الرئيسية » مقالات » انتصارات إلهية أم كوارث؟

انتصارات إلهية أم كوارث؟

تتميز اللغة العربية عن غيرها من اللغات بقدرة المتحدثين بها على التلاعب بالألفاظ والمفردات وتسمية الأشياء عكس مضامينها، مثلاً يسمون النجاسة طهارة. وتسمى هذه الخاصية في اللغة العربية بالكناية. وبذلك يستطيع القادة السياسيون ومن يؤيدهم من الإعلاميين خدع الجماهير العربية عن طريق التلاعب بالمفردات بتحويل الهزائم في الميدان إلى انتصارات عظيمة في الكلام والإعلام. وعلى هذا الأساس يسمون أسوأ هزيمة لهم بـ”النصر الإلهي”.

إن صاحب براءة الاختراع لتعبير “النصر الإلهي” بامتياز هو السيد حسن نصر الله، زعيم حزب الله اللبناني، الذي اخترعه بعد هزيمته المنكرة في الحرب التي شنتها إسرائيل على لبنان بعد أن تحرش نصرالله بها وبأوامر من أسياده في إيران ودمشق، وتسبب في إنزال الكوارث الهائلة على الشعب اللبناني، وكانت حصيلتها خسائر في الأرواح قدرت بأكثر من 1300 قتيل، وثلاثة آلاف جريح ومئات الألوف من المشردين، وخسائر كبيرة في الممتلكات قدرت بـ 15 مليار دولار. ولكن وكما كان متوقعاً في مثل هذه الحالات، طلع علينا السيد نصرالله معلناً “النصر الإلهي” على إسرائيل “المهزومة”، فصدقته الجماهير العربية وخرجت تصفق له في مظاهرات صاخبة، والويل والثبور لمن ينكر هذا “النصر المبين”. ولكن ولحسن الحظ، أن نصر الله نفسه اعترف بعد أيام من إعلانه النصر الإلهي، قائلاً: ” لو كنا نعتقد، ولو بنسبة واحد بالمئة، أن خطفهما (الجنديين الإسرائيليين) سيؤدي إلى ذلك لم نكن لنقدم بالتأكيد على هذا الفعل”. وفعلاً، كان ذلك درساً بليغاً لنصرالله وحزبه، فمنذ تلك الكارثة، ونصر الله لم يجرأ بالقيام بأي تحرش بإسرائيل، وبذلك كانت تلك الحرب الكارثية هي آخر الحروب بين لبنان وإسرائيل.

وكنا ندعو الله تعالى أن لا نرى هذا النوع من النصر الإلهي ثانية، وأن تكون منظمة حماس، حليفة حزب الله، قد تعلمت الدرس من أخطاء الآخرين، ولكن مع الأسف الشديد، لا حياة لمن تنادي. إذ ما أن انتهت فترة التهدئة بين إسرائيل وحماس، حتى ورفضت الأخيرة تجديدها لفترة أخرى، فبدأت بإطلاق الصواريخ العبثية على إسرائيل، “بقصد استفزازها فقط” على حد تعبير خالد مشعل، زعيم حماس، القابع في دمشق، وكأنه للمرة الأولى يتعامل مع إسرائيل، وأنه كحليف لنصرالله، لم يعرف مدى رد الفعل الإسرائيلي العنيف في هذه الحالات.

وبعد 22 يوماً من القصف الإسرائيلي على مليون ونصف المليون من سكان غزة المغلوب على أمرهم، وكما كان متوقعاً، طلع علينا الشيخ إسماعيل هنية، رئيس الوزراء الحمساوي المُقال، يوم 18/1/2008 ، وبالضبط على طريقة حليفه نصرالله، معلناً “النصر الهي” الثاني.

