتين، دون أن يُسمح لذوي الضحيتين، وهما يوسف جبولي ومحمد أمين الشوا، بمشاهدة جثتهيما أو إقامة جنازات بالطريقة المتعارف عليها، حيث اقتصر الأمر على عدد من محدود من أهالي الضحيتين وبمرافقة العناصر الأمنية”. وتضيف موقع النداء لقوى إعلان دمشق “وقد انضمت جريمة مقتلهما إلى مسلسل جرائم تمادى بها مؤخراً عناصر الأجهزة الأمنية السورية المختلفة، كان من بينها مقتل الشابين سامي معتوق وجوني سليمان رشاً بالرصاص في قرية المشيرفة الحدودية يوم (14/10/2008)، والشاب أحمد رمضان الذي رميت جثته في الشارع أمام مركز الأمن العسكري في المعرة قبلها بيوم” واحد.

أما ثاني تلك الحقائق التي نستخلصها من قرائتنا لتصريحات غوبلز سوريا (وليد المعلم) ومعاونه الصُحيّف (من الصحاف؛ غوبلز النظام العراقي البائد) فهي بأن ملف حقوق الإنسان في سوريا هي من الملفات والأوراق الضاغطة بيد الدول الأوربية في حواراتها وتواصلها مع النظام وخاصةً فرنسا صاحبة مشروع (الشراكة المتوسطية) ولتجعل القيادة السورية تقبل بالحد الأدنى من إمتيازاتها في لبنان. وهكذا فيمكن إعتبار بأن الملف (ملف حقوق الإنسان) ما زال العصا التي يمكن به أن تجلد الدول الأوربية النظام السوري متى شاءت وعندما تتطلب المسألة ذلك؛ أي إرضاخها للشروط التي تملي عليها وهذه بالتأكيد ليست فقط براغماتية أوروبية وإنما نفاق سياسي بقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان من جانب الدول الأوروبية وعلى الأخص من الجانب الفرنسي، خاصةً بعد ترشح أنباء تفيد بأن هناك محاولات فرنسية لوقف أو تأجيل المحكمة الدولية بخصوص قضية رفيق الحريري حيث أفادت موقع إيلاف بان “الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي سأل أحد مستشاريه، وهو خبير قانوني سبق أن شغل منصباً مهماً في الأمم المتحدة، ما الذي يمكن فعله للتخلص من المحكمة الدولية الخاصة بقضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري في حال اقتضى ذلك تطور العلاقات الدولية، ولا سيما بين فرنسا وسورية، وكذلك المصلحة اللبنانية من وجهة نظر باريس”.

إن كانت فرنسا – وكذلك بقية الدول الأوروبية ومعهم أمريكا – تتاجر بقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان في سوريا وغيرها من دول العالم، فهو بالتأكيد عمل سيء وغير أخلاقي ولكن يمكن إدراجه و(تقبله) وتفهمه من باب البراغماتية السياسية والنفعية المصالحية، وإن كانوا بذلك يخونون مبادئ الثورة الفرنسية وكذلك مبادئ ويلسون الأربعة عشر وغيرها من المواثيق والتعهدات الدولية ذات الشأن بقضايا حقوق الإنسان. لكن أن يلجأ نظام سياسي في بلد ما للمتاجرة بحياة مواطنيه وحقوقهم وذلك في سبيل إطالة عمره أو لكسب بعض الوقت قبل أن يلتف حبل المحكمة الدولية حول عنقه أو حتى للحصول على بعض الامتيازات لرموز مافيوية سلطوية في النظام وحتى لأذياله من بعض قادة الميليشيات التي تتآمر بأمره، وهنا النظام السوري نموذجاً؛ كأن يـ”طلب النظام من المجتمع الدولي مقابل الإفراج عن المعتقلين الوطنيين لديه أن تُفرج اسرائيل عن أسرى حركة حماس” وذلك كما كتبها وعلق عليها الزميل والصديق أحمد مصطفى؛ عضو المنظمة الوطنية لحقوق الانسان في سوريا، مؤخراً في مقالٍ له بعنوان “رداً على وزير الخارجية السوري” فعندها لا يبقى لنا إلا أن نقول: إن دلَّ هذا على شيء فإنما يدل على مدى السلوك الاستبدادي القمعي للنظام نفسه واستهتاره بحياة مواطنيه، ناهيك عن قضايا الديمقراطية وحقوق الانسان ومدى شرعية هذا النظام من عدمه، وهكذا فيمكن القول بأن هذه هي (الحقيقة الثالثة) والتي كشفت عنها الدبلوماسية السورية في تصريحاتها المؤخرة.

