الرئيسية » بيستون » لماذا يقتل الحاكم شعبه !؟

لماذا يقتل الحاكم شعبه !؟

تأريخ الشعوب والأمم منذ نشوء البشرية وصيرورتها والى حد هذه الساعة مليىء بقصص غريبة حزينة قاسية ناتجة عن تسلّط بعض قوى الشر على أمور البشرية. هذه القوى الشيطانية تسلب حقوق الناس وتجردهم من مقومات العيش الكريم فتنكل فيهم وتبطش بهم وتحرمهم مما وهبهم الله وأعطاهم . الأمثلة كثيرة في التأريخ القديم والحديث والجميع قد سمع وعرف بها أو ببعض منها، بل ربما عانى وقاسى من تأثيرات هذه القوى الغاشمة بشكل مباشر أو غير مباشر. ان ما حصل في العراق إبان حكم صدام حسين هو أقرب مثال على الظلم والأذى والعذاب الذي عانى منه شعب بسبب حاكمه الطاغية.
إضطهاد الحاكم لشعبه له صور كثيرة وأشكال متعددة تتباين في طبيعتها وشدتها وطريقتها، إبتداءا من حرمان المجتمع من مقومات وجوده في المأكل والمشرب والمسكن والعمل وممارسة شعائره الدينية وعاداته الإجتماعية الى السجون وعذاباتها أو التهجير القسري ومصادرة الممتلكات والأموال بل حتى الأرواح أيضا. الحكام الأشرار أنواع ودرجات وكل له فنه وبراعته في القتل والتنكيل وسلب حقوق الناس، إلاّ أنه بين الحين والحين يظهر حاكم ” فذ ” بطرق التنكيل والتدمير فينال السبق على غيره ويتميز بمقالبه ووحشيته وبؤسه.
لم تسلم فئة أو شريحة من شرائح المجتمع العراقي من الظلم والتنكيل والإضطهاد إبان حكم الطاغية رغم أن مآسي الشعب قد تفاوتت وتباينت مع بعضها، وربما حصة اخوتنا الكرد الفيليين هي حصة الأسد في الأسى والظلم والحرمان الذي تعرضوا له على يد هذا الطاغية. لا يعرف أحد ما هو الذنب الكبير الذي إرتكبه الأكراد الفيليون كي يصيبهم ما أصابهم من غدر وقتل وتنكيل وتشريد وإضطهاد… بماذا سيبرر القتلة أفعالهم وبأي قناع من أقنعة الخزي والعار سيغطون وجوههم وهم يستمعون الى شهادات الضحايا والأبرياء…. أم أن الوجوه الكالحة لا تستحي ولا تخجل!؟

كثير من المرات يسأل الإنسان نفسه بسؤال مكرر وهو : لماذا يبطش الحاكم بشعبه؟ ومهما يكون الجواب مفصلا فهو غير مقنع لأن جميع المبررات لا تكفي أن توصل الإنسان السوي الى تفهم الموقف … قد يجيب البعض بان أسباب البطش تعود الى دواعي سياسية ، إقتصادية ، إجتماعية ، عنصرية ، طائفية ، دينية أو من أجل الحفاظ على السلطة والعرش أو مجرد بسبب طبيعة عدائية لكل ما هو مختلف عن طبيعة الحاكم وتطلعاته. مهما تعددت الأسباب وتشابكت فهي غير كافية لتفسير عنف الطاغية وتصرفاته إذ لابد لوجود عناصر أخرى ذاتية تلعب الدور الكبير في ماهية تلك التصرفات ومنشأها.
الحادث الإجرامي الذي تعرضت له إحدى المدن البلجيكية هذه الأيام أثار في نفسي حب دراسة سايكولوجية الأشخاص وتفهم تصرفاتهم. من خلال هذا الحادث الرهيب يستطيع المتابع أن يجد نقاط التشابه بما قد يقوم به أفراد عاديين مصابين بجرثومة حب القتل وبين ما يقوم به الجلادون والحكام الطغاة في شعوبهم. ملخص ما حدث في تلك المدينة الصغيرة التي تقع في قلب بلجيكا هو أن شابا له من العمر عشرون عاما دخل الى روضة من رياض الأطفال وشهر سكينه وبدأ يمزق بأجساد كل من تقع عليه يده من هؤلاء الأطفال البررة وهم كالبراعم. قتل منهم من قتل وجرح من جرح وهو يتنقل من غرفة الى غرفة ومن صالة الى أخرى بحثا عن براعم جديدة يفتك فيها ويسفك دمها.
لا يعرف أحد أسباب هذا البطش بهذه البراعم الفتية فالقاتل، الذي إمتطى دراجته الهوائية وهو يسير بكل هدوء وأريحية، قد عثرت عليه الشرطة البلجيكية وهو في طريقه الى روضة أخرى لإستكمال مهمة القتل والفتك وبدم بارد. كان القتل عند هذا المجرم متعة ولذة وإستئناس فرغم رفضه الإجابة على دواعي القتل هذه أمام الشرطة الجنائية فقد كشف الأخصائيون عن أن القاتل ربما كان يبحث عن متعة ذاتية….! وهكذا كانت دماء العراقيين تسيل على يد الجلاد الذي كان يطرب لسماع الآهات ويحسبها موسيقى ويتلذذ بمنظر الدماء ويتصورها أنهار وجداول ويستانس بصرخات الثكالى ويحسبها دعاءا وإبتهالا وينتعش بلطم الأمهات لوجوههن ويتخيلها تصفيقا وتشجيعا ….
نعم قتل الأبرياء والبطش فيهم قد تكون بدواعي المتعة….. حيث يتمتع بها مرضى النفوس ومرضى العقول وما أكثرهم، فقد وصف الأخصائيون مجموعة من الأمراض النفسية والنزعات الذاتية المريضة التي تؤدي الى جعل أصحابها يحبون القتل والفتك والتدمير… فقد وصف علماء النفس حب الإنسان بإيذاء غيره وتعذيبه وحتى قتله في بعض الأحيان بـ “السادية “…كما وصف أخصائيي الأمراض النفسية بعض الأمراض النفسية التي تبث جرثومة حب القتل بصاحبها ومنها أنواع من أمراض فصام الشخصية ” الشيزوفرينيا” وبعض أمراض الكآبة وإضطراب السلوك والشخصية. هذه الأمراض وغيرها لابد وأن تلعب دورا هاما في نفسية الحاكم الظالم الذي يقتل شعبه، كما تلعب هذه الأمراض الدور نفسه في نفوس بعض الإرهابيين الذين يقتلون غيرهم ويقتلون أنفسهم ، وهنا قد جمعوا بين السادية والماسوشية في وقت واحد!
الشعوب المنكوبة هي التي يتسلط عليها حاكم مختل عقليا فيذيقها المرّ والهوان ويترك عندها آثارا لا تزول رغم حركة الوقت ومسيرة الزمن…. الظلم مهما يطول فله نهاية ونهايته مؤلمة… مخزية… قاسية على من ظلم واستكبر ” وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون” . بعد ظلم الظالم وبطشه لا بد للمشكلة أن تشخص ولابد للضحية أن يعوّض ولابد للحق أن ينتصر وعلى التأريخ ألاّ يعيد نفسه وعلى المؤمن أن لا يلدغ من جحر مرتين….! 
 بروكسل