فماذا يعني النصر الإلهي على أرض الواقع وبلغة الأرقام والحقائق كما أوردتها مؤسسة بي بي سي العربية في تقرير لها بعنوان: (حرب غزة : حقائق وارقام ):
الحرب دامت 22 يوما، عدد القتلى في الجانب الفلسطيني: 1203 (وفقا لوزراة الصحة التابعة لحكومة حماس المُقالة) (وفي تقرير آخر للبي بي سي أن عدد القتلى الفلسطينيين 1315.) عدد الأطفال من بين هؤلاء القتلى: 410. عدد القتلى المدنيين حتى الـ14 من يناير/ كانون الثاني: 698 ( وفقا لمركز حقوق الانسان الفلسطيني).
العدد الاجمالي للقتلى الاسرائيليين:13، عدد العسكريين الإسرائيليين القتلى:10، العسكريين الاسرائيليين الذين قتلوا بنيران صديقة:5، عدد القتلى جراء الصواريخ الفلسطينية في اسرائيل:4 ( 3 مدنيين، و1 عسكري). ( المصدر: وزارة الدفاع الإسرائيلية).
عدد سكان غزة: 1.5 مليون. ( وفقا لبيانات الأمم المتحدة). عدد من فروا من منازلهم ولجأوا الى مدارس اللاجئين التابعة للأمم المتحدة: 45 الفا. عدد المواقع التي استهدفتها نيران القوات الإسرائيلية البرية والجوية والبحرية، ومن بينها المباني ومواقع إطلاق الصواريخ: 4000 (المصدر: مكتب الإحصاء الفلسطيني). عدد الصواريخ التي أطقلتها حماس والفصائل على إسرائيل على مدى أيام الحرب: 778(المصدر: وزارة الدفاع الاسرائيلية). كما وأفادت الأنباء أنه تم تدمير نحو 50% من الأبنية في القطاع، و100% من الأبنية الحكومية.

هذه هي حصيلة الحرب التي أسماها إسماعيل هنية بـ(النصر الإلهي) وأضاف إليه الإنساني!!
ولا نجد هذا الإصرار على المغالطة والتلاعب بالألفاظ والضحك على الذقون إلا عند الأحزاب الإسلامية والقومية العربية، لغة خير أمة أخرجت للناس التي لا تعترف بالهزائم.

والنتيجة أن حافظت إسرائيل على نسبة الضحايا، أي مقتل إسرائيلي واحد مقابل مائة فلسطيني، يا بلاش، ما أرخص حياة الإنسان العربي في هذا الزمن الرديء. وهذا يدل على وحشية وهمجية إسرائيل من جهة، وغباء قيادة حماس واسترخاصها لأرواح أبناء شعبها وعدم الاهتمام بحياة الإنسان كقيمة مطلقة في هذا الوجود، من جهة أخرى. ومن هنا نعرف أن الشعب الفلسطيني في غزة واقع بين سندان حماس ومطرقة إسرائيل، يتلقى الضربات من كل جانب ولا حول له ولا قوة.

والأدهى من ذلك ، وبعد كل هذه الكوارث التي حلت بأهل غزة، وكما أفادت الأنباء أن الرئيس السوري بشار الأسد قدم، وبدون أي خجل، التهنئة إلى خالد مشعل بانتصار المقاومة في غزة على إسرائيل، إثناء لقائه بوفد من حركة حماس.. كما وأعـرب أعضاء الوفد عن تقديرهـم العالي لسوريا، قيادة وشعباً، لدورها الكبير في تحقيق النصر في غزة. (الشرق الأوسط، 25/1/2009). ولا أدري ما هو الدور السوري في هذا النصر، إن كان هناك ثمة شيء يسمى بالنصر!!

وكما أكدنا في مقال سابق لنا، أن (انتقادنا لحماس لا يعني تأييداً لإسرائيل)، نود أن نضيف هنا أن رد الفعل العالمي في إدانة إسرائيل، على ما ارتكبته من جرائم بشعة ضد الشعب الفلسطيني، هو تعاطف مع الشعب الفلسطيني وليس تأييداً لحماس. وعلى سبيل المثال لا الحصر، لم يشر بيان « مجلس جامعة الدول العربية على مستوى القمة المنعقدة في دولة الكويت بتاريخ 19-20/1/2009،..» أي ذكر لحماس، كذلك ما قاله النائب العمالي البريطاني، جيرالد كوفمان، في مجلس العموم، في كلمة له أدان فيها إسرائيل بشدة، ووصف جرائمها بحق الشعب الفلسطيني بما ارتكبته النازية الألمانية من جرائم الهولوكست ضد اليهود في الحرب العالمية الثانية، إلا إنه في نفس التصريح وصف حماس بأنها منظمة شريرة.

