الرئيسية » مقالات » الكورد وثقافة الإنتحار

الكورد وثقافة الإنتحار

نشرت مؤخراً العديد من المواقع الإلكترونية والتي تهتم بالشأن الكوردي، خبراً عن اللجان والمنظمات الحقوقية الكوردية وهي تكشف عن حالات (إنتحار) متكررة بين الجنود السوريين الكورد؛ حيث كتبت إحدى تلك المنظمات الآتي: “علمت المنظمة الكردية للدفاع عن حقوق الإنسان والحريات العامة في سوريا (DAD)، في هذا اليوم الاثنين (19.1.2009) أن العسكري برخدان خالد حمو من أهالي قرية بوراز التابعة لمنطقة عين العرب (كوباني) – محافظة حلب. قد قتل في ظروف غامضة، أثناء تأديته الخدمة الإلزامية في إحدى القطعات العسكرية في محافظة الحسكة. هذا وقد تابعت المنظمة الكردية للدفاع عن حقوق الإنسان والحريات العامة في سوريا (DAD)، في الفترة الأخيرة بقلق بالغ تكرار حوادث قتل في ظروف غامضة لمواطنين من أصول كردية يؤدون الخدمة الإلزامية في الجيش السوري، ففي يوم 14 / 1 / 2004 سلمت السلطات السورية جثة العسكري محمد بكر شيخ دادا من أهالي ناحية راجو التابعة لمنطقة عفرين – محافظة حلب، والذي كان يخدم في الفرقة الخامسة اللواء 17 في محافظة درعا، إلى ذويه مدعية أنه أقدم على الانتحار، كما سلمت السلطات السورية أيضاً في 27 / 12 / 2008 جثة العسكري إبراهيم رفعت جاويش من أهالي قرية قسطل – ناحية بلبل التابعة لمنطقة عفرين – محافظة حلب، والذي كان يخدم في الفرقة العاشرة بدمشق، إلى أهله مدعية أيضاً بأنه أقدم على الانتحار، كما سلمت السلطات السورية أيضاً في 21 / 12 / 2008 جثة العسكري سوار تمو من أهالي قرية كردو التابعة لناحية الدرباسية – محافظة الحسكة والذي كان يخدم في الكلية الفنية الجوية بحلب، إلى أهله مدعية أيضاً وأيضاً بأنه أقدم على الانتحار”. إلى هنا وينتهي الخبر.
قبل أن ندخل في صلب الموضوع ومن بعد هذه المقدمة/ الخبر لنقم بتعريفات أولية حول مفاهيم الإنتحار وأسبابه ودوافعه وذلك من وجهة نظر علم النفس السايكولوجي وكذلك مدى إنتشار وتقبل أو رفض المجتمعات الشرقية ومنها المجتمع الكوردي لهذه الظاهرة/ (الثقافة). ولكن وقبل الخوض في كل هذه التفاصيل علينا أن نلاحظ بأن ظاهرة الانتحار لا تقتصر على جيل أو فئة ومكون إجتماعي بعينه وذلك على الرغم من أن بعض الدراسات تؤكد على أن جيل الشباب هم الأكثر عرضةً لهذه الظاهرة، وذلك ما تقول به بعض فرق البحث الدولية والتي تهتم بقضايا الانتحار بـ”أن من هم في سن الشباب الذين تترواح أعمارهم بين (18 و34) والعزاب والاناث وأصحاب المستوى التعليمي المتواضع والمرضى نفسياً هم الاكثر عرضةً لخطر الانتحار أينما وجدوا”. بينما يقول الفريق الآخر وعلى لسان الباحث عبد الدائم الكحيل بأن “قابلية الانتحار لدى الشخص تكبر مع تقدم سنّه، ولذلك نرى بأن هنالك أعداداً معتبرة بين الذين يموتون منتحرين وأعمارهم تتجاوز 65 عاماً. وهؤلاء معظمهم من الرجال”. وهكذا فقد كشفت دراسة قام بها فريق دولي وشملت بيانات لنحو 85 ألف شخص في 17 دولة متقدمة ونامية حول العالم عن وجود أنماط وسلوكيات متشابهة، واكتشف الفريق أن 9.2 % فكروا في الانتحار في حين 2.7 % هم من حاولوا الانتحار.
وهكذا فإننا نجدها ظاهرة دولية؛ نقول عنها ظاهرة كون “عدد حالات الانتحار في العالم تصل إلى أكثر من 800 ألف حالة وذلك كل عام، وذلك حسب إحصائيات الأمم المتحدة” وتعاني منها المجتمعات المتقدمة والمتخلفة، فما هي العوامل المحرضة للانتحار. ولكن وقبل ذلك لنقدم التعريف العلمي – السايكولوجي لهذه الظاهرة؛ فمن وجهة النظر الأخصائي السريري العيادي فإن الانتحار هو: “أذى الذات وتحريرها من عذابها وألمها النفسي بما فيه تعريف للخلاص الحسي النفسي. فالانتحار بمفهوم معين يسمى الألم النفسي فيه الجسد يستهدف”. إذاً الانتحار هو فعل أو سلوك يقوم به شخص يائس أو مُحبط للتخلص من حياته أو الهروب من واقعه وكذلك يمكن تعريف هذه الظاهرة أو السلوك على أنها سلسلة من الأفعال – والأصح ردود الأفعال – والتي يقوم بها الفرد محاولاً من خلالها تدمير حياته ووجوده بنفسه وذلك دونما تحريض أو بتحريض – وبشكل غير مباشر – من طرف أو جهة آخرى ويمكن القول أيضاً بأنها تضحية بالذات لقيمة نضالية إجتماعية وسياسية ما.
فما هي الأسباب والدوافع الكامنة خلف هذه الظاهرة والتي تدفع بهذه الأعداد المرعبة والمرعوبة إلى حافة اليأس والموت إنتحاراً. يقول ماثيو نوك الباحث في جامعة هارفارد بأنه “في الدول ذات الدخول المرتفعة مثل الولايات المتحدة كانت اضطرابات المزاج كالاكتئاب هي أقوى عوامل الخطر، بينما في الدول ذات الدخول المنخفضة والمتوسطة مثلت اضطرابات التحكم في الاعصاب والادمان واضطرابات القلق الخطر الاعظم”. وكذلك فإن أحد الأخصائيين وهوالدكتور نمر سعيد يؤكد على أن هناك خلفيات عديدة “للإندفاعية الانتحارية” منها “نابعة من آسى اكتئابي شديد” وهي الأعم والأغلب ومنها تكون بدوافع “إندفاعية هدامة للذات” وهي تكون على الغالب عند الأشخاص الذين يعانون من حالات إضطرابية في الشخصية؛ حيث يقول د. سعيد بأن: “الإنسان المنتحر أو المقدم على الانتