الرئيسية » مقالات » جولة جديدة من النقاش الفكري والسياسي مع السيد سلامة كيله (3)

جولة جديدة من النقاش الفكري والسياسي مع السيد سلامة كيله (3)

بدأت إشكالية الحركة الاشتراكية العالمية مع بدء التباين في مواقف قيادات الحركة الاشتراكية العالمية إزاء الحرب الاستعمارية الأولى , حرب إعادة توزيع مناطق النفوذ بين الدول الاستعمارية وإنهاء وجود الدولة العثمانية بين عامي 1914-1918 , ثم سقوط القيصرية في العام شباط/فبراير 1917 وتشكيل حكومة كيرنسكي. وبعد عدة شهور , أي في أكتوبر من العام 1917 , قام البولشفيك بقيادة لينين بالثورة على حكومة كيرنسكي واسقطوا نظامه وأقاموا الدولة السوفييتية الفتية. وفي هذا الفترة تعمق الخلاف بين قطبي الحركة الاشتراكية المنشفيك والبولشفيك , وظهرت تدريجاً الأحزاب الشيوعية , خاصة عصبة سپارتاكوس بقيادة روزا لوكسمبورغ وكارل ليبكنخت , والذي تحول فيما بعد إلى (الحزب الشيوعي الألماني) في العام 1918 , وهي التي سمحت في العام 1919 بتشكيل الأممية الشيوعية تحت توجيه وإشراف وقيادة فلاديمير إيليچ لينين.
لقد لعب لينين دوراً ثورياً كبيراً من الناحيتين النظرية والعملية في الثورة الروسية وفي الدفع باتجاه بروز الحركة الشيوعية (الأممية الثالثة) والدفع باتجاه تشكيل الأحزاب الشيوعية في المزيد من بلدان العالم لتوسيع الحركة ومواجهة الأحزاب الاشتراكية للأممية الثانية وللتضامن مع الدولة السوفييتية الجديدة وتقديم الدعم الدولي لها. إلا أن لينين كان قد بدأ عملياً وقبل ذاك بسنوات بـ “روسنة” الفكر الماركسي من خلال نشاطه الفكري والعملي حول الثورة الروسية وكتاباته الكثيرة في هذا الصدد. ولم يكن في هذا أي خلل حين تقرأ الماركسية في ضوء ظروف كل بلد من البلدان. ولكن الخلل برز حين صدر لينين الفكر الماركسي المروسن (من روسية) إلى العالم كله عبر مؤتمرات الحركة الشيوعية أو أحزابها الجديدة لتكون هادية لها ومرشدة لنضالها. وفي العام 1919/1920 أدرك لينين الأخطاء التي ارتكبها الحزب بقيادته وتنظيراته بشأن البناء الاشتراكي في دولة سوفييتية لا تزال متخلفة اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً ووعياً شعبياً. وهنا عمد إلى طرح برنامج “سياسته الاقتصادية الجديدة” (نيپ) في العام 1920 والذي أدرك فيها أهمية عدم قفز المراحل وحرقها , بل لا بد من إنجاز مهمات الثورة الديمقراطية بقيادة الحزب الشيوعي السوفييتي. ولكن لينين لم يستطع تغيير الوجهة العامة للحزب والدولة السوفييتية , إذ سرعان ما تمرض وأُبعد تدريجاً عن قيادة وتوجيه الحزب فكرياً وسياسياً من الناحية الفعلية منذ العام 1922 تقريباً ليحل محله عملياً وقبل وفاته في العام 1924 بفترة طويلة , جوزيف ستالين. إن خطأ السياسة السوفييتية لم يبرز على الصعيد الروسي حسب , بل وعلى الصعيد الدولي حين تصور لينين وأغلب قيادة الحزب الشيوعي السوفييتي قرب نهاية الرأسمالية وقرب إمكانية بناء الاشتراكية وتصدير هذا الفكر إلى العالم كله. لقد كان هروباً إلى أمام بكل معنى الكلمة.
