الرئيسية » مقالات » جولة جديدة من النقاش الفكري والسياسي مع السيد سلامة كيله (4)

جولة جديدة من النقاش الفكري والسياسي مع السيد سلامة كيله (4)

من يتسنى له قراءة برنامج الحزب الشيوعي العراقي خلال الفترة التي قاد فيها فهد الحزب , سيجد أن نضال الحزب قد توجه صوب التخلص من الاستعمار غير المباشر والعلاقات الإنتاجية شبه الإقطاعية وفي سبيل الحريات الديمقراطية وتطبيق بنود الدستور وإقامة صناعة وطنية واستخدام الثروة لصالح الاقتصاد الوطني والمجتمع وتحسين مستوى حياة ومعيشة الفلاحين والعمال والكسبة ..الخ. ولم يكن في شعارات الحزب ما يدعو إلى الاشتراكية , بل لم يطرح الحزب شعار إسقاط الملكية , بل كان النضال يتم في إطار النظام الملكي الدستوري. واستمر هذا النهج لاحقاً إلى حين طرح الحزب في فترة قيادة بها الدين نوري (باسم) للحزب شعار جمهورية شعبية وإسقاط الملكية حين تردد شعار غريب “بس تامر باسم العرش نشيله” على غرار أو أشبه بشعار العروبيين “بالروح بالدم نفديك ياحافظ” ,سواء أكان حافظ الأب أم الابن. ولكن هذا الشعار لم يدم طويلاً بعد أن تسلم حسين الرضي (سلام عادل) سكرتارية الحزب في العام 1956. في العام 1957 تم تشكيل جبهة الاتحاد الوطني حيث توجه نضال الجبهة , التي تكونت من أربعة أحزاب هي (الحزب الوطني الديمقراطي وحزب الاستقلال والحزب الشيوعي وحزب البعث العربي الاشتراكي) وتعاون غير مباشر مع حزبين هما الحزب الديمقراطي الكردي والجبهة الشعبية , وبعد الاتفاق مع تنظيم الضباط الأحرار الذي كان يقوده الزعيم الركن عبد الكريم قاسم , صوب الإطاحة بالنظام الملكي وإقامة الجمهورية , بعد ان عجزت القوى الوطنية عن تحقيق الإصلاحات الضرورية في ظل الحكم الملكي وفي ظل علاقات شبه استعمارية شبه إقطاعية وسلطة تعبر عن مصالح هذه الأوساط. لم يرفع سلام عادل شعار الاشتراكية , بل طالب مشاركة الحزب في السلطة بسبب استبعاد ممثلي الحزب من التمثيل فيها , في حين ضمت إليها ممثلو جميع القوى السياسية التي شاركت في الجبهة بشكل مباشر أو غير مباشر. لم يطرح الحزب الشيوعي لا شعار الاشتراكية ولا شعار الراسمالية , بل النضال من أجل إنجاز مهمات مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية , وهو مصطلح مفهوم يعني في ظل سلطة البرجوازية الوطنية أو البرجوازية الصغيرة أو في ظل سلطة الطبقة العاملة وفق واقع كل بلد من البلدان. ومهمات المرحلة الوطنية هي مهمات عامة وفي مصلحة كل الطبقات والفئات الاجتماعية الوطنية ابتداءً من البرجوازية المتوسطة ومروراً بالبرجوازية الصغيرو المدينية والفلاحين والطلبة والمثقفين وانتهاء بالطبقة العاملة مع الاختلاف في حجم الفائدة أو الاستفادة منها. وخلال الفترة التي أعقبت ثورة تموز 1958 تفجر الصراع السياسي بين القوى القومية والقوى الديمقراطية حول وجهة التطور والسياسات التي يفترض أن تمارس من قبل حكومة الثورة. وهنا لعب القوميون الناصريون والبعثيون