الدروس والعبر
وبعد كل هذه الكوارث التي وصفت بـ “الانتصارات الإلهية” التي حلت بالشعب الفلسطيني نتيجة الأخطاء الكارثية لقيادة حماس، ندعو هذه القيادة إلى استخلاص الدروس والعبر التالية من هذه الأخطاء:
1- يجب على حماس أن تحذو حذو حليفها حزب الله بعد كارثة حرب عام 2006، حيث تعلم نصرالله الدرس فتعهد بعدم تكرار الغلطة ثانية، وأنه سوف لن يستفز إسرائيل مرة أخرى. وعليه نتمنى أن تكون هذه الحرب بين حماس وإسرائيل هي الأخيرة أيضاً، وأن تجنب قيادة حماس الشعب الفلسطيني من هذه الكوارث أو “انتصارات إلهية”.
2- مرة أخرى نطالب قادة حماس أن يبلغوا سن الرشد ويتخلصوا من مرض المراهقة السياسية، ونؤكد لهم أن السياسة فن الممكن، وليس الإقدام على المغامرات وتعريض الشعب الأعزل إلى حروب غير متكافئة، وغير محسوبة العواقب. إذ تقول الحكمة (مجرم من يخوض حرباً دون أن يكون قد استعد لها بما فيه الكفاية). فحتى الإسلام لا يقر لهم ذلك وفق النصوص المقدسة، إذ كما جاء في القرآن الكريم: “ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة”، وفي مكان آخر يقول: “لا يكلف الله نفساً إلا بوسعها”. وفي جميع الأحوال، هناك حلول سلمية موجودة، أقرتها محافل ومؤتمرات دولية ووافقت عليها القيادة الفلسطينية برئاسة الراحل ياسر عرفات، والرئيس الحالي السيد محمود عباس.
3- وبعد كل هذه الكوارث، نالت القضية الفلسطينية دعماً عالمياً، مما يوجب على قيادة حماس الاستفادة من هذه الفرصة وما حصل في العالم من مستجدات مثل: انتخاب الرئيس أوباما في أمريكا، والذي أبدى استعداده لحل هذا الصراع من الأسبوع الأول من رئاسته، ومن مبادراته أنه قام بتعيين السيد جورج ميتشل مبعوثاً له في الشرق الأوسط، وهو صاحب خبرة واسعة في هذا المجال، حيث قام بالمهمة ذاتها عام 2000 في عهد الرئيس كلينتون، إضافة إلى خبرته في حل مشكلة أيرلندة الشمالية.
4- قيادة حماس مطالبة بإعادة النظر في حساباتها والتخلي عن السياسات الطائشة والأهداف الخيالية غير القابلة للتحقيق، مثل تحرير الأرض من النهر إلى البحر، ومحو إسرائيل من الخارطة كما يردد الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، السياسة التي خدمت إسرائيل وأضرت بالقضية الفلسطينية العادلة كثيراً. لذا على حماس أن تحذو حذو منظمة فتح بإتباع سياسة واقعية وذلك بالاعتراف بإسرائيل وبالقرارات الدولية ومنها اتفاقية أوسلو ومبدأ قيام الدولتين تتعايشان بسلام. إن تصريحات إسماعيل هنية “لن نتراجع حتى ولو أبادوا غزة بأكملها”! هي ليست تصريحات قائد سياسي متزن يشعر بالمسؤولية، بل تصريحات تدل على العدمية لا تخدم القضية الفلسطينية في شيء.
5- أن تعيد حماس النظر في تحالفاتها مع محور إيران- دمشق- حزب الله، فهذا المحور محكوم عليه بالفشل الذريع وسيجلب المزيد من الكوارث على شعوب المنطقة وبالأخص الشعبين الفلسطيني واللبناني.
6- العمل على وحدة القيادة الفلسطينية، بقيادة الرئيس محمود عباس، فالعالم لا يستطيع التحدث مع عدة قيادات متناقضة للشعب الفلسطيني عن قضية واحدة. لذا فعلى حماس أن تدرك أن سياساتها السابقة قادت إلى الفشل وإلى المزيد من الكوارث على الشعب الفلسطيني. لقد حان الوقت لأن تحل السياسات العقلانية محل السياسات الصبيانية العبثية، في حل هذه القضية المزمنة التي باتت تهدد أمن وسلامة شعوب المنطقة.