لا يمكن الادعاء بأي حال بأن الفكر اللينيني قد أُبعد عن الدراسة والتثقيف في المدارس الحزبية والجامعات والتثقيف العام لصالح فكر ستالين , إذ أن ستالين كان نفسه لينينياً واعتمد اللينينية في الممارسة العملية , ثم طرح أفكاره الخاصة بما يخص بناء الحزب والدولة والمجتمع الاشتراكي والفرد البولشفي (راجع كراس في سبيل تكوين بولشفي لجوزيف ستالين 1935). وكانت إضافاته هزيلة وصدى باهت لأفكار لينين من الناحية النظرية , ولكنها كانت تعتمد القوة والقمع والقسوة في الممارسة العملية. ولقد تشوهت في الممارسة حتى تلك الأفكار السليمة والعبقرية للينين. لقد مارس ستالين العنف وليس الطوعية في الموقف من التحولات الاقتصادية والاجتماعية , سواء أكان ذلك بالنسبة إلى المسألة الزراعية وبناء الكولخوزات والسوفخوزات (كان لينين يدعو إلى الطوعية في الانتماء أو في تشكيل هذه المنشآت) , أم بشن حملة عنف فعلي ضد الكولاك وأغنياء ومتوسطي الفلاحين لصالح تشكيل الجمعيات التعاونية والمزارع الحكومية , أم بالنسبة للموقف من القطاع الخاص والقطاع الحكومي , أم بالنسبة لجرائم القتل والسجن والنفي بالنسبة لمخالفي وجهات نظره ومنتقدي افكاره وسياساته التي لم تعد سراً على أحد , بل فضحها القادة السوفييت أنفسهم ومنذ الخمسينات. ثم تم الكشف عن الكثير من جرائم ستالين فيما بعد ونشر وهي موثقة. لقد كانت هناك مدرسة فكرية لينينة في الجانبين النظري والعملي لكل الحركة الشيوعية العالمية , للأممية البروليتارية , الأممية الثالثة , وليس للحزب الشيوعي السوفييتي وحده , وهي التي حققت شيئاً استثنائياً في الجانب الفكري , حيث حولت الفكر الماركسي أو النظرية الماركسية إلى شيء أشبه بالدين , وإلى عقيدة جامدة حقاً وامتلاك الحقيقة كلها والحق في امتلاك واحتكار الصواب كله , وإلى أصولية قاهرة بدلاً من جعلها فكراً متحرراً ومفتوحاً ومتفاعلاً مع الأفكار والتيارات الفكرية الأخرى ومنهجاً متطوراً بتطور مختلف العلوم والتقنيات والاكتشافات العلمية على الصعيد العالمي.
إن فشل المدرسة السوفييتية في الفكر والسياسة السوفييتية والنموذج السوفييتي وما ماثلها في الدول الاشتراكية الأخرى والأحزاب الشيوعية التي لم تكن في الحكم , لا يعني بأي حال فشل المنهج الماركسي أو المنهج المادي العلمي المتطور كأداة للتحليل أو فشل الفكر الاشتراكي بشكل عام. فالفكر الماركسي يرفض الاستغلال والاستعباد وقهر الإنسان والاستعمار والاضطهاد القومي ويدعو إلى الحرية والديمقراطية وتحقيق العدالة الاجتماعية. ولهذا لم يكن فرنسيس فوكوياما في كتابه الموسوم “نهاية التاريخ” على صواب , إذ سرعان ما تراجع عنه , حين تراءا له بأن الاشتراكية ماتت وأن الرأسمالية انتصرت وإلى الأبد , إذ لا يمكن تصور العالم دون حركة دائبة وتطور مستمر وتغيير غير منقطع , كما لم يكن الراحل صموئيل هنتنكتون على صواب حين حاول إبعاد الأنظار عن الصراع الطبقي , عن الصراع بين العمل ورأس المال , واعتبار أن الصراع قد أصبح يدور في المجال الديني , صراع بين أتباع الأديان , وخاصة صراع الحضارة المسيحية الغربية ضد الحضارة الإسلامية الشرقية , أو صراع المسيحيين ضد المسلمين بشكل خاص , كما تجلى وورد في كتاباته التي نشرت منذ أوائل التسعينات , ثم في كتابه الموسوم “صدام الحضارات” الذي صدر في العام 1996.