دوراً كبيراً في زعزعة الثورة والتحالفات والاستقرار حين طرح شعار الوحدة مع مصر وسوريا في وقت كانت الثورة لا تزال في بدايتها ولم تقطع شوطاً من الاستقرار والتفاعل والتفاهم في ما بين القوى السياسية , كما وقع الحزب الشيوعي العراقي وقوى سياسية اخرى في خطأ الانجرار وراء هذا الصراع بطرح شعار الاتحاد بدلاً من الوحدة , مما عمق الصراع والنزاع السياسي. ثم ارتكبت أخطاء فادحة من قبل الجميع أدت كلها إلى التآمر وإسقاط الجمهورية الأولى حيث قفز حزب البعث على السلطة ومارس ما نعرفه جميعاً من جرائم بحق كل القوى الوطنية العراقية دون استثناء , ولكن بشكل خاص ضد الشوعيين وقياديي الحزب الشيوعي العراقي. لم يناقش الحزب الشيوعي العراق في هذه الفترة موضوع الاشتراكية او الرأسمالية , إذ كانت المهمة حينذاك ” كيف يمكن تطوير العملية الثورية في العراق لصالح معالجة المشكلات المثارة , سواء أكان في المجال الاقتصادي أم السياسي أم القومي أم العلاقات العربية ومع دول الجوار , إضافة إلى الصراع مع شركات النفط الاحتكارية حول القانون رقم 80 لسنة 1961.
يدعي البعض بأن الحزب كان في مقدوره الاستيلاء على السلطة وإسقاط حكومة قاسم. هذا الادعاء لا يزال يتردد عند بعض الأوساط في الحركة اليسارية العراقية والعربية. ولكن ليس لهذا الاعاء من أساس مادي متين. لم يكن الحزب قادراً على أخذ السلطة , وإذا كان في مقدوره أخذها , فما كان في مقدوره الاحتفاظ بها والحفاظ عليها. والأوضاع في العراق والمنطقة كلها كانت تدلل على هذا الاستنتاج. لقد تقدم بعض الشيوعيين العسكريين في اللجنة الحزبية العسكرية بمقترح إلى المكتب السياسي للحزب الشسيوعي يدعو قيادة الحزب إلى الموافقة على تحرك القوات العسكرية للاستيلاء على السلطة. نوقش هذا المقترح في قيادة الحزب ورفض بالأكثرية. وقد وصل خبر هذا المقترح إلى عبد الكريم قاسم فتوترت علاقاته بالحزب , رغم معرفة عبد الكريمم قاسم بأن قيادة الحزب لم توافق على المقترح لا لأن الحزب كان قادراً ولم يأخذ به , بل لأن كل الدلائل كانت تشير إلى أن مثل هذه المحاولة سوف تقود إلى صدام دموي مع كل القوى السياسية الأخرى , سواء أكانت قوى قومية أو ديمقراطية ام قاسمية أم قوى دينية كانت قد بدأت لتوها بتنظيم نفسها للمشاركة السياسية , سواء أكانت من الأخوان المسلمين وحزب التحرير الإسلامي (تنظيمات سنية) أم حزب الدعوة الإسلامية (تنظيم شيعي) الذي كان قد بدأ كتيار إسلامي سياسي وتبلور فيما بعد في تنظيم سياسي تشكل لمواجهة سياسات قاسم الذي إصدر في حينها قانون الأحوال الشخصية الذي عارضته كل القوى الإسلامية والمتاجرة بالإسلام.
إن أسطورة قدرة الحزب الشيوعي على انتزاع السلطة يرددها كل من يريد إدانة الحزب واعتبار سياساته يمينية رفضت قيادته تسلم السلطة , في حين أن قاسماً كان حتى ذلك الحين يسير باتجاه وطني وديمقراطي عام , ولكنه كان قد أوعد بتأمين الحياة الدستورية وأخلف فيها كلية.
