الرئيسية » مقالات » أيها المهاجر، أنت شجرة مقلوعة…

أيها المهاجر، أنت شجرة مقلوعة…

مهاجرﴽ کنت أم مهجرﴽ، لاجأ کنت أم ملتجأ، حملت معك ذات يوم حقيبتك أو ربما لم تکن معك ما تحمله، کنت وحيدا أو ربما کانت زوجتك تتبعك، کان لکما أطفالا يتبعونکما أو ربما لم يکن، حملت معك بعضا من جذورك و ترکت منها الکثير على أمل العودة إليها، و إنطلقت هاربا من الموت صوب المهجر، و حالما وصلت ودعت جذورك أرض غريبة، عملت ذلك مجبرا لأنك کنت تخاف عليها من الموت.
کنت في وطنك أبا، خالا، عما، إبن عم و عمة، إبن خال و خالة، کنت صديقا، کنت جارا، زميل عمل، صاحب وظيفة أو مهنة و کانت لك مکانة، تحيﱢ من تعرفهم و أحيانا من لا تعرف، فيردون التحية بأحسن منها. فجأة أصبحت مجردا من کل تلك العناوين، ربما ما زلت أبا إن کنت کذلك، لکنك لست ذلك الأب، فحالك حال طفلك الذي کان بحاجة إلى مساعدتك، أنتم الآن غرباء وکل ما حولکم غريب عليکم. عليك أن تبدأ من البداية و تبني من جديد کل ما ترکته خلفك من بناء، و کطفل صغير تتعلم اللغة، فمن خلالها تتعرف على کل ماهو غريب و غير مفهوم لك، و بينما کنت من مجموعة نحن أصبحت الآن من مجموعة أنتم، فکلما تکلم أهل البلد عن أنفسهم قالوا: نحن، و کلما تکلموا عنك و عن جماعتك، قالوا: أنتم. تذکر فإنك من مجموعة الغرباء، و عندما تتکلم هذه المجموعة عن نفسها، عندها فقط تکون ضمن مجموعة نحن: نحن المهاجرين، نحن المهجرين، نحن اللاجئين…
تمسك بجذورك التي حملتها معك إلى المهجر، فبدونها تموت يا صديقي، إنها کل ما تبقى لك من ماضيك الذي ربما تعود إليه يوما، تمسك بها فعندما تعود تلتقي هذه الجذور بتلك التي ترکتها في الوطن، عندها فقط تستطيع أن تقف على رجليك إن کنت تريد أن تحيا و تموت واقفا. أنت خائف، إنك تخاف من هول الغربة و ما تخبأه لك الأيام القادمات، حسنا أعطيك کل الحق، لکنني أراك تطمئن نفسك بأن الغربة سنوات تمر بسرعة ثم تعود إلى الوطن، أليس کذلك؟
أول ما تفعله هو البحث عن أناس ممن يقاسمونك المحنة، أجل إنك في محنة، إن کنت تحس بذلك أم لا، بل إنك في محنة کبيرة، و تجدهم و يجدونك، هم بحاجة إليك کحاجتك إليهم، و تبدأ بممارسة طقوس من الوطن، طقوس کنت لا تهتم بها قبل أن تترك أرضك. فجأة تصبح لغة الأم مهمة لك و لأطفالك، فبدونها لا تلتقي بجذورك المتروکة هناك في بلاد الشمس. فجأة تصبح اکلات الماضي مهمة، طقوسك الدينية و شعائرك، عاداتك و تقاليدك، أعيادك و المناسبات، إنها هويتك التي تريد أن تحتفظ بها، إنها ثقافتك التي تريدها أن تبقى حية، لکي تنقلها إلى أطفالك.
و تتعالى صوتك في البيت و أنت تصيح على أطفالك لکي لا يتکلموا بلغة أجنبية، فأنت تريد أن تربيهم و تزودهم بهوية الوطن و ثقافتها. لك مخططات مستقبلية، فغدا عندما تعود يجب أن يندمج أطفالك بوطنهم الأم بأکبر سرعة ممکنة، لکي يجدوا لهم موطئ قدم ثابت، و تلتقي جذورهم بجذورك، أليس کذلك يا صاحبي؟ ثم يأتيك مولود جديد ليس له‌ في موطنك من جذور، فتنتظر لکي يتعلم: ماما، بابا، حليب، ماء، و عندما يتعلم قليلا من الکلام، تلعب معه لعبة السؤال و الجواب.. ما إسمك يا عزيزي؟ فيقول إسمه.. من أين أنت يا حبيبي؟ ثم تعلمه ليقول إسم البلد الذي أنت أتيت منه، و بهذا تريد أن تربطه بوطنك بأول خيط، تمهيدا لبناء روابط أخرى، فغدا تعود حتما و تريد منه أن يرتمي في أحضان والدتك إن کانت ما تزال حية و يتکلم معها بلغتك، أليس کذلك؟