لقد لعبت الأحزاب الشيوعية في الدول العربية وفي عموم منطقة الشرق الأوسط دوراً مهماً وكبيراً في نضال شعوبها باتجاهات عدة , فقد:
1 . شاركت بفعالية وطليعية في عملية التنوير والتوعية الفكرية والسياسية في مجتمعات كانت في الغالب الأعم متخلفة اقتصادياً ويسيطر على شعوبها الفكر الديني الغيبي والخرافات والمؤسسة الدينية المحافظة؛
2 . وشاركت بفعالية في النضال ضد الهيمنة الاستعمارية الأجنبية وحققت مع القوى الأخرى والجماهير الشعبية نجاحات مهمة على هذا الطريق؛
3 . كما شاركت في النضال من أجل حل المسألة الزراعية لصالح فقراء وصغار الفلاحين لتصفية العلاقات الإنتاجية الأبوية وشبه الإقطاعية الاستغلالية المتخلفة؛
4 . وشاركت في النضال من أجل بناء حياة سياسة حرة وديمقراطية وحياة دستورية مؤسسية؛
5 . وشاركت في النضال من أجل تحرير المرأة وحريتها ومساواتها بالرجل ودورها في الحياة العامة؛
6 . كما ناضلت من أجل التصنيع باعتباره الأساس المادي للتنمية الاقتصادية المستديمة وضد تشوه البنية الاقتصادية الوحيدة الجانب وضد الاستغلال والبطالة والفقر والحرمان؛
7 . وناضلت من أجل تغيير البنية الاجتماعية المتخلفة لصالح نشوء الطبقات والفئات الحديثة , الطبقة العاملة والبرجوازية الصناعية , وتوسيع قاعدة المثقفين ودورهم في الحياة العامة؛
8 . وعملت من أجل تعزيز العلاقات بين شعوب ودول العالم العربي والتضامن النضالي لتحريرها وانتزاع سيادتها واستقلالها الوطني , ومن أجل التنسيق والتكامل الاقتصادي.
9. كما ناضلت ضد الصهيونية منذ تأسيسها وساندت نضال الشعب الفلسطيني في سبيل التخلص من الهيمنة البريطانية وإقامة الدولة الفلسطينية العلمانية حيث يعيش أتباع كل الديانات تحت شعار ” الدين لله والوطن للجميع “.
10 . وفي هذا النضال قدمت كل الأحزاب الشيوعية في منطقة الشرق الأوسط , ومنها بشكل خاص الحزب الشيوعي العراقي , التضحيات الكبيرة من أجل تلك الأهداف النبيلة و من أجل مجتمع أفضل وحياة أكثر سعادة وبهاءً وعدالة وسلاماً. وقد كانت السجون العراقية مليئة بمناضلي هذا الحزب ومؤيديه , وبشكل خاص في أعقاب الحرب العالمية الثانية.
ولكنها في الوقت نفسه ارتكبت بعض الأخطاء في هذا النضال , وليس هناك من حزب سياسي يناضل في بلد مثل بلداننا لا يرتكب بعض الأخطاء صغيرة كانت أم كبيرة. وأبرز تلك الأخطاء علاقة تلك الأحزاب بالمرجعية السوفييتية التي لم تساهم في تعزيز استقلاليتها ودورها الفكري والسياسي , بل ساهمت بقوة في خلق أو نشوء إتكالية فكرية وسياسية كبيرة وغير اعتيادية من خلال الاعتماد على الفكر والسياسة التي أنتجها مركز الحركة الشيوعية , الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي والمؤسسات الفكرية السوفييتية أو الأخذ بمبدأ دكتاتورية البروليتاريا. لقد أدت هذه الاتكالية إلى خمول وكسل فكريين لدى قادة وكوادر الأحزاب الشيوعية وإلى ضعف المبادرة في التفكير واكتشاف الجديد والتحليل المستقل بما يتناغم وواقع بلدانهم بشكل عام. ولم تكن هذه الحالة عامة وشاملة , إذ كانت هناك استثناءات واضحة. فسياسة فهد الداخلية وصياغته لشعارات الحزب النضالية وربطه القضايا الوطنية العامة بمصالح الفئات الاجتماعية كانت معبرة بصورة دقيقة عن واقع العراق الفعلي , في حين كانت سياساته وماقفه الأممية أو الدولية متطابقة مع السياسات السوفييتية , رغم أنها لم تكن بالضرورة متطابقة مع الواقع والحاجة العراقية.