لقد تباينت مواقف أعضاء قيادة الحزب الشيوعي وارتكبت بشكل عام بعض الأخطاء الجدية , سواء بطرح شعار “حزب الشيوعي بالحكم مطلب عظيمي” وتنظيم المظاهرات الجماهيية الواسعة لها , أم بالسكوت عن شعار “إعدم , كل الشعب وياك , إعدم” أم ترديد أو السكوت عن شعار “ماكو مؤامرة تصير والحبال ممدودة” أم بتنظيم رحلة الموصل ومهرجان السلام الذي جاء بتأييد من قاسم رغم علم الأخير بما يمكن أن يحصل في الموصل من خلال الشد بجر الحبل من الجانبين وزيادة التوتر في الموصل , أم بالدعوة إلى الإعدامات والمظاهرات الصاخبة في أعقاب فشل مؤامرة الموصل. ولم يكن في كل ذلك قد طرح الحزب شعار الاستيلاء على السلطة , بل المشاركة فيها بممثل أو اثنين.
لقد كان مقترح اللجنة العسكرية في الحزب الشيوعي في حينها مشروع مغامرة غير ثورية وغير محسوب العواقب ضد حكم وطني جاء بعد انتفاضة عسكرية تحولت إلى ثورة شعبية وجدت تأييد أوسع الأوساط الشعبية , وكان قاسم يحظى بتأييد وحب الغالبية العظمى من الشعب حقاً. أن تنفيذ المغامرة كان يعني البدء بتمزيق الحزب الشيوعي وممارسة قتل واسع النطاق في صفوف الشيوعيين أوسع بكثير مما حصل في العام 1963 في أعقاب الانقلاب الفاشي للبعثيين والقوميين الناصريين بقيادة أحمد حسن البكر وعبد السلام محمد عارف..
لم يطرح الحزب الشيوعي حينذاك موضوع حرق المراحل أو القفز عليها , إذ كانت المهمات واضحة وباتفاق القوى الديمقراطية العراقية. لقد عشت هذه التجربة الغنية والمعقدة والمريرة وساهمت فيها كمناضل في صفوف الحزب الشيوعي. ولهذا لا اعتمد على السماع وحده ولا على ما اقرأه أحياناً من قبل كتاب طرحوا موضوع الاستيلاء على السلطة ورفض في حينها لأسباب معقولة تماماً. لقد كانت هناك مبالغات كبيرة جداً في قدرات الحزب الشيوعي أشاعها الذين كانوا يسعون إلى ضرب الحزب , كما أشاعها الشارع الذي تفجر في أعقاب الثورة ولم يستطع الحزب تنظيم العملية والناس وانجر أحياناً خلفها , ثم نشطها بطريقة غير سليمة لم تساعده على الاستفادة منها لتأمين التطور الديمقراطي والتقدمي السليم في صالح المجتمع العراقي.
لقد كانت القوى السياسية العراقية , وخاصة السرية منها , خلال الفترة التي أعقبت ثورة تموز 1958 تعاني عموماً من القمع وضعف الديمقراطية بسبب غيابها في المجتمع أسساً , كما كانت تعاني من دور المراهقة السياسية والفوضى ونسيان العدو الأساسي. وإذ ارتكب الحزب الشيوعي بعض الأخطاء الجدية والثقيلة في هذه المرحلة واعترفً بها وثبتها في أكثر من تقرير وتقييم , فأن القوى القومية والبعثية قد ارتكبت ابشع الأخطاء ومارست أكبر الجرائم والحقت أفدح الأضرار بحق الشعب العراقي وثورته الوطنية وقواه السياسية الديمقراطية ولم تفكر يوماً بانتقاد نشاطها السلبي. ولكن هكذا كان الوعي والمستوى الفكري والسياسي ولا يمكن الآن الضرب على الخدود وندب الماضي , بل التفكير في الحاضر والمستقبل.
