الرئيسية » مقالات » الانسحاب الامريكي المُعجّل.. بهدوء

الانسحاب الامريكي المُعجّل.. بهدوء

في الجدل حول مصير القوات الامريكية في العراق على ضوء استلام الرئيس الامريكي الجديد باراك اوباما لمهامه الاسبوع الماضي ثمة ثلاثة عناصر مهمة، الاول، ما اذا سيتخذ اوباما (حقا) قرارا استباقيا بالانسحاب، والثاني، مصلحة العراق واوضاعه الامنية في حال الانسحاب المسبق، المفاجئ (من طرف واحد) والثالث، مكان الاتفاقية الامنية في القرار الاستباقي. اما في حال تأكيد الادارة الجديدة(النهائي) على استمرار التزام الولايات المتحدة بالتوقيتات السابقة، فان مثل هذا الحديث، وكل الاستطرادات الاخرى، يصبح مضيعة للوقت في ابسط تفسير له.
لا ينبغي، من وجهة نظري، استبعاد (احتمال) ان يتخذ الرئيس اوباما لقرار الانسحاب المسبق، وفق الدستور الامريكي، او ما تتيحه نصوص (وروح) اتفاقية الانسحاب، او اللتزام بالوعود التي قطعها للناخب الامريكي، وهذا ما يلزم ان يعيه المحلل الموضوعي، وقبل هذا، ان تعيه النخب العراقية التي تمسك بدفة الحكم، والجهات الامنية بالمقام الاول، وحسنا فعل وزير الدفاع حين اعلن(منذ يومين) عن استعداد العراق للتعامل مع احتمال الانسحاب المفاجئ للقوات الامريكية من العراق، بصرف النظر عما كان هذا التصريح يتطابق حقا مع اهلية القوات الامنية العراقية للنهوض بهذه المهمة الثقيلة.
وبكلمة، فان الانسحاب المسبق، ربما في غضون الشهور الستة المقبلة وارد، واضمُ صوتي الى الذين يتوقعون اعلان قرب الانسحاب (او برمجة امريكية للانسحاب) في اية لحظة، اخذا بالاعتبار بان الرئاسات الامريكية السابقة اتخذت مثل هذا القرار في فيتنام ولبنان والصومال، ولا يصح (إلا جزئيا)الاعتقاد دائما بان مسألة الطاقة وسوق البترول، او الالتزامات الاخلاقية والوعود التي سربت الى السياسيين العراقيين، تحول دون اتخاذ قرار كان قد نوّه اليه اوباما كثيرا، قبل انتخابه، حتى صار كما لو انه الالتزام الاول الذي جاء به الى البيت الابيض.
واحسب، ثانيا، بان الانسحاب وفق توقيتات معجّلة سيكون، في المدى البعيد، في مصلحة العراق، وحصرا، في مصلحة التغيير وبناء الدولة الاتحادية الديمقراطية القوية والموحدة. اقول، في المدى البعيد، دون ان يتجاهل المراقب احتمالات اندلاع صراع قد تفتحه اطماع اقليمية، او خلايا الارهاب المستورد، او فلول النظام السابق، او مليشيات مشطوبة، لكنه(في حال اندلاعه) سيتبلور الى صراع بين خيارين: الحرب الاهلية او السلام الاهلي، الزمر الاجرامية او الملايين الآمنة، الردة الى دوامة العنف او المضي الى البناء ودولة القانون. واعتقد ان من على جسر هذا الصراع سيعبر العراق مرحلة الانتقال الى الدولة المستقرة.
من جهة أخرى فان الاتفاقية الثنائية بين الولايات المتحدة والعراق لن تمنع الرئيس اوباما من اتخاذ قرار الانسحاب المعجّل، فهي تحمل في ثناياها مفاتيح هذا القرار باتاحة حق تكييف الالتزامات (بالاتفاق بين الجانبين) وبمعنى آخر، فان الانسحاب المفاجئ لن يعطّل الاتفاقية الثنائية، كما لم يكن شن الحرب على العراق، قبل ست سنوات، قد عطّل ميثاق الامم المتحدة، او علّق التزامات الولايات المتحدة بنصوصه.. انها واحدة من معاني النظام القطبي العالمي الجديد، وقل العصر الامريكي.
ــــــــــــــــ
كلام مفيد:
“لا تتخذ حليفا لك ليس لديه شيء يخسره”.
مترنيخ
ـــــــــــــــــــ
جريدة(الاتحاد) بغداد