لا شك في أن مرجعية الأحزاب الشيوعية للكومنترن والأممية الثالثة , رغم حل الكومنترن في العام 1942 , كان يعني مرجعية الحزب الشيوعي السوفييتي للحركة الشيوعية كلها , وكان هذا الموقف خطأ فادحاً بالنسبة للحركة الشيوعية , إذ أن الدولة السوفييتية كانت تُخضع تلك المرجعية الشيوعية لصالح سياساتها الدولية والإقليمية وليس بالضرورة لصالح الحركة الشيوعية أو لهذا الحزب أو ذاك في البلد المعني , وهذا ما حصل فعلاً في فترة حكم البعث , على سبيل المثال لا الحصر , حيث كانت العلاقات السوفييتية مع الدولة البعثية في العراق وعلاقات الحزب الشيوعي السوفييتي مع حزب البعث هي الأخرى متينة حتى حين أنهى حزب البعث تحالفه مع الحزب الشيوعي العراقي بالقوة , إذ مرّ خلال ثلاث سنوات أكثر من 100 ألف عراقية وعراقي بمعتقلات وأجهزة أمن النظام حيث أُجبر الحزب الشيوعي العراقي على مغادرة “الجبهة الوطنية والقومية التقدمية” وإنهاء التحالف على طريقة “أخاك مجبر لا بطل!”, ولكن الحزب الشيوعي العراقي لم يلتزم بالموقف السوفييتي ولم يأخذ بنصيحة الحزب الشيوعيي السوفييتي , الأخ الأكبر , بضرورة العودة إلى التحالف مع البعث والدولة البعثية , بل رفع السلاح بوجه حزب البعث وحكمه لحماية رفاقه ونفسه وشارك مع القوى الوطنية الأخرى , ومنها الأحزاب الكردستانية وبعض القوى العربية والآشورية في النضال ضد حكم البعث الصدامي الإجرامي , الذي التزمته بعض القوى القومية العربية , وبشكل خاص المؤتمر القومي العربي , ونست أو تناست جرائمه بحق الشعب وشوفينيته وعنصريته وأساليبه السياسية والقمعية الفاشية التي طالت قوى قومية وقوى بعيثية أيضاً. لقد واجهت الأحزاب الشيوعية الكثير من المصاعب وعانت منها في ظل تلك الأوضاع السيئة التي سادت في الدول العربية وغياب الحياة الدستورية الديمقراطية. ونتيجة لتلك التعقيدات والأوضاع وبسبب المرجعية السوفييتية بشكل مباشر أو غير مباشر , ارتكبت الأحزاب الشيوعية في الدول العربي العديد من الأخطاء , ولكنها ساهمت بالكثير من الجوانب المشرقة في النضال الوطني والقومي. ولكن هكذا نشأت هذه الأحزاب في ظل الأممية الثالثة وتحملت عبء الدفاع عن الدولة السوفييتية الفتية في ظل أهداف هذه الدولة التي عكست مع نهوضها حلم البشرية في التخلص من الاستغلال والفقر والفاقة والعيش في أجواء الحرية والديمقراطية والسلام. ومن المؤسف أن هذه الدولة , وكذلك الدول الديمقراطية الشعبية المماثلة لها التي نشأت في أعقاب الحرب العالمية الثانية وكانت أعضاء في مجلس التعاضد الاقتصادي , لم تلتزم بذلك الحلم الإنساني النبيل بل أخلت بمبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان , ومن ثم أخلت بالعدالة الاجتماعية , الذي كان شعارها الأول , وحولت أحزابها ودولها إلى خدمة البيروقراطية الحزبية والحكومية , خدمة النخبة الحاكمة التي أدانتها منذ البدء روزا لوكسمبورغ , إذ رأت فيها بنظرة ثاقبة ما يمكن أن يحصل في بلد متخلف يريد بناء الاشتراكية بإقلية حزبية. وهذا الاتجاه في المدرسة اللينينية , هو الذي هيمن على هذه الأحزاب والدول وهو الذي ألحق أفدح الأضرار بالفكر الماركسي واساء على منهجه العلمي , إذ باسمه جرى كل ذلك , في حين أن هذه الأحزاب في الدول الاشتراكية لم تلتزم بالمنهج الماركسي , بل التزمت بالفكر اللينيني والستاليني حتى بعد إدانتها للفكر الستاليني وممارساته الإرهابية بحق الشعوب السوفييتية وبحق الشيوعيين الألمان وهيمنته الفعلية على سياسة الدول الاشتراكية والأحزاب الشيوعية فيها , وعلى العلاقة مع الكثير من الأحزاب الشيوعية في الدول العربية , ومنها الحزب الشيوعي السوري بأغلب تكتلاته , والذي لا يزال يعاني من تبعات تلك السياسة رغم غياب الاتحاد السوفييتي مثلاً.