كلنا نعرف ماذا جرى بعد انقلاب شباط/فبراير 1963 الذي قادته القوى القومية والبعثية وبتأييد من القوى القومية العربية في مصر وسوريا وكل النظم الحاكمة في الدول العربية وإيران وتركيا. لقد وصل الانقلابيون بقطار أمريكي – بريطاني – فرنسي يجسد مصالح شركات النفط الاحتكارية التي لوى قاسم رقبتها وسحب من هيمنتها 99 % من الأراضي العراقية التي لم تكن قد نقبت فيها عن النفط الخام حتى ذلك الحين , إضافة إلى مطالبته بضم الكويت إلى العراق الذي عبأ كل القوى ضد قاسم , ثم كانت الحرب في كردستان التي سعت إيران وكل القوى الأجنبية الأخرى إلى الاستفادة منها.
حين وصل البعث إلى السلطة ثانية في العام 1968 عبر انقلابه العسكري , نشأ صراع داخل الحزب حول الموقف من السلطة الجديدة. وإذا كان الجميع ضد تأييد الانقلاب منذ البدء , و خاصة في قيادة منطقة بغداد ومكتبها حيث كنت عضواً فيهما , فأن الأختلاف نشأ فيما بعد في كيفية مواجهة مشكلة مجيء حزب البعث إلى السلطة والتعامل مع الوضع. وكان الاختلاف أمراً طبيعياً بالنسبة إلى كل حزب من الأحزاب العراقية. وقد تلقى الحزب ضربات قاسية جداً من حكم البعث في أعوام 1968-1971 وخسر الكثير من رفاقه وكوادره وبعض قيادييه عبر الاغتيالات الغادرة , سواء بالاعتقال والقتل أو الدهس …الخ. وفي كل الأحوال لم يطرح الحزب شعار الاشتراكية مع البعث أو أن صداماً هو كاسترو العراق , بل طرح من قبل السكرتير الأول في منتصف السبعينيات من القرن الماضي , وكان الموقف مرفوضاً من القسم الأعظم من الشيوعيات والشيوعيين في الداخل والخارج. وكان موقف الرفض أكثر وضوحاً لدى أصدقاء ومؤيدي الحزب من القوى الديمقراطية والتقدمية.
لا أختلف مع السيد سلامة كيله بأن مفهوم الاشتراكية كان يعاني من تبسيط وتسطيح شديدين في أوساط الحركة الشيوعية في الدول الاشتراكية , وكذلك لدى الكثير من الشيوعيين في العالم العربي والدول النامية عموماً , ومنها الصومال (محمد سياد بري) , واليمن الجنوبي (عبد الفتاح إسماعيل وعلي ناصر محمد) , حيث تم الإدعاء بأنهما يسيران على طريق الاشتراكية أيضاً, أو الجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين أو حزب العمل الشيوعي في لبنان , وهي قوى قومية تحولت الى الصف اليساري اللينيني حينذاك , على سبيل المثال لا الحصر. ولكن طرح موضوعة السير مع البعث صوب الاشتراكية وعن طريق التطور اللارأسمالي هو الذي قاد إلى الوقوع في مطب كبير كانت له عواقب وخيمة على الحزب لا زال يعاني منها , كما أرى.
أشرت في الحلقة الثالثة بشأن موضوع العلاقات الإنتاجية شبه الإقطاعية في ريف العراق , ولكن لا بد من العودة إليه ثانية بسبب طرحه مجدداً من السيد كيله. صحيح جداً أن العلاقات الإقطاعية قد انتهت على الصعيد العالمي منذ عقود كثيرة , بل عدة قرون , ولكن ليس على الصعيد المحلي في عدد غير قليل من الدول النامية أولاً. وصحيح تماماً أن الرأسمالية وفي مرحلة تحولها إلى الرأسمالية المالية (الإمبريالية , في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين قد انتصرت نهائياً على العلاقات الاستغلالية البالية على الصعيد العالمي , وأصبحت هي العلاقات السائدة والمؤثرة والفاعلة دولياً بما في ذلك تأثيرها على السوق والتبادل السلعي النقدي مع الدول المتخلفة , بل حتى على تلك التي كانت أو لا تزال تسود فيها علاقات ما قبل الرأسمالية ثانياً.
