الرئيسية » مقالات » القوى العلمانية هل تفجر مفاجأة في الأنتخابات العراقية ؟

القوى العلمانية هل تفجر مفاجأة في الأنتخابات العراقية ؟

الأنتخابات على الأبواب في نهاية الشهر الحالي والمرشحون يحبسون انفاسهم منتظرين مزاج الناخب العراقي والى من سيدلي بصوته الثمين ، إنها لحظة ترقب وصمت وتأويلات ، ونتائج البيدر قد لا توافق حسابات الحقل ، فمزاج المواطن ولحظة إدلائه بصوته والتعبير عن قناعته ليس من السهل ضمانها لاي فريق ، وامام تلك اللحظة تظل المخاوف قائمة لاسيما بالنسبة للقوى التي تملك نفوذ وسلطات وموارد ، وهي تتربع على عرش الأكثرية وهي تتوجس خشية من اهتزاز تلك المكانة وتغيرها نحو التقليص والأنكماش . وفي دنيا الأنتخابات كما هو معلوم ،ثمة احتمالين للنتيجة لا ثالث لهما فإما الفوز وإما الخسارة .

لا ريب ان عملية الأنتخابات التي ستجري في نهاية هذا الشهر تعتبر علامة فارقة لقدرة القوى والأحزاب السياسية ولها اهمية اختبارية لخوض الأنتخابات البرلمانية للدورة المقبلة في نهاية هذا العام .

في هذه الأنتخابات ثمة صراع بين القوائم المختلفة ، وصراعات أخرى داخلية بين القوائم المتحالفة نفسها ، لكن هنالك صراع آخر يلوح في الأفق ويتبلور بجلاء على الساحة السياسية العراقية ، وهو مرشح للاستقطاب في مجريات الأنتخابات المحلية في نهاية هذا الشهر وفي انتخابات البرلمان العراقي في نهاية هذا العام او في بداية العام القادم ، وهو نزوع الناخبين نحو القوى العلمانية وهذه ما تلوح نحوه مؤشرات المراقبين للعملية السياسية في العراق .

إن حصيلة الأعوام المنصرمة من عمر مجلس النواب ومجالس البلديات لم تكن في صالح الأحزاب والقوى الكبرى المهيمنة ، حيث فشلت هذه القوى في تسهيل حياة المواطن بتوفير الخدمات الحياتية الضرورية في حياته اليومية ، في جانب لا بد من الأعتراف بتحقيق تقدم ملحوظ في استتباب الأمن والأستقرار في بغداد والمدن العراقية عموماً . لكن جوانب الحياة الأخرى لم تمض في المسار الصحيح ، فآلية المحاصصة الطائفية بقيت ملازمة طيلة السنين المنصرمة ، وإن المصالحة التي نسمع عنها كانت عبارة عن محاولات استرضائية لهذا الطرف او ذاك وفي احسن الأحوال كان بتقديم شئ من الكعكة للطرف المتمرد ، فبقيت العملية السياسة في سياقات تحقيق مكاسب لطرف من الأطراف مع تغييب وتهميش المصلحة العليا للوطن العراقي .

كما لم يكن هنالك مساءلة لأي وزير عن الخروقات والفساد الأداري والمالي المستشري في فواصل الدولة ، ولم يخرج العراق بخطط اقتصادية استثمارية واضحة تقلل من البطالة المتفشية والبطالة المقنعة لكن الجهود انحصرت في خلق وظائف غير مجدية الهدف منها مساعدة المواطن ليس إلا .

إن هذه الحالة من الأقتصاد تحول ثروات النفط الوطنية الى رواتب لمستهلكين لا ينتجون شيئاً لقاء رواتبهم ، فيبقى السوق العراقي سوق استهلاكية غير منتجة ، وهكذا امام هذا الواقع كان ضمور الصناعة العراقية المنتجة ورافقها خمول في الأنتاج الزراعي ، فأبقى العراق دولة مستوردة لمعظم المنتجات الزراعية من حبوب وفاكهة وخضر . وبقيت البطالة المقنعة هي السائدة في الساحة المجتمعية والأقتصادية العراقية ، وباتت واردات النفط تصرف على الأستهلاك اليومي بدلاً من الأستثمارات الصناعية والزراعية.

إن المواطن العراقي المعتدل أو { اللامنتمي } الى الأحزاب الرئيسية الكبيرة ، يقف عاجزاً لايجاد مخرج لمشاكله في ظل الصعوبات التي تعترضه بسبب عدم انتمائه لتلك القوى ، وأمام هذا الواقع والصعوبات اليومية وعدم إحراز اي تقدم لسنوات خلت ، عكف المواطن العراقي على التوجه الى القوى العلمانية التي لا زالت تحبو في العملية السياسية نظراً للنتائج المتواضعة التي حققتها في الأنتخابات السابقة ، وعلى ضوء تلك النتائج لم يكن لها دور مؤثر في العملية السياسية والأقتصادية في البلد .

لقد كان التيار السياسي الديني في اوج اندفاعه ، واستجابت الجموع لذلك التيار الجارف ، وهكذا حقق هذا التيار بأحزابه الأسلامية تلك النجاحات الكاسحة . إلا ان صيرورة الأوضاع المعاشية الصعبة لهذه السنين، وعدم تحقيق وإحراز اي تقدم ملموس في تقديم الخدمات الحياتية طيلة الخمس سنوات المنصرمة ، اختزلت ثقة المواطن بتلك القوى ، ودأب على ايجاد مخرج لعله يفلح في انتشاله من واقعه المرير .

لاشك ان القوى التي تمسك بزمام الأمور لا يمكن ان ترضخ وتستجيب بسهولة ، ونقرأ اليوم ان خطباء الجمعة يقاتلون بضراوة {حسب الشرق الأوسط بتاريخ 25 /01 } لحث الناخبين على المشاركة في الأنتخابات وطالب بعضهم بالتصويت لصالح قوائم معينة حسب الجريدة المذكورة والتي استطردت بأن رجال الدين يقاتلون بضراوة من اجل حث الناخبين على التصويت للاحزاب الأسلامية ، وسط تقارير أشارت الى ان الناخبين العراقيين باتوا يفضلون المرشحين العلمانيين إثر إخفاق الأسلاميين في تحقيق الوعود التي قطعوها خلال الأعوام الماضية .

من القوائم العلمانية التي تؤمن بالديمقراطية والتي يمكن الركون اليها وهي القائمة العراقية وقوائم الحزب الشيوعي وقائمة التحالف الكردستاني وقوائم المكونات الصغيرة كالقوائم الكلدانية والآشورية .

إن العملية السياسية من اجل ان تخرج من قوقعة المحاصصة والأصطفافات الطائفية ينبغي ان تبنى على أركان راسخة إما ان تتألف من قطبين رئيسيين ، قوى حاكمة تمسك بزمام الأمور وتدير دفة الحكم ، وأخرى معارضة لها ومراقبة لخطواتها ، ويكون ترتيب هذه القوى على اسس سياسية معروفة من يسارية ومحافظة ووسط ، وينبغي ان تتبوأ الهوية العراقية لتكون الهوية الرئيسية ، مع احترام الأنتماءات الأخرى إن كانت دينية او اثنية او مذهبية . ونتمنى لعراقنا الحبيب ان يكون مثالاً رائداً للعملية الديمقراطية الناجحة في المنطقة .

حبيب تومي / اوسلو