أما الحقيقة الأكثر رعباً للنظام السوري والتي تدك مضاجعهم؛ هي المحكمة الدولية بشأن قضية إغتيال رفيق الحريري، بحيث لا نجد مناسبة إلا ورموز النظام يحشرون ذاك الملف فيه، في محاولة بائسة منهم للطعن بالقضية وهم (أي رموز النظام السوري) بهذا يذكروننا بحكاية شعبية في التراث الشفهي الكوردي تقول: بأن أحدهم قد سرق بيضة وعندما ألتقاه أحد المارة في الطريق ملقياً عليه السلام والتحية فرد صاحبنا (الحرامي): أي بيضة يا رجل.. . وهكذا يكون الشعور الباطني واللاوعي قد دفعه للإعتراف بالجرم ومن دون أن يدرك ذلك أو حتى يسأله أحد في ذاك ناهيك عن توجيه التهمة إليه، وكذلك فها هو السيد وليد المعلم؛ غوبلز الدبلوماسية السورية يحشر قضية رفيق الحريري وقرار المحكمة الدولية في مسألة غزة وتعاطي الدول الأوربية معها، مقلداً بذلك حكاية ذلك الحرامي وبالتالي الاعتراف – وبدون وعي منه – بتورط النظام السوري في الجريمة حيث يقول: “يُقتل فرد هنا أو هناك فتشكل لجنة وتقام محكمة” وذلك في إشارة إلى اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، “وتباد غزة ولا يتم تشكيل لجنة.. هل لأن شعب غزة خاوي المعدة وفارغ الجيوب؟”.

ولكن وبمثابة الخاتمة نقول: أليس كل هذه (الجعجعة الكلامية) في قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان في سوريا ليس إلا نوع من المتاجرة في بازارات السياسة الدولية بين النظام السوري من جهة والطرف الدولي من جهة أخرى وذلك على حساب الشعب السوري (الطرف الخاسر) وبمختلف مكوناته؛ حيث الأطراف الثلاث – النظام والطرف الدولي وكذلك الشعب السوري – على بينة من حالة حقوق الإنسان في سوريا وكذلك قضايا الديمقراطية والحريات العامة وبأن النظام ومنذ إنقلابي البعث في (1963 و 1970) ومن خلال قانون الطوارئ والأحكام العرفية والتي هي بعمر الإنقلاب البعثي في البلد، قد ألغى الحياة السياسية وخاصةً بعد الأحداث الدموية في بداية الثمانينات مع تحرك جماعة إخوان المسلمين والتعامل معها بقوة الحديد والنار وبدموية وقسوة مبالغتين بهما ومن ثم إطلاق يد الأجهزة الأمنية المخابراتية في الشارع السوري لتذل المواطن، بكل ما تعني الكلمة؛ بحيث بات الإنسان السوري “يخشى من ظله” وصولاً إلى أدنى دركات الحالة الإنسانية قهراً وذلاً، ألا وهو الجبن والخنوع السياسي الحقوقي وعدم المطالبة بحقوقه الأساسية الطبيعية (حق الحياة، أول الحقوق وها نحن نرى كيف أن الأجهزة الأمنية تقتل المواطنين السوريين وترمي بجثثهم إلى الشوارع من دون رادع أو محاسبة أو حتى بخيمة عزاء لأهلهم المفجوعين بأولادهم)، ناهيك عن الحقوق الأخرى وهكذا.. ليبتعد، بل ليهرب المواطن السوري من السياسة والحياة العامة بعد أن كان الرائد بين شعوب المنطقة في مقاومة الإستعمار وكذلك ممارسة الحياة البرلمانية ولعبة الانتخابات السياسية وتكتلاتها.

وهكذا فإن الكل يدرك بأن لا حياة سياسية في البلد ولن يكون هناك ديمقراطية أو قضايا حقوق الإنسان في ظل هكذا نظام قمعي استبدادي أستباح كل شيء.. بما فيها كرامة وعرض مواطنيها، بل وحياتهم أيضاً وبالتالي فكل الحوارارات و(الضغوط الدولية) بهذا الصدد ليس إلا مضيعةً للوقت وإطالة لعمر النظام وبأنها متاجرة وإرتزاق للبعض الآخر وذلك على حساب حرية الشعب السوري وكرامته، وربما هذه هي الحقيقة الأسطع والتي على شعوبنا ومجتمعاتنا أن تدركها بأنها هي صاحبة الحق وعليها هي أن تقوم بما مطلوبٌ منها و.. أخيراً لا يبقى لنا إلا أن نقول: كفى لهذه البازارات الدولية بحقوقنا وكرامتنا.

إقليم كوردستان – 2009