ولهذا كانت الهزة شديدة حين انهارت الدولة السوفييتية في صفوف الأحزاب الشيوعية والحركة اليسارية في الدول العربية وفي بلدان كثيرة أخرى. وقد بدأ بعضها بإعادة النظر بالجوانب الفكرية والسياسية , بعضها نجح نسبياً , وبعضها الآخر لم ينجح في ذلك , وبعضها الثالث لم يجد ضرورة لإعادة النظر بكل ما حصل واعتبر أن ما حصل في الاتحاد السوفييتي لم يكن سوى مؤامرة خارجية على الدول الاشتراكية! وعجز عن رؤية النخر الداخلي الذي مارسه الحزب ومارسته الدولة السوفييتية ذاتها بنظامها البيروقراطي الشمولي. وهؤلاء لا زالوا على النهج سائرين , وهم يصطدمون يومياً بحقائق الحياة ولكنهم لم يعودوا قادرين على التغيير ووعي الواقع الجديد في العالم. والمثل الإنجليزي يقول : ” الحقائق صخور صلدة من لا يعترف بها يصطدم بها ويشج رأسه”.
لقد بذل الحزب الشيوعي العراقي جهداً على هذا السبيل , ولكني لم اجد هذا كافياً , لهذا وجهت رسالة مفتوحة لقيادة وأعضاء الحزب الشيوعي العراقي قبل عقد مؤتمرة الثامن ضمنتها تصوراتي الشخصية عن وضع الحزب وضرورات التغيير ومجالات هذا التغيير في الفكر والتنظيم والسياسة. ليس من حقي ولا أريد أن افرض رأيي على الحزب الشيوعي العراقي , إذ لا أملك بدوري وبالضرورة الحقيقة جزئياً أو كليا. والمسألة بالمحصلة النهائية تعود للحزب ذاته وهو الذي يقرر كيف يفترض فيه أن يمارس سياساته , وعلى القوى ان تحترم السياسات التي يقررها أي حزب من الأحزاب مع الاحتفاظ بحقها في النقد , إذ أن هذه الأحزاب تدخل ضمن الشأن العام الذي يمكن ويجب نقدها حين يستوجب الأمر ذلك. والمشكلة لدى بعض الأشخاص أنهم لا يسمعون إلا صوتهم وحين يرون صورتهم في المرآة يرون وجوهم جميلة , في حين يرى الآخرون شيئاً آخر. فهم ينتقدون الآخر , ولكنهم لا يدركون مدى الأخطاء التي يرتكبوها في كتاباتهم , سواء بالمقالات التي ينشرونها أم في بعض التعليقات التي ترد على بعض المقالات. وأدعي أن السيد سلامة كيله أحدهم.