ولا شك في أن هناك مركز راسمالي متقدم يضم مجموعة الدول الرأسمالية الصناعية المتقدمة (الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان) , وهناك الأطراف أو المحيط الرأسمالي المكون من مدارات تدور عليه الدول النامية أو دول العالم الثالث. وهذه الدول النامية ذات مستويات تطور مختلفة وبالتالي فهي تتحرك على محيط المركز ولكن بمسافات متباينة عنه , إذ فيها من يدور على مقربة من المركز , وهي التي يطلق عليها أنها على حافة التحول , وتلك التي تبتعد عنه أكثر , كما أن هناك من هي تتحرك على آخر المدارات التي تدور حول المركز والتي تضم إليها مجموعة الدول الأكثر تخلفاً وفقراً في العالم , تلك الدول التي انتهى أو استنزف تملكها للموارد الأولية من جانب الدول الاستعمارية أو تلك البعيدة عن شواطئ البحار ولا تزال تعيش في مستوى تطور يقترب من حالة الشعوب منذ قرون خلت على الصعيد العالمي.
ولا شك في أن الدول الرأسمالية تسعى , بحكم طبيعتها الاستغلالية , إلى منع تطور الدول النامية صوب التصنيع وتحديث الزراعة وبناء العلا قات الرأسمالية , أي صوب تنمية اقتصادياتها الوطنية صوب تغيير علاقات الإنتاج نحو الرأسمالية , دع عنك باتجاه الاشتراكية. ولكن هذا لا يعني أن هذا التطور غير ممكن نهائياً , خاصة وان تطوير الصناعة وتحديث الزراعة وتغيير بنية التجارة وبناء البنية التحتية وتطوير البحث العلمي النظري والتطبيقي ومكافحة الأمية والبطالة …الخ يمكن ان يتحقق في ظل المجتمع المدني بالرغم من مقاومة الدول الرأسمالية في المراكز الصناعية. والمقصود هنا ليس الوصول إلى الرأسمالية المالية أو الإمبريالية , بل إلى الرأسمالية الوطنية , التي ينفي الأخ كيلة القدرة على تحقيقها , وهنا نقطة الخلاف أو مربط فرس آخر أيضاً.
إن قرار السير على طريق التطور الرأسمالي أو التوجه صوب الاشتراكية لا يمكن أن يكون ذاتياً , بل تفرضه ظروف التطور في كل بلد من البلدان حتى في ظل العلاقات الرأسمالية العولمية الراهنة ومصاعب تغيير بنية الاقتصاد الوطني. إن مهمة النضال في سبيل تغيير البنية الاقتصادية الكولونيالية الراهنة تسمح بالتحول صوب المجتمع المدني الذي يفتح الطريق على التغيير المنشود.
لقد حققت الدولة االسوفييتية التصنيع , (بعض الدول الاشتراكية الأخرى كانت قبل ذاك دول صناعية مثل ألمانيا وجيكوسلوفاكيا وهنغاريا على سبيل المثال لا الحصر) ولكن استغرقت سنوات طويلة اولاً , وتحت أشق الظروف والتضحيات ثانياً, ولكنها لم تكن متقدمة في الصناعات المدنية , بل في الصناعات العسكرية على نحو خاص , إذ وجهت الأبحاث العلمية والتقنية صوب سباق التسلح , وبقي القطاع الصناعي المدني متعثراً وويعمل بتقنيات قديمة والكثير منها بال. من درس العلوم الاقتصادية وتعرف على الاقتصاد السوفييتي واقتصاديات الدول الاشتراكية الأخرى , أدرك في حينها وبوضوح الفجوة الهائلة بين مستوى وتقنيات التصنيع في الدول الرأسمالية المتقدمة وبين مستواها في الدولة الاشتراكية السوفييتية , وكذلك بين الإدارة والتنظيم والتنسيق والمحاسبة الاقتصادية في مجموعتي الدول , كما أدرك بأي ثمن تحقق ذلك في الدول الاشتراكية.
