الرئيسية » مقالات » لا قيمة لهذا الانتصار دون تحقيق الوحدة

لا قيمة لهذا الانتصار دون تحقيق الوحدة



 – غزة
رغم استمرار الحملة العسكرية الإسرائيلية لأكثر من ثلاثة أسابيع على غزة، والمجازر البشعة التي رافقتها ضد المدنيين الفلسطينيين، لم تنجح هذه الحملة في تحقيق أي من أهدافها العسكرية المعلنة، والمتمثلة بإدعاء واكذوبة القضاء على حركة “حماس” ووقف إطلاق الصواريخ الفلسطينية نحو المدن والتجمعات الاستيطانية الإسرائيلية.
وقد لوحظ أن سقف الأهداف والمطالب الإسرائيلية بدأ يهبط تدريجا، مع اشتداد ضراوة المقاومة الفلسطينية، ليقتصر على المطالبة بوقف تهريب السلاح إلى غزة، وطلب المساعدة الدولية لتحقيق هذا الهدف، وفي هذا اعتراف ضمني إسرائيلي بفشل الحملة العسكرية.
ما جرى هو العكس تماما لما أرادته إسرائيل، إذ أن حركة “حماس” قد خرجت قوية من هذه المعركة، رغم الضربات الموجعة التي وجهت إليها، وحافظت على قوتها العسكرية التي زجّت بأقل من 50 % منها في المواجهة العسكرية مع قوات الاحتلال، وبقى الجزء الأكبر مختفيا داخل الإنفاق في انتظار المواجهة البرية وحرب الاستنزاف مع الجيش الإسرائيلي.
وظلت الصواريخ الفلسطينية تنهمر على المدن والتجمعات الاستيطانية في جنوب إسرائيل، واتسعت دائرة إطلاق هذه الصواريخ لتشمل مدنا إسرائيلية بعيدة عن غزة مثل مدينة بئر السبع التي تبعد حوالى أربعين كيلو مترا ومدينتي المجدل وسديروت ومناطق إسرائيلية أخرى.
وطاولت صواريخ المقاومة الفلسطينية أهدافا عسكرية حساسة مثل المطارات العسكرية في النقب، وأهدافا اقتصادية مهمة، وكان بإمكان هذه الصواريخ ضرب المزيد من الأهداف مثل: مستودعات الوقود في المجدل وشركة الكهرباء الإسرائيلية وميناء أشدود الذي يعتبر احد الموانئ الرئيسة في إسرائيل.
“مراوحة ”
من الناحية العملانية، الحملة العسكرية الإسرائيلية ظلت تراوح مكانها في الأيام الأخيرة، رغم الاختراق العسكري الذي حققته الدبابات الإسرائيلية في منطقة تل الهوى والذي جعل الدبابات الإسرائيلية تقف خلف أسوار الجامعة الإسلامية، التي تعتبر من الرموز المهمة لدى “حماس”.
وهذه المراوحة جعلت القيادة العسكرية الإسرائيلية تخشى أن يتحول جنودها إلى هدف سهل لرجال المقاومة الفلسطينية، بعد العمليات الفدائية الناجحة والمفاجئة التي شنها مقاتلو “القسام” و”كتائب شهداء الأقصى” و”سرايا القدس” و”كتائب المقاومة الوطنية”، ضد قوات الاحتلال في حي الزيتون والعطاطرة وجبل الكاشف، والتي تكبد فيها الجيش الإسرائيلي خسائر بشرية كبيرة بالمقاييس الإسرائيلية.
وهذه الحالة، إضافة إلى مجموعة من العوامل السياسية هي التي دفعت الحكومة الإسرائيلية إلى اتخاذ قرار وقف النار من جانب واحد، وسحب القوات الإسرائيلية من الأماكن التي توغلت فيها داخل قطاع غزة.
“مفاجآت”
تمكنت إسرائيل من تحقيق عنصر المفاجأة في هذه الحرب، التي استخدمت فيها كل أنواع الأسلحة بما فيها الأسلحة المحرمة دوليا، مثل : القنابل الارتجاجية وقذائف الفوسفور الأبيض وقذائف أخرى سامة يجري التحري عنها حاليا من قبل الخبراء المختصين.
وقد جاء توقيت الهجوم الجوي المكثف الذي شنته الطائرات الحربية الإسرائيلية، والذي شاركت فيه ستون طائرة حربية ضد مواقع الشرطة والمؤسسات الحكومية التابعة لـ”حماس”، ليشكل مفاجأة كبيرة للحركة التي كانت تعتقد أن الحكومة الإسرائيلية بتركيبتها الحالية والخلافات بين أركانها، لا تقوى على شن هجوم عسكري واسع ضد قطاع غزة، مما أدى إلى سقوط أكثر من مئتين وخمسين شهيدا في صفوف الشرطة خلال الضربة الجوية الأولى.
وقد تمكنت “حماس” والمقاومة الفلسطينية من استيعاب الضربة الأولى، وبدأت بإطلاق وابل من الصواريخ نحو المدن الإسرائيلية، بعدما وسعت دائرة إطلاق هذه الصواريخ لتشمل بئر السبع والمجدل وأشدود ومدن أخرى.
