الرئيسية » مقالات » خطيب الجمعة والتحليل السياسي العالمي

خطيب الجمعة والتحليل السياسي العالمي

في زمن النظام الدكتاتوري كنت مع ثلة من الأخوة ننتقل من جامع لآخر ومن مسجد لثاني نستمع لخطب الأئمة ونلاحظ محتويات تلك الخطب…ولم يتجرأ أحد التدخل في الشأن السياسي ولا التطرق للأمراض الاجتماعية والاقتصادية كي تحسب مناهضة للنظام الجائر، مع أن البعض حاول بطريقة وأخرى مبطنة لكنه تعرض للسجن والتعذيب والتنكيل وحتى الموت.

بعد انتهاء الخطيب من خطبته كنا نحيطه ونتحدث معه عن أمور تهم الناس خصوصا سياسة الحكومة ومدى الظلم، وكنا نطالبهم ونحثهم لتناول هذه الأمور، وليس الاقتصار على أحكام الصلاة والصوم والوضوء وغيرها من الضروريات…وكما أن الدين عقيدة وشريعة كما نوه لها السيد القبنجي في خطبته الأخيرة حيث أنتقد بعض الفضائيات التي تعرضت بأنها قد أجرت استبيانات تشير أن أكثر العراقيين لا ينتخبوا الأحزاب الإسلامية وأنهم يتوجهون لانتخاب العلمانيين، وفسر السيد خطيب الجمعة في النجف أن العلمانية تعني عدم الإيمان بالدين أنه عقيدة وشريعة بل هي مجرد طقوس تؤدى في المسجد والجامع والبيوت، ولا دخل لها في السياسة.

لكنه قد نسى أو تنسى بأن تجربة العراقيين للأحزاب الإسلامية في الفترة الماضية قد حددت لهم كثير من الأمور. أن الأحزاب الإسلامية لم تنجز ما يلمسه المواطن ولم تغير من واقعه المزري بل زاد فقره وعوزه أكثر من ذي قبل، والذي تعرف عليه المواطن كثرة الفساد في أعلى المناصب. ولم تنجز مشاريع تغير بشكل إيجابي في احتياجات العراقي من مستلزمات الحياة الضرورية. ولا يمكن أن ينكر أحد أن السواد الأعظم من العراقيين يتبعون العواطف وتؤثر فيهم الشعارات الدينية وبالخصوص الحسينية…ومن له القدرة والاستطاعة الخروج عن عقيدة ترسخ منذ زمن طويل، وقد ضحى من أجلها ملايين من الناس وأن عنوانهم وأمامهم في التضحية سيد الشهداء الحسين أبن علي بن أبي طالب عليهما السلام.

وهذه الحدية في وضع العلمانيين في طرف الكفر فأنه يعلن تكفير من هو لا ينتمي لحزب إسلامي وبهذا يهدر دمه…فما هو مدى خطورة هذا الحديث. وهل صحيح أن العلمانيين والليبراليين العراقيين بعيدين عن الدين ولا يؤمنون بالله واليوم الآخر ولا يؤدون الفرائض…وإن فعلوا فهم كفرة على أي حال. مع أنني أعرف العديد من المنتمين للحزب الشيوعي على سبيل المثال لا الحصر أناس يؤدون الصلوات الخمس، وكثير من الليبراليين محبين لآل البيت ومشاركين في أغلب النشاطات الحسينية…وهو الحال لبقية العراقيين أصحاب الديانات الأخرى.

لكن، الشطر الآخر من خطبة السيد القبنجي كانت عن مستقبل أمريكا وتنبئه باندحار الولايات المتحدة الأمريكية على غرار تفسيره لخطاب أوباما. وهذا يعد طفرة نوعية في التحليل السياسي ليس فقط للواقع العراقي بل لسياسة العالم. وتركز كلماته على جزء بسيط من خطاب أوباما وأعطى تصوره، ولم يتطرق لباقي الخطاب الذي يقول عكس التصورات القائلة بأن أمريكا منهارة كما انهار الاتحاد السوفيتي من قبل عشرون عاماً.

المرجعية حثت على المشاركة في الانتخابات، ولكنها لم تؤيد طرف معين والسبب في حث المرجعية العراقيين للمشاركة في الانتخابات لأن الاستقراءات أشارة وبوضوح أن عدد المسجلين في مراكز الانتخابات قليلة، وهناك مناطق كان إقبال الناخبين أشد وأكبر من مناطق أخرى. والأمر الأهم هو الصراع بين القيادات السياسية وبالخصوص بين رأي السيد رئيس الوزراء نوري المالكي وأطراف عديدة حول قوة الحكومة المركزية وقوة المحافظات وإمكانية حكم نفسها بحرية ودون تدخل المركز في صميم شؤونها. وهو صراع حول المرحلة القادمة من تطبيق الدولة الفيدرالية وإنشاء الأقاليم أو الحكومة المركزية القوية التي يدعو لها السيد رئيس الوزراء…فيمكن تلخيص الصراع أنه بين حزب الدعوة الذي بدأ يشير إلى انسلاخه من الائتلاف الموحد والكتلة الشيعية والكتلة السنية قارب نهايتهما وبقى أمام الفكر المعتمد على أساس المواطنة وحب الوطن وتشر مفاهيم متطورة معتمدة على العلم والمعرفة ومحاربة الفساد بكل أنواعه في الانتخابات البرلمانية صاحب الحظ الأوفر…إذا لم تنشأ حزب أو حركة تكفيرية لكل ما هو غير إسلامي. وأن جميع أنواع وأشكال التطرف ينقرض مع الزمن.

والوعي العراقي العام سوف يتغير من خلق الأصنام البشرية والأحزاب لتعبد عوض أن تنتقد وتكون في موضع المسائلة…فأن كان في الماضي صنم واحد متمثل بالدكتاتور (صدام) فيقول الشارع العراقي أصبح الآن لدينا عشرات الأصنام، ولكن التضارب بينهم سيؤدي بالنتيجة الحتمية لانقراض الجميع ويبقى العراق لجميع العراقيين…والجيل القادم كفيل بإنتاج سياسيين محبين للوطن والشعب دون تمييز مذهبي أو طائفي أو قومي أو عرقي.

أنت أيها العراقي مسئول أمام الله وأهلك وضميرك لمن تعطي صوتك…تعرف على من تنتخبه هل هو صاحب قدرة إمكانية علم معرفة أخلاق وطنية…أم متلون حسب متطلبات الطبيعة المفروضة والحالة المزرية.

المخلص

عباس النوري

2009-01-24