لقد تحدث لينين في العام 1916 وفي كتابه “الامبريالية أعلى مراحل الرأسمالية” وكتاب “الدولة والثورة” وكذلك كتابه “تطور الرأسمالية في روسيا” الذي صدر في أوائل القرن العشرين مستوى التطور الاقتصادي والاجتماعي في روسيا وعن صعوبة بل استحالة بناء الاشتراكية في ظل الواقع الاقتصادي والاجتماعي الإقطاعي – الرأسمالي فيها حينذاك. وكان على صواب في هذا التقدير. وحين وصل البولشفيك إلى السلطة طرح لينين شعار الدولة الاشتراكية , وكان في هذا مخطئاً ومتسرعاً. وحين اراد تعديل المسيرة , كان قد انتهى دوره وصعد ستالين لقيادة قطار الحزب والدولة السوفييتية بالاتجاه الذي انتهى إليه في العام 1989/1990/1991.
لست من محبي الرأسمالية ولا من مؤيديها أو أنصارها أو الداعين إليها , بل من المناضلين ضد هذه العلاقات التي جلبت وتجلب الاستغلال والقهر الاقتصادي لنسبة عالية جداً من شعوب العالم. ولكني لست من أولئك الذين يسعون إلى تنفيذ الرغبات الذاتية على حساب الواقع الموضوعي القائم في البلاد أو يرسم للناس الأوهام التي تقود إلى إحباطات إضافية غير مبررة اصلاً . على من يرى أن الاشتراكية هي السبيل الوحيد لخلاص البشرية من الاستغلال والقهر بسبب طبيعة النظام الراسمالي , يفترض فيه ان يكشف عن عورات الرأسمالية ويثقف الناس بمعايبها والعواقب الوخيمة منها ويوضح سبل النضال لتغيير هذا الواقع , ولكن هذا النقد لأساسها المادي وطبيعتها الاستغلالية لا يعني أن العراق , أو بتعبر أدق الشعب العراقي , قادر على بناء الاشتراكية في المرحلة الراهنة , رغم أن السيد كيله لا يطرح مباشرة بناء الاشتراكية في المرحلة الراهنة بل تبنيها ..الخ. وإذا كانت شروط البلاد غير مؤهلة للاشتراكية , فما هي العلاقات التي يفترض أن تقام في البلاد والتي تنشئ القاعدة المادية والبنية الاجتماعية والوعي الاجتماعي الضروري للتحول صوب الاشتراكية. إن سيرورة المجتمع لا تخضع للرغبات الذاتية , بل لها قوانينها الموضوعية والتي بدونها تنتكس الحركات مجدداً وعلى المناضلين اليساريين وعي تلك القوانين والتعامل المسئول معها لصالح الفئات الكادحة والمنتجة في المجتمع , والتجربة في “الدول الاشتراكية” السابقة تأكيد صارخ على ذلك , رغم انها لم تكن اشتراكية بالمعنى السليم , بل راسمالية دولة , ولكنها تحت واجهات اشتراكية.
