الرئيسية » مقالات » يعيد الحزب الشيوعي أمجاده على الساحة السياسية العراقية ؟

يعيد الحزب الشيوعي أمجاده على الساحة السياسية العراقية ؟

الحزب الشيوعي العراقي غني عن التعريف إذ له تاريخ حافل ليس الى نكرانه سبيل ، لقد انخرطت في صفوف هذا الحزب قبل حوالي نصف قرن ، وبعد حوالي عقد من الزمن تركت صفوفه بعد ان تركت صفوف الثورة الكردية ايضاً ، وحصل ذلك تحت ضغط الرغبة في العودة الى مقاعد الدراسة والى ممارسة الحياة الطبيعية ايضاً ، وبعدها بقيت مستقلاً في ارتباطاتي والى اليوم . اقراني في العمر يعلمون في ضغوطات السلطة على من كان في موقفي بغية تجنيده وتسخيره لخدمة السلطة وللنيل من الثورة الكردية او من الحزب الشيوعي ومن تنظيماته ، وعلى خلفية المعرفة بتنظيمات الحزب ، ولدي اسماء لبعض الأصدقاء سلكوا هذا السلوك فأقدموا على تقديم البراءة من الحزب وتطوعوا للأعتراف على زملائهم في التنظيم ، او اصبحوا اداة بيد السلطة ، لكي يبرهنوا لها على مدى إخلاصهم ، وعلى تنكرهم لماضيهم ، إن هذا الفعل كان مستهجناً اجتماعياً او ـ على الأقل لدى مجتمع القوش ـ وهكذا لم اسمح لنفسي ان اخوض غمار تلك العلاقات المستهجنة ، وأبقيت على علاقات سلام مع اصدقائي القدامى من الحزب الشيوعي ومنهم المرحوم توما توماس الذي التقيت به في الأتحاد السوفياتي وفي بغداد وفي القوش . واصدقاء آخرين ، ولم احاول يوماً الأنتقاص من سمعة الحزب الشيوعي او الثورة الكردية بغية إرضاء السلطة . فبقيت على مسافة معقولة من الجميع والى اليوم .

في الحرب الباردة كانت الولايات المتحدة والمعسكر الغربي عموماً في مسعى حثيث لتقويض المعسكر الأشتراكي والقضاء على الأحزاب الشيوعية في البلدان النامية ، وبعد ثورة 14 تموز 1958 اقلق تنامي الحزب الشيوعي العراقي المعسكر الغربي ، واصبح امر تقويضه والقضاء عليه جزءاً من تلك الحرب الباردة الناشبة بين المعسكرين الشرقي والغربي .

في انقلاب 8 شباط 1963 تم ذبح الشيوعيين بواسطة البعثيين وبمساعدة وكالة الأستخبارات الأمريكية ، هذا ما يقوله جون كولي في كتابه : التحالف ضد بابل وهو يضيف : ان المخابرات المركزية الأمريكية كانت على علم بحدوث ذلك الأنقلاب قبل وقوعه بستة أشهر ، وإن السكرتير العام لحزب البعث علي صالح السعدي قال : لقد جئنا الى السلطة في قطار المخابرات المركزية الأمريكية .

إن كل من لندن وواشنطن تعتبران ان هذا الأنقلاب البعثي تم ضد الحزب الشيوعي العراقي ، وبذلك يمكن تصنيفه على انه ضد السوفيات ، وهكذا وصفت هذه الأحداث على انها جزء من الحرب الباردة . لكن امريكا في نهاية الأمر تضايقت من البعثيين وطفقت تبذل الجهود بغية التخلص منهم .

هذا وتكرر السيناريو في الحكم البعثي الثاني ، حينما ساندتهم امريكا في البداية لكن في نهاية المطاف حشدت الجيوش للقضاء عليهم وتم ذلك في نيسان 2003 ، لكن ماذا كانت النتيجة ؟ وهي التي يعلمها الجميع انها كانت تسليم العراق بطبق من ذهب الى احزاب وميليشيات إسلامية راديكالية ، ليس لها علاقة بالديمراطية لا من قريب ولا من بعيد ، سوى الأستفادة من العملية الأنتخابية للوصول الى الحكم فحسب ، وبعد ذلك وداعاً لما كان يسمى بالديمقراطية .

لقد عملت اميركا المستحيل للقضاء على حكم نجيب الله العلماني في افغانستان ، والسبب لانه موالي للسوفيات ، فجندت آلاف المقاتلين من القوى الأسلامية السلفية للاجهاز على الحكم ، وتم الأنتصار عليه وسقطت كابل وأعدم نجيب الله ، فجاء الحكم الأسلامي السلفي وبمساعدة المخابرات الأمريكية نفسها ، وماذا حصل بعد ذلك ؟

كانت النتيجة تدمير تمثال بوذا في باميان ،وأعدام النساء في الملاعب ومنعهن من العمل وتحريم التلفزيون والرياضة ، وتفشي زرع الحشيشة ، وغلق مدارس الأناث ، وأصبحت افغانستان البؤرة التي تصنع وتصدرالأرهاب الى العالم .

فأيهما كان افضل حكم نجيب الله لنقول عنه انه { شيوعي } أم حكم الطالبان السلفي ؟

إن فرانسيس فوكوياما في كتابه نهاية التاريخ يضع البشرية على شاطئ من السعادة والبحبوحة والرخاء والسلام والوئام ، وذلك بفضل تفكك الأتحاد السوفياتي وغياب المعسكر الأشتراكي ، فالكل سيسير على خطى الغرب ونظامه المتسم بالديمقراطية والليبرالية ، وعلى زعم بعد افول الشيوعية سوف لا يكون هنالك نظاماً قادراً على المنافسة مع نظام ليبرالي دستوري تعددي الذي يسود العالم الغربي .

