الرئيسية » مقالات » ملحمة غزة

ملحمة غزة

يبقى الإنسان مجرد كائن من لحم و دم ما دام يعاند مشاكله اليومية “التافهة” أو التي تكاد لا تنتهي , لكن سيرته تتحول إلى حالة ملحمية عندما يختار له القدر أن يموت على نحو استثنائي , عندها يصبح بالفعل ملحمة ما جديدة , للموت قدرة عجيبة على إخراج الإنسان من إنسانيته , تحريره منها أو سموه فوقها , سموا إجباريا من جهة يفرضه قاتله و سموا خادعا بل و مرعبا في بعض الأحيان , لهذا الجانب الملحمي من السيرة البشرية على الأرض أيضا إشكالاته أو تبعاته عندما يسمو الإنسان على إنسانيته و خاصة فوق إنسانية بقية البشر , نعرف أن دم الحسين في كربلاء أصبح صرخة مدوية في شرقنا , و سواء اتفقت مع المواكب الحسينية أم انتقدت طقوسها مدعيا أنك أكثر وعيا من الناس التي تشارك فيها , لا يمكنك إلا أن تتفق مع هؤلاء البشر في أن دم الحسين قد اكتسب بعدا ملحميا لم يقدر عليه قتلته الذين يقسم معظم رجال الدين السنة اليوم أنهم على حق في قتله و سبي نسائه , و الذين لا يقلون غباءا و ابتذالا عن نظرائهم الشيعة , دم يسوع هو الآخر سما بصاحبه فوق البشر , حوله من ابن زانية لإله أو ابن إله , لكل إنسان قصة موته الخاصة , أو ملحمته الخاصة , طالما سمعت هذه القصص “الفريدة” و المكررة في نفس الوقت في مئات المآتم , عادة من زوجة الميت أو من أحد أقاربه , قصة تتكرر مع تغير الجالسين في المأتم دون كلل , في غزة اليوم 1300 شهيد , 1300 قصة لن تروى أو تنتظر أن تروى , كيف ماتوا , أين ماتوا , هذا جزء أساسي من تأبيننا للموتى , الفارق هنا هو أنهم في غزة ماتوا لأن أحدهم كان مستعدا ليمارس دور القاتل , أتدرون ما الذي على الطيار الإسرائيلي أن يفعله ؟ اخترعت الرأسمالية أسلحة ذكية معدة لاستخدام الأغبياء فقط , لا يحتاج هذا الطيار سوى إلى أن يبقي إشارة التسديد على “الهدف” و ينتظر أن تصيبه قنبلته “الذكية” بدقة نادرة , هكذا يستيطعون قتل الآلاف من الأطفال دون أي ألم شخصي يرتبط بتجربة القتل وجها لوجه , القتلة اليوم أكثر غباءا و راحة ضمير من ذي قبل , لكن الصورة الملحمية للموت في غزة ليست أقل مما جرى في كل المجازر السابقة , أراد الكثيرون أنسنة الموت في غزة , أن يمنعوا تحول الموتى هناك إلى حالة فوق بشرية أو ملحمية , لكن دم الضحايا كان أقوى , رغم أن ماكينة إعلامية و”ثقافية” بأكملها قد عملت على تصغير ما جرى في غزة إلى أقل حد ممكن , خاصة و أن من قتل هناك هم مسلمون , أي ينتمون إلى الدين المشيطن اليوم على أيدي مثقفي السلطان العالمي و السلاطين المحليين التابعين , خاصة و أنهم عبيد إله لا يبارك أمريكا في حروبها و في سلامها المفروضين بالدم و النار على حد سواء , لكن محاولات أنسنة الموتى في غزة لصالح سلطة عالمية تحابي القتلة أو سلطات محلية اختارت الصمت على المجزرة أو المشاركة غير المباشرة فيها لم تكن أكثر نجاحا من المجازر السابقة أيضا , طالما كانت السلطة , التمسح بالسلطة , و خدمة السلطة , لعنة لا براء منها , لا أمام الناس و لا أمام التاريخ , لعنة قادرة على أن تمحق أية فكرة مهما تفنن أصحابها في إخراجها , وحدهم الإسلاميون أرادوا تطويب دماء الضحايا و بالفعل ستبقى صور غزة ماثلة في الأذهان إلى وقت