و تمر السنين، و أنت مهموم و منهمك بشکل مستمر، ففي کل يوم و في کل ساعة تربط أطفالك بخيوط أو ربما بحبال جديدة بوطنك الأم، إنك تريد أن تبعث برسالة إلى الأزمنة التي لا تصلها بنفسك من خلال أطفالك، و الرسالة هذ‌ه تکتبها بنفسك من خلال تربيتك لأطفالك و أعطاهم الهوية التي تراها مناسبة لهم، إنها تشبه هويتك إلى حد کبير. فجأة و دون إرادتك تصيح عليهم بأعلى صوتك: ممنوع تکلم أية لغة أجنبية في البيت، و تنسى بأنك أنت الأجنبي في هذا البلد.
ذات يوم مشمس من الأيام النادرة في مهجرك، تبشر زملائك في العمل، بأنك سوف تسافر و العائلة جميعا في زيارة إلى بلدك، فيسألك أحدهم: و بماذا تشعر و أنت تعود إلي هناك؟ تجاوبه فخورا و بسرعة البرق: أشعر بأنني أعود إلى وطني.
ها قد مرت الأيام بين الأهل بسرعة هائلة دون أن تحس بها، دون أن تنظر حواليك، دون أن تتفرغ لنفسك و لعائلتك، و في أقرب فرصة ممکنة تراجع أفکارك وهموم الغربة التي ترکتها خلفك لکي تتفحص الجذور التي کنت قد ترکتها هنا في هذا الأرض، ماذا ترى؟ لم تبقى الأشياء على حالها فکل شيئ قد تغير، فالذين کنت قد ترکتهم في نقطة معينة لم يعودوا باقين هناك، لقد نقلتهم الأيام فکرا و روحا و جسما، “تفکيرهم و تعبيرهم و أعمالهم” قد تغيرت بشکل کلي، قف هنا، لماذا رتبت الکلمات کما فعلت! فجأة ينتصب زاراتوسترا (زارادشت)* أمامك مبتسما ثم يتلاشى. ماذا کنت تتصور يا صديقي؟ هل کنت تتصور بأن کل شيئ يتوقف عن الحرکة إلى أن تعود، ألم تتعلم الفلسفة البسيطـة التي تقول بأن المادة في حالة تغيير مستمر، کذلك الإنسان؟ حتى أنت تغيرت دون أن تشعر بذلك، و کنت تحاول جاهدا الإحتفاظ بجذورك في المهجر لحين العودة إلى الوطن بغية الإنسجام مع ما ترکتها متصورا بأنها تبقى على حالها، لم تکن موفقا في‌ تفکيرك، فببساطة کانت أنفکارك تنقصها المنطق.
و حين يخاطبك أحدهم قائلا: أنتم الذين تعيشون في الخارج محظوظين. تکاد تنفجر ضاحکا من هول کلامه الصاعق، ليس فقط لأنك لا تحسب نفسك محظوظا بل لأنك لست منهم، فأنت لم تعد من جماعة نحن حتى في وطنك الذي ولدت و ترعرعت فيه، فها إنك تسمع بأنك و حتى هنا من جماعة أنتم. أنتم الذين تعيشون في الخارج، عندها فقط تشعر بأن الجذور التي ترکتها قد ماتت، أو أنها تلفظ أنفاسها الأخيرة.
وتحمل معك حقائبك بعد أن تعيش حالات الإحباط لکي تعود و عائلتك إلى المهجر، و في المطار يستقبلك شرطي الجوازات مبتسما و قائلا: أهلا بك في بيتك! ينتابك شعور غريب، أن تعرف بأن الشرطي يعني ما يقول، لکنك لست متأکدا فيما إذا أنت راجع إلى بيتك أم لا. أيام و تعود إلى عملك ليستقبلك زملاؤك بالترحيب، فيوجه أحدهم إليك السؤال القديم: بماذا تشعر و أنت تعود إلى هنا؟ تجاوبه متلعثما، مترددا: أشعر بأنني أعود إلى وطني.
عندها فقط تشعر بأنك لست شجرة مقلوعة، بل إنك شجرة مقطوعة.

السويد
2009-01-26

* http://en.wikipedia.org/wiki/Zoroaster