لكن هذه النظرية لم تقوي على الصمود في ظل الواقع المعاش ، فالصراع في العالم لم يكن اديولوجياً فحسب فثمة صراع الحضارات والثقافات ، بل صراع الأديان والمذاهب بالعربي الفصيح . وهذا ما يتطرق اليه صموئيل هنتنغتون في كتابه صراع الحضارات ، وهو يشير الى التاريخ والى الحروب المستمرة إذ ان البشر ليسوا ملائكة ومآسي الحروب في التاريخ والى اليوم تشهد على تلك الطبيعة التي تنزع الى الشر كما تنزع الى الخير .

فإن كان خطر الصراع بين المعسكر الأشتراكي والرأسمالي قد زال تأثيره ولم يعد ثمة خطورة من الأختلافات الأديولوجية إن كانت شيوعية او قومية او رأسمالية او فاشية .. لكن الصراعات بين الحضارات كما يقول هنتنغتون في المستقبل ستأتي نتيجة الأختلافات الثقافية والدينية والمذهبية ، ويقول من بين صراعات اخرى متفاوتة فان الصراع الأعظم سيكون بين العالم الغربي والعالم الأسلامي نظراً للتضاد التام في القيم . وإن اتفقنا مع هنتنغتون او اختلفنا معه فإن ذلك لن يغير شيئاً مما هو حاصل على الطبيعة اليوم .

نعود الى الموضوع الرئيس في المقال وهو عودة الحزب الشيوعي الى الساحة السياسية العراقية بعد نفاض مخلفات السنين الثقيلة من القمع والقهر . وفي ظروف حرية العمل السياسي التي توفرت بعد 9 نيسان 2003 كان هنالك الحكم الديني الذي اوصلته اميركا لحكم العراق ، وعلى وتيرة المعزوفة المعروفة للأحزاب الدينية والأسلامية السلفية على وجه الخصوص لا يسعدها تمتع الحزب الشيوعي بالحرية ، ناهيك عن تمتعه بسلطات سياسية مؤثرة ، وقد رأينا في الأنتخابات البرلمانية السابقة كيف جرى تحريم من ينتخب قوائم الحزب الشيوعي ومنعه من دخول الجنة التي يحتكر مفاتيحها رجال الدين والأحزاب الدينية السياسية .

لقد يأس وملّ الشعب العراقي من تلك الخطابات ومن تلك الشعارات الطوباوية وبات يعرف ان خلاصه هو في القوى الديمقراطية العلمانية التي لا تقبل بالأصطفافات الطائفية والأنقسامات الدينية ، إنما ايمانها في دولة القانون وفي الأخلاص للهوية العراقية الأصيلة .

إن الحزب الشيوعي العراقي يملك رصيداً بين الفئات العمرية القديمة ، واليوم له ورقة رابحة وهي ايمانه بالديمقراطية والعلمانية ، مع خطابه الواضح من دولة القانون ومن الأقليات الدينية والعرقية في العراق ، كما ان هنالك حالة تخدم خطابه السياسي ، وهي حالة استياء العراقيين من الخطاب السياسي الديني والقومي ، فقد اسقط في ايديهم وهم يرون ما حل بالعراق تحت زعامة هذه القوى . إن الأستطلاع الذي اجرته الحكومة العراقية اثبت ان غالبية الناخبين العراقيين في الأنتخابات المحلية المقبلة تؤيد القوى العلمانية وتفضلها على القوى الدينية والقومية وإن 68 في المائة يرفضون استخدام الرموز الدينية في الدعاية الأنتخابية . وإذا تحقق هذا الأمر فليس مرجحاً ان تتبوأ الأحزاب الدينية تلك المكانة وان تحرز ذلك الفوز الساحق على حساب القوى العلمانية وبضمنها الحزب الشيوعي .

الحزب الشيوعي العراقي اليوم يخوض معركة الأنتخابات في جميع المحافظات العراقية بعضها بقوائم مستقلة كما هي الحال في قائمة 307 في كل من المحافظات الناصرية والسماوة وواسط وكربلاء ، وتحت اسم مدنيون في قائمة رقم 460 في كل من بابل وبغداد والديوانية ، ومدنيون ديمقراطيون برقم 180 في كل من الأنبار والنجف ، وقوائم متحالفة أخرى منها قائمة نينوى المتآخية 236 في محافظة نينوى .

نحن جميعاً نضع آمالنا في القوائم التي لها توجه ديمقراطي علماني كقوائم الحزب الشيوعي العراقي وقائمة التحالف الكردستاني والقائمة العراقية ،ومجموع قوائم شعبنا المسيحي بمكوناته من الكلدانيين والسريان والآشوريين ومن القوائم الحزبية والأفراد المستقلين ، ومنها قوائم : حزب الأتحاد الديمقراطي الكلداني ، والمجلس القومي الكلداني : وقائمة عشتار للمكونات المؤتلفة لتنظيمات شعبنا وقائمة الرافدين ، للحركة الديمقراطية الآشورية والمستقلين . وأملنا ان تكون هذه التجربة حافز لترتيب امور احزابنا الكلدانية والآشورية والسريانية لكي تتمحور حول قائمة واحدة في الأنتخابات البرلمانية القادمة وهذه رغبة وإرادة شعبنا المسيحي في العراق من الكلدانيين والآشوريين والسريان والأرمن .

حبيب تومي / اوسلو