الرئيسية » مقالات » موت القراءة في زمن الكتاب

موت القراءة في زمن الكتاب

يعتبر الكتاب أول مقياس يقاس به عقل الإنسان وتطور معرفته عبر الزمان، بل يتعدى ذلك إلى إعتباره الصديق الوفي في الشدائد والمصاعب اليومية، يقتل الملل والتعب اللذين يلحقان بالإنسان جراء الروتين اليومي من عمله المتواصل. وهو بكثرته وتنوعه يعرف مدى تطور أمة من الأمم وتقدمها الفكري والثقافي وإنتاج العقول النيرة والنابغة لتدبير شؤونها المختلفة وتمثيلها أحسن تمثيل في المحافل الدولية. فهل حقا نولي أهمية متميزة للكتاب عندنا؟ وهل أصبح الكتاب حقا ذلك الصديق الذي لا يمكننا أن نتخلى عنه أو يتخلى عنا مهما حصل؟ وماذا يمكننا أن نفعل تجاه ضعف القراءة ومصاحبة الكتاب عند شبابنا وكل مكونات مجتمعنا بصفة عامة؟.
وها نحن نلاحظ بأم أعيننا أن الأمية مازالت مستشرية بيننا بنسبة كبيرة، حتى كادت تغمر نخبنا هي الأخرى، ونرى الأمم الأخرى تجتهد في الدفع لمحو ضعف القراءة والأمية الثقافية بين أفراد مجتمعاتها، حتى صارت تتبنى خطوات جبارة في الإنتاج الثقافي والفكري تارة، وتارة أخرى في توزيع الكتب بالمجان على فئات المجتمع كلها، فأين نحن من هذا كله؟ وأين نحن من المبادرة التي أطلقتها الحكومة المصرية في توزيع قواميس لبعض اللغات على المواطنين مجانا؟ أمازلنا مكتوفي الأيدي أمام مبادرات بسيطة غير مكلفة كهذه؟ وماذا تفعل المؤسسات الحكومية عندنا والأمية تنتشر بجلاء بين مكونات مجتمعنا؟ وماذا فعل قطاع التعليم والتربية عندنا، والإصلاح قد سلخ سنوات من عمره دون أن يخطو ولو خطوات قليلة في هذا الإطار؟.
فالكتاب هو سيرورة الحياة، هو انتصار الأمة على متاعبها ومشاكلها العالقة، هو خلق الطاقات الإبداعية المختلفة الأفكار والمشارب، هو السلام المهيمن على الجميع، هو عنوان الحب والسلم والبقاء، هو معرفة الطريق الصائب لرسم سياسات طموحة واكتشاف حقائق بناء المستقبل على أرض صلبة يانعة. فأين نحن من كل هذا؟ وماذا فعلنا لكي نجعل الكتاب عندنا هو عنوان هذه الطموحات؟.
فما هو الكتاب إن لم يكن قادرا على تغيير مسار الظلمة التي نسير فيها؟ وما هو الكتاب إن لم ينقذ الجاهلين من جهلهم والمتطرفين من تطرفهم وظلمهم، وإن لم يبق على حياة شباب ضيعوا حياتهم وأرواحهم وراء السراب وهم يلقون بأجسادهم في الجحيم؟ والعيب لا يقع على الكتاب هكذا دون وجود يد خفية ترسم له طريق الإغراء والبطش، فالعيب كله يقع على بعضنا المتكاسل في القيام بمسؤوليته التي وضعت على عاتقه. فالدور الثقافية المتنوعة إما غارقة في العطالة، وإما توقفت أوراش البناء فيها، وإما أصبحت ملاذا للمتسكعين والمتشردين يقضون فيها مآربهم…لقد صار عنوان الثقافة عندنا ملاذا للتبول وممارسة الشعوذة والفساد، ولعل أكبر مثال على ذلك ما يقع ببعض جور الثقافة ببعض المدن المغربية. فبعد الاعتداءات على المدارس ومكوناتها، أصبح التحرش على دور الثقافة يأخذ طابعا جديدا كما وضحنا سالفا، فماذا وضع المسؤولون ضمن نظرتهم لتجاوز هذا الوضع المتردي المستمر؟.
إنني عندما أطيل النظر في بناية ثقافية، سواء كانت مسرحا أو مكتبة أو دارا للثقافة، وأرى الموت ينتشر فيها، ويمد الظلام أجنحته السوداء على جدرانها، تدور بي الدنيا فيحصل لي كما يحصل لكل إنسان له غيرة على العلم والثقافة، وها نحن نرى الأمم الكثيرة تجتهد في نشر ثقافتها ولغاتها بكل الوسائل المتاحة، حتى تتمكن من فرض ذاتها داخل القرية الكونية التي أصبحت أسيرة العولمة المتوحشة بين عشية وضحاها. فأين وصلت ثقافتنا في عالميتها؟ وماذا حضرنا من الوسائل والظروف لنتبوأ مثل هذه المكانة الرفيعة بين باقي الأمم؟.
وإذا تتبعنا الحركة الأدبية والفكرية بالمغرب مثلا، سنجد أنها بخير والحمد لله، لكنها لا ترقى إلى مستوى الطلب للقراءة، بمعنى أنها لاتصل إلى يد القاريء بالكيفية التي يجب أن تصل إليه، وذلك راجع لسببين هما: تماطل دور النشر والتوزيع في تسويق الكتاب بكيفية كبيرة تصل إلى كل قاريء حتى ولو كان في الأدغال أو أعالي الجبال، والسبب الثاني هو ضعف القراءة لدى المجتمع المغربي بكل شرائحه وعدم قابليته على إدمان الكتاب ومصادقته في كل زمكان.
ولعل هذين السببين كافيين لنقول أن الكتاب أصبح يتيما داخل مجتمعنا وحقيرا ومحقورا أمام متطلبات الحياة الأخرى الضرورية والثانوية والمتجاوزة، فأصبح الفرد منا ينفق أموالا طائلة في البارات والمقاهي والليالي الملاح ولا يستطيع بالمقابل أن يخصص جزءا ولو يسيرا من أمواله في شراء كتاب أو أكثر ينفعه في حياته وينير له طريق الرشد والهداية.
إن هناك سنوات تمر بلا حساب، وطاقات تهدر، ومستقبلا يضعف ويعرض للنهب والضياع دون أن نضع اليد على الجرح الغائر الذي نعانيه ويعانيه تفكيرنا الخالد للراحة. بالطبع، هناك آفاق مفتوحة لبعض النخب للقراءة ومتابعة جديد الإصدارات ومراقبة الإنتاج الفكري والأدبي الوطني والعالمي. لكنها تبقى محدودة ومحصورة في فئة مجتمعية موسرة لها جميع الإمكانيات لتحقيق التفوق النوعي على باقي مكونات المجتمع الأخرى الطاعنة في الفقر والجوع والجهل والعطالة الفكرية… 

كاتب مغربي