طويل , بالنسبة لمن عايشها على الأرض حتى نهاية حياتهم بالتأكيد , لكن القضية لا تبدأ هنا , تذكروا أنه من الهولوكوست اليهودي في الحرب العالمية الثانية ولد , خلق , انبثق هولوكوست فلسطيني ما زلنا نعيش فصوله يوما بعد آخر , تذكروا أنه من دماء ملايين اليهود ولدت أجيال فلسطينية و عربية لا تعرف إلا اللجوء و المنافي و المجازر , من غيتو وارسو يظهر اليوم جدار فصل يقسم البيوت و يحول حياة ملايين الفلسطينيين إلى غيتو يحاصره جيش “الدفاع” من كل صوب , لم يتحول الهولوكوست إلى مجرد إدانة للقتلة النازيين , بل خلق هو نفسه قتلة لا يعرفون الرحمة , ما أن توضع معاناة بعض البشر فوق معاناة البشر الآخرين و تتحول إلى ملحمة الملاحم , إلى أم المآسي , ما أن يخصص الهولوكوست مثلا بملايين اليهود دون ملايين الروس و البولنديين و الشيوعيين الذين ذاقوا ما ذاقه اليهود , حتى يصبح هذا الهولوكوست لعنة للضحايا , و بالأصح , لمن بقي منهم , حتى يصبح هؤلاء تحديدا أو من يريد أو يدعي الانتساب إليهم , هو شخصيا , قاتل , مجرم , لرعب ملاحم الموت , كما جرى في غزة , تأثير مدمر على إنسانية الإنسان , من هذا الرعب يولد رعب أكبر , يولد رهاب لا شفاء له , هكذا ينتصر القاتل مرارا على ضحيته بأن يحولها إلى آلة عمياء للموت ضد ضحايا أضعف و أعجز عن مقاومته , لا يقتل من يدعي أنهم أحفاد من سقط في الهولوكوست اليوم مضطهدهم الأوروبي , بل إنهم يقتلون أطفال غزة , لهذا دلالة هامة جدا , الرجل الأبيض لم يكتف بذبح ملايين اليهود تلذذا بالدم و تأكيدا على تفوقه , بل حول من تبقى منهم إلى قتلة مأجورين لديه , هكذا تريد هذه الحضارة أن تغسل أيديها من دماء اليهود و أن تهدئ ضميرها بدماء أطفال دير ياسين و أخيرا غزة , يمحون الدم بالدم , يمحون الموت بالموت , وكلما بالغ الإسرائيليون في قتلهم وسط الصمت الفاجر المتواطئ كلما بدت ميركل و ساركوزي و بالتأكيد بوش و بعده أوباما و كأنهم يتحللون من إحساسهم بالذنب من جريمتهم و كأنهم يمحون جريمة حضارتهم بحق اليهود , لكنهم في الحقيقة يستثمرون الهولوكوست التي صنعوها بكرههم الذي ما زال مكبوتا لصالح إمبراطورياتهم , هذه المرة ليسوا هم القتلة بل ضحاياهم هم من أصبح يقتل باسم العذابات التي سببوها لهم , نحن إذن بانتظار ضحايا جدد و مجازر أخرى ننتظرها و ستأتي , في غزة يكبر الجرح النازف , على العالم ألا يتساءل لماذا ما يزال بإمكان يسوع الفلسطيني أن يستمر بمصارعة الموت على صليبه , و لا أن يتساءل عن إمكان قيامته من جديد , إن القضية اليوم إما أن نكون بشرا أو لا نكون , للسلطة مبرراتها , لم يكن لدماء الناس يوما أية قيمة بالنسبة لها , السلطة كإله تملك كل شيء , اليوم إما أن نخرج من الهولوكوست الفلسطيني العراقي ال…. ال… إلى عالم يعيش فيه بشر متساوون , بشر تتساوى دماؤهم و آلامهم , بشر تساوي كل قطرة دم منهم كل البشرية جمعاء , أي أن نستبدل سياسات السلطة التي لا تستطيع أن تعيش إلا على دماء الأطفال بسياسات شعبية إنسانية ترفض أي مبرر مهما كان “وجيها” بنظر مثقفي السلطان اليوم للقتل و التدمير , و إلا ففي انتظارنا هولوكوست آخر و آخر و آخر , سلطة جديدة من الموت و الدمار باسم دم لا ينتهي باسم ضحايا اليوم من جديد……….