لا شك في أن التحالف مع حزب البعث العربي الاشتراكي كان خطأً تاريخياً ارتكبته قيادة الحزب الشيوعي العراقي , وكنت أحدهم وأتحمل مسؤوليتي في هذا أيضاً. وقد أصدر الحزب الشيوعي العراقي تقييما لتلك الفترة حيث سجل بوضوح الأخطاء التي ارتكبها في هذا الصدد , وكنت أحد أعضاء اللجنة الثلاثية التي وضعت مسودة ذلك التقييم في دمشق في العام 1981. ولا بد لي هنا من الإشارة الواضحة إلى أن رفع شعار “معاً نحو بناء الاشتراكية” لم يدرس في اللجنة المركزية التي كنت عضواً فيها , وفوجئ المؤتمر الثالث بالشعار وهو معلق في أحد اركان خيمة المؤتمر. وكان المسؤول عن رفع هذا الشعار السكرتير الأول والمكتب السياسي وسكرتارية اللجنة المركزية. ومع ذلك تتحمل القيادة كلها هذا الخطأ الفادح. كما أن القول بأن صدام حسين هو كاسترو العراق , كان بدوره من تحليلات وعنديات السيد عزيز محمد , السكرتير الأول للحزب , وربما بالتنسيق مع المكتب السياسي والسكرتارية أو مع بعض الأعضاء فيهما , حينذاك , ولم يكن في الحزب سوى قلة قليلة تفكر بهذه الطريقة. وحين التقيت بصدام حسين أكثر من ساعة ونصف الساعة في شهر أيلول/سبتمبر 1976 أثناء انعقاد المؤتمر الزراعي , أي بعد المؤتمر الثالث للحزب الشيوعي العراقي بعدة شهور , ووجهت نقداً صريحاً لسياسة البعث إزاء مجمل الوضع في العراق وإزاء مواقفه من الحزب الشيوعي العراقي , إضافة إلى ما طرحته من على منصة المؤتمر من نقد شديد لسياسة البعث علناً ونقل عبر شاشات التلفزة وشاهدته جمهرة كبيرة من العراقيات والعراقيين. وفي حينها أبلغت الحزب بتقرير شاف وواف عن اللقاء وتفاصيل النقاش وخلاصته أن التحالف مع البعث قد اصبح من الماضي وأن البعث متجه صوب تصفية علاقاته مع الحزب الشيوعي وعلى الحزب أن يأخذ حذره. لم أكن متفقاً مع هذا الشعار البائس. اليكم هذه الحقيقة. في الوقت الذي أعدم صدام حسين 34 شيوعياً وديمقراطياً في العراق , قام صدام حسين في الوقت نفسه بإرسال منحة مالية إلى كوباً قدرها مائة مليون دولار أمريكي ,و على إثر ذلك منح فيدل كاسترو أكبر وسام كوبي , وسام خوزيه مارتيه لهذا الدكتاتور بعد أن نظمت زيارة خاصة له إلى كوبا. وحين حضرت المؤتمر السادس للحزب الشيوعي الكوبي في العام 1985 ممثلا ً عن الحزب , قدمت احتجاجاً شفوياً على ذلك العمل المشين وتحدثت مع سكرتارية اللجنة المركزية إزاء تلك الإساءة التي لحقت بالحزب والتغطية المقصودة على عمليات الإعدام التي مارسها صدام حسين في العراق.
لقد كان الخطأ الكبير الذي ارتكبته قيادة الحزب في حينها , كما أرى , قد برز في قناعة قيادة الحزب الشيوعي بطريق التطور اللارأسمالي صوب الاشتراكية , والذي انتقدته في المؤتمر الثاني للحزب الشيوعي في العام 1970 حين طرحه الرفيق الراحل عامر عبد الله في المؤتمر , كما انتقدت الوجهة في أكثر من دراسة ومقال لي في الستينيات في مجلة دراسات عربية اللبنانية وفي مجلة الطليعة المصرية في العام 1968 وفي رسالة الدكتوراه التي دافعت عنها في الشهر الأول من عام 1968 , والتي كانت تبحث في “طبيعة إجراءات التأميم في جمهورية مصر العربية” , حيث أشرت فيها إلى أن هذا الطريق يمكن أن يتحقق تحت قيادة الطبقة العاملة وحزبها الشيوعي فقط , إذ يمكن للبرجوازية الصغيرة أن تتخذ جملة من الإجراءات لكنها لا يمكن أن تقود النضال على هذا الطريق صوب الاشتراكية. كنت مخطئاً في مسألة واحدة وهي أن ليس هناك طريقا باسم طريق التطور اللارأسمالي أصلاً ومن حيث المبدأ , وكنت مقتنعاً بأن البرجوازية الصغيرة عاجزة عن وعي وإدراك واستيعاب أهمية وضرورة الديمقراطية والمؤسسات الديمقراطية للمجتمع , وأنها أقامت نظماً استبدادية في الدول العربية حيثما وصلت إلى السلطة. وتقدم سوريا خير دليل على طبيعة البرجوازية الصغيرة وسلوكها واستبدادية نظامها السياسي القمعي , وكذا الحال بالنسبة إلى ليبيا أو العراق في عهد البعث المشئوم. كما يتجلى الاستبداد في الفكر القومي اليميني والشوفيني , بل حتى في الفكر القومي المتياسر.
22/1/2009 كاظم حبيب
انتهت الحلقة الثالثة وتليها الحلقة الرابعة حول الرأسمالية والاشتراكية.