الرئيسية » مقالات » اطفالنا بين مرارة الواقع و . . الوعود الانتخابية ! ـ 1 ـ

اطفالنا بين مرارة الواقع و . . الوعود الانتخابية ! ـ 1 ـ

ان المزاج النفسي الاجتماعي الذي خلفته الحروب على الاطفال تحديدا في العراق ، شكّل ارضية خصبة للانحراف نحو الجريمة ..فالمزاج متهور , حاد وقاسي جدا حتى في اللعب واختيار الالعاب … الكل متدرب على السلاح …لايهم ان كان السلاح بلاستيكي ام حديدي ام كاتم حقيقي …..! …المهم ان السلاح في متناول الكل والحصول عليه اسهل بكثير من الحصول على قطعة خبز او علبة شكولاتة …
انظروا الى اطفال العراق وتمعنوا في وجوههم جيدا …انها لكارثة حقيقية … فاجعة اليمة …سلوك قاسي لايوصف …اطفال في عمر الزهور يقلدون الوحوش في ممارسة النهب والسطو والقتل والاختطاف …. نعم انهم اطفالنا في العراق ….جيل الغد ..
انهم القسم الأكثر حيوية في المجتمع ، يستشري فيهم الشعور بالضياع … لا … بل ضاعوا و يضيعون في وطنهم الذي اصبح فيه القتل والتهديد وجزالرؤوس والنهب والفرهود والجريمة سيد الموقف ….. ان هذا المنظر المؤلم حقا هو مظهر اخر من مظاهر ازمتنا المتفاقمة في عراقنا الجديد …عراق ما بعد الدكتاتورية …
فاطفالنا مايزالون يعيشون في ظروف ماساوية يحاصرهم الارهاب والمفخخات والقتل الذي ابتدأ و لم يتوقف منذ شباط الاسود 1963 . . وتصاعد حتى يومنا هذا . فهؤلاء الابرياء عاشوا تحت اكثر من ثلاثة عقود من القمع البعثي الذي سرق طفولتهم في سوق العمل الذي ادخلوا فيه قسرا وهم في عمر الزهور , ناهيك عن التسول والتشرد وفقد اولياء الامور بسبب الحروب والقادسيات الخائبة وام المهازل والمهالك وحماقات كثيرة اخرى لاتعد ولاتحصى …..
فحتى بعد السقوط النظام البعثي الذي جثم على صدورنا كما مرّ ، لم يتغيّر وللاسف شيء , فمازالت السرقة مستمرة ـ اقصد تحديدا وفي هذه المقالة ـ سرقة وفرهود طفولة اطفالنا ذاتهم …حيث لا تعليم ولا صحة ولا ترفيه ولا ثقافة ….لاماء ولا كهرباء ولا ساحات لعب ولا حدائق .. ولا ولا ….الخ …….
نعم …ان اطفالنا اليوم هم نتاج قيم فرضها النظام البعثي الفاشي ويفرضها اليوم الارهاب الاسود في نفوسهم ، فحتى العابهم اصبحت مسدسات و سيوف بلاستيكية وهم يقلدون ما يروه يوميا من القتل , السرقة , السطو , الاغتصاب , الخطف والانفجارات والمفخخات و التي انطبعت في اذهانهم وتركت تاثيرها السلبي عليهم كشريحة اكثر تضرراً من كل مايجري في عراقنا اليوم ……
لايكاد يمر يوم دون ان نسمع اخباراً جديدة يذهب ضحيتها العشرات من اطفالنا الذين يركضون وراء لقمة عيش عوائلهم ….نعم جرائم ترتكب في عز النهار وامام انظار الناس في الاسواق الشعبية والشوارع والاحياء الفقيرة والمطاعم وفي الاعياد والمناسبات تحديدا ….
ان اطفالنا في عراق اليوم …يعيشون منعزلين , خائفين , لايثقون حتى باقرب الاقربين , فهم محرومون من كل سمات الطفولة … تقول وزارة العمل والشؤون الاجتماعية العراقية حسب تقاريرها في عامي 2007 ـ 2008 بان هناك 4.5 مليون طفل في البلاد فقدوا والديهم او احدهما منهم 500 الف تُركوا ليعيشوا في الشوارع ، ولايقيم في دور الايتام الحكومية سوى 459 يتيما فقط …..!!
وحسب ماجاء في تقرير لليونيسيف UNICEF في ديسمبر 2007 والتي حذرت ان ما يقرب من ( 500000 ) ـ نصف مليون ـ طفل عراقي حاليا في حاجة للعلاج النفسي العاجل بسبب صدماتهم العصبية ومعاناتهم , فان الاضطرابات العقلية المرئية في الاطفال العراقيين تتضمن القلق والاكتئاب والاضطرابات السلوكية , بالاضافة الى الكوابيس والبكاء , اضافة الى امراض الوسواس القهري والفصام … وقد تستمر مع الاطفال مدى الحياة , اذا لم يتم التع
امل معها طبيا ……..
و ذكرت المنظمة في تقاريرها أن أطفال العراق هم الأكثر حرماناً في الشرق الأوسط , وركزت على ان ” في دول مثل جيبوتي، العراق، السودان واليمن . . تقترب وفيات الأطفال كثيراً من المستويات العالية لسوء التغذية، الأفتقار الى إمكانية الحصول على الخدمات الصحية ونقص التعليم لدى الأم. و ان التكاليف الباهضة للحروب والصراعات بالترابط مع سقوط الضحايا والتهجير، الهروب من السكن وتراجع عملية التنمية، كلها تكون في مستوياتها العالية، كما هي واضحة في العراق ، (الأراضي الفلسطينية المحتلة) والسودان.” ( راجع تقارير المنظمة لعام 2007ـ 2008 , و التقارير والاخبار الصوتية في موقع اذاعة الامم المتحدة ومركزانباء الامم المتحدة) ……..
التي اوردت فيها مايقوله السيد فولفيانغ فريدل ( Wolfyang Fridl ) الموظف المسؤول عن ارتباط اليونيسيف في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا : ” ان الصراع، الفقر الشديد وقلة الاستثمارات في مجالات الخدمات الاجتماعية – المتضمنة : الصحة، التعليم، المياه الصالحة للشرب – هي عدد من المسببات الرئيسة لارتفاع معدلات وفيات الأطفال في الدول المتورطة بصراع عميق و/ أو تخلف التنمية.” و يضيف : ” أن الفقر، الأمية، سوء التغذية والأمراض، تُشكل الحلقة المفرغة vicious circle والتي تؤذي الأطفال وتسبب هلاكهم .” وقد جاء التقرير بصفحاته ألـ 160 بعنوان : ” حالة أطفال العالم عام 2007 ” حيث صُنّف العراق ضمن الأسوأ بين 33 دولة في هذا المجال، وذلك في سياق مسح دولي لـ( 190) بلداً………
كما حذرت السيدة ( فاتن عبدالقادر الناصري ) رئيسة ” منظمة الطفولة ” في محافظة صلاح الدين من الاثار السلبية للاحداث الامنية على نفسية الطفل العراقي ومستقبله , مشيرة الى ان لدى منظمتها ارقاما مخيفة عن المشكلات النفسية وانحرافات السلوك التي يعانيها الاطفال العراقيون جراء العنف … وقالت ايضا بان الطفل العراقي محروم من ابسط الحقوق و ارجعت الاسباب الى ماعاناه العراق من حروب ونزاعات ….( راجع التقرير في موقع جمعية المراة العراقية والبيت الثقافي العراقي في السويد )….
كما يكشف تقرير دولي صادر عن الشبكة الموحدة للاعلام الاقليمي حول الشؤون الانسانية التي تعمل مع الامم المتحدة عن ظاهرة الإستغلال الجنسي للاطفال في ظل انسداد الافاق وتردي الوضع الامني وفقاً لتقرير أصدرته الشبكة بالتعاون مع الأمم المتحدة جاء فيه ” يعاني أطفال الشوارع في العاصمة العراقية، بغداد، الجوع كما يتعرضون للاستغلال الجنسي خلال سعيهم الدؤوب لتحصيل لقمة العيش، ويعزى ذلك إلى انتشار الفقر المدقع وارتفاع معدلات البطالة. وكشف تقرير الشبكة عن مئات العائلات التي وجدت في تجارة الشذوذ الجنسي لدى الأطفال مورد معيشة لها ، في ظلّ انسداد الآفاق وتردي الوضع الأمني بالعراق ، على حد وصف التقرير . (راجع تقرير الشبكة الموحدة للاعلام الاقليمي حول الشؤون الانسانية لعام 2007 ) .
من ناحية اخرى اعلنت المنظمة الدولية لمراقبة تهريب المخدرات في 12 / ايار الماضي في مقر الامم المتحدة في (فيينا )بان العراق على وشك ان يصبح محطة انتقالية (ترانزيت) لنقل الهيرويين المصنع في افغانستان الي اوروبا عبر ايران . ماعدا الفساد الإداري والنهب منظم …….