كان العراق ولا يزال يمتلك كل مقومات التغيير في البنية الاقتصادية والاجتماعية وفي الوعي الاجتماعي وإقامة المجتمع المدني , ولكن سقط منذ العام 1963 في أيدي وتحت هيمنة قوى وأحزاب قومية شوفينية وذهنية عسكرية عدوانية مارست سياسات استبدادية تدميرية في الداخل وحروب عدوانية نحو الخارج وساعدت على وقوعه تحت الاحتلال. والاحتلال ساهم بتكريس الطائفية والتمييز الطائفي , التي كانت موجودة وتمارس من قبل الأوساط الحكومية قبل ذاك , وأدخل لنا المحاصصة الطائفية السياسية المقيتة التي لا تزال سارية وتميز نظام الحكم في العراق حالياً , كما عمق التمييز الطائفي وشارك في تشديد وتوسيع قاعدة الفساد المالي ونشاط المافيات المنظمة. إن النظام القومي البعثي وعلى رأسه صدام حسين كان المسئول عن سقوط العراق تحت القرار الدولي , الأمريكي على نحو خاص , حتى قبل سقوط النظام في العام 2003 , أي منذ أن بدأ حربه ضد إيران واستكمله بغزو الكويت على أقل تقدير. وهو الذي ترك لنا هذا الإرث الشوفيني والطائفي المقيت في العراق , لقد أصبح العراق في ظل نظام البعث دولة عصابات ومافيات منظمة , وهو النظام السياسي الشمولي الذي حصل على تأييد ودعم القوى القومية والبعثية وبعض قوى اليسار في العالم العربي التي اعتاشت على فتات موائده. وكانت لأموال النفط الخام العراقي التأثير البالغ في حصوله على ذلك التأييد والدعم منها. ولست معنياً هنا الإشارة إلى تلك القوى والأشخاص بالأسماء , فهم معروفون وكوبونات النفط الخام لم تعد سراً غير مكشوف.
لقط سقط البعث في العراق ورحل المستبد بأمره , ولكن الاستبداد , كظاهرة اجتماعية سياسية , لم ينته في العراق. فالعلاقات الإنتاجية والاجتماعية والسياسية السائدة والخلفية التاريخية والدينية والتقاليد والعادات والتربية المنزلية هي التي تعيد إنتاج الاستبداد والعنف والقسوة في العراق. ونظرة على مجموعة غير قليلة من سياسي العراق سنجد دون جهد كبير هذه الحقيقة الصارخة متجسدة في تصرفاتهم في السياسة والحكم وفي العلاقات العامة , بل نجدها بين قوى سياسية يسارية وديمقراطية وعلمانية أيضاً. وعلى قوى المجتمع الديمقراطية واليسارية والعلمانية المقتنعة باتجاهاتها الفكرية والسياسية والأمينة لها أن تناضل من أجل تغيير هذا الواقع وهذه التركة وتلك الخلفيات , ولن يتم ذلك برفع الشعارات البراقة أو الوقوف على جانبي الطرق , على هامش الأحداث , لمشاهدة ما يجري في العراق , لمشاهدة مسيرة العنف والدم والفساد والمسيرة السياسية دون الفعل فيها ومناهضتها , بل لا بد من التدخل والعمل باتجاه التغيير. إن العراق بحاجة إلى تعبئة كل القوى السليمة , كل الفئات الاجتماعية ذات المصلحة بالتغيير والتحولات المدنية الديمقراطية وإنجاز ما تعطل من مهمات في العقود السابقة. ولن يكون في مقدور أحد أن يعبئ القوى تحت شعارات اشتراكية في المرحلة الراهنة , بل يمكن ذلك تحت شعارات ومهمات ديمقراطية , وحين أقول ديمقراطية يعني النضال من أجل تغيير علاقات الإنتاج البالية بأخرى جديدة لن تكون في هذه المرحلة غير العلاقات الرأسمالية الوطنية , وعبر مشاركة الدولة والقطاع الخاص , وفي إطار تحالفات اجتماعية وسياسية وطنية وديمقراطية. هذا هو الطريق الذي أراه , إنه الطريق الذي يوصل العراق إلى المجتمع المدني الديمقراطي الحديث وبتظافر جهود قوى اجتماعية وسياسية عديدة , وليس بالضرورة تحت قيادة الطبقة العاملة وحزبها الشيوعي أو القوى اليسارية العراقية , إذ أن الحديث عن الاشتراكية وعن مثل هذه القيادة في المرحلة الراهنة حديث بعيد عن الواقع!
24/1/2009 كاظم حبيب
انتهت الحلقة الرابعة وتليها الحلقة الخامسة