وقد ردت فصائل المقاومة الفلسطينية على المفاجاة الاسرائيلية بمفاجآت عديدة منها:
– إتباع تكتيكات جديدة في مواجهة الجيش الإسرائيلي الذي اعتاد استدراج مقاتلي المقاومة الفلسطينية إلى الأماكن المفتوحة،الأمر الذي كان يؤدي الى سقوط المزيد من الضحايا في صفوف المقاومة.
إلا أن ما جرى في هذه الحرب كان مخالفا تماما للتوقعات الإسرائيلية، إذ تمركز رجال المقاومة الفلسطينية في أماكن بعيدة عن الأماكن المفتوحة، بهدف استدراج الجيش الإسرائيلي الى “حرب مدن” ومعركة استنزاف طويلة مع الجيش الإسرائيلي.
– استخدمت المقاومة الفلسطينية أسلحة جديدة في المواجهة مع قوات الاحتلال مثل صواريخ “غراد” الروسية الصنع التي تم زيادة حشوتها الدافعة لتصل الى مدى ابعد داخل إسرائيل.
وقد استخدمت المقاومة أيضا أسلحة جديدة مضادة للدبابات، وكذلك أسلحة مضادة للطائرات، لكنها لم تستخدم بغزارة ربما بسبب عدم وفرتها لدى المقاومة الفلسطينية.
هذه الأسلحة ليست جديدة عملياً، بل عاصر بعضها الحرب العالمية الثانية مثل صواريخ “غراد” الروسية من عيار 122 ملم، لكنها جديدة على ساحة الحرب في غزة، وتم شراء معظمها من مخلفات حرب عام 73.
وقد حرصت إسرائيل عبر وسائل إعلامها على تضخيم قوة المقاومة الفلسطينية بهدف تبرير جرائمها ومجازرها ضد المدنيين الفلسطينيين التي حصدت أرواح أكثر من 1400 شهيد و5500 جريح، ودمرت 4000 منزل تدميرا كاملا، إضافة الى 24000 منزلاً أصبحت آيلة للسقوط بفعل استخدام الجيش الإسرائيلي القنابل الارتجاجية والحارقة.
أخطاء “حماس”
رغم الصمود الأسطوري وملاحم البطولة التي سطرها مقاتلو غزة وأطفالها وشيوخها ونساؤها في مواجهة العدوان الإسرائيلي، إبان حملة “الرصاص المصبوب”، فان الضرورة الموضوعية تقتضي الحديث عن الثغرات والأخطاء الفلسطينية التي وقعت إبان الحرب، من اجل الاستفادة منها وتجاوزها في المرات المقبلة، وهذه الأخطاء يمكن تلخيصها بـ:
1 – سوء تقدير الموقف من قبل قيادة “حماس” التي كانت تعتقد حتى لحظة بدء الهجوم الإسرائيلي على غزة، أن الحكومة الإسرائيلية لن تقوم بشن هجوم واسع، وهذا الاعتقاد الخاطئ أدى الى حالة من الارتخاء العسكري خاصة في مواقع الشرطة التي خسرت العديد من قادتها وضباطها وجنودها إبان الضربة الجوية الأولى.
2 – توتير العلاقة مع مصر، التي تعتبر بوابة غزة الى العالم الخارجي وعمقها الاستراتيجي الطبيعي، وكان يمكن هذه العلاقة لو كانت سليمة وصحية أن تخدم صمود أهل غزة.
3 – انفراد حركة “حماس” بالقرارات دون التشاور مع الفصائل الفلسطينية الأخرى، وخاصة إعلان وقف النار من قبل المقاومة، ومحاولة احتكار المقاومة ونتائج ملحمة الصمود الفلسطيني واستثمار نتائجها.
إن انتصار غزة جاء نتيجة صمود جماعي فلسطيني وجهد وطني عام، شارك فيه الشيوخ والأطفال والنساء الى جانب المقاتلين، وبالتالي يجب استثمار نتائج هذا الصمود من اجل استنهاض الوضع الفلسطيني، والسير قدما نحو تحقيق المصالحة الوطنية الفلسطينية، والخلاص من حالة الانقسام التي تمر بها الساحة الفلسطينية، تلك الحالة التي شجعت إسرائيل على التمادي في عدوانها ومجازرها ضد الشعب الفلسطيني.
ان الوحدة الوطنية التي تجلت في ميدان المعركة بين مقاتلي “كتائب عز الدين القسام” و”كتائب شهداء الاقصى” و”سرايا القدس” و”كتائب المقاومة الوطنية” و”كتائب ابو علي مصطفى”، يجب ان تشكل حافزا قويا من اجل استمرار الجهود المخلصة لتحقيق المصالحة الوطنية الفلسطينية واستعادة الوحدة، والخلاص من حالة الانقسام الشاذة التي تعيشها الساحة الفلسطينية، لأن الوحدة هي صمام أمان القضية، وهي الدرع الذي يحمي المكتسبات الفلسطينية، وهذا الانتصار الكبير الذي حققه شعبنا بفضل صموده وتضحياته ودماء شهدائه.