نعم اتفق مع كل الذين يقولون بان النظام البائد اتلف كل ما هو انساني وشوّه كل القيم وقتل كل شيء جميل في بلادنا . . فحتى رمال الصحراء لطخت بدم الابرياء واصبح العراق يطفوا على المقابر الجماعية وان 35 عاما من الارهاب والقتل شوهت جيلا وخلفت امراضا وعقدا نفسية مزمنة لكل ذلك ولاسباب كثيرة متنوعة اخرى نحتاج لسنوات وسنوات لاعادة تاهيل الفرد العراقي ، لان من جرد من طفولته وذبل اجمل ايام عمره في محارق الموت والمعسكرات التدريبية وعاش في العزلة القاتلة . . بحاجة الى وقت طويل ضروري لاعادة التاهيل بكل معنى الكلمة …
كما لا يمكن ان ننسى دور النظام البائد في المتاجرة بدماء الاطفال ونتذكر المشاهد الاستعراضية الجنائزية في شوارع العاصمة ناسيا دوره هو في تحطيم كيان الاسرة العراقية ماديا ومعنويا من خلال حروبه وحماقاته وغزواته وانفالاته الداخلية والخارجية وسياسة الاستبداد الدموية واضطهاده الشوفيني …..بالاضافة الى الحصارالدولي الذي دام اكثر من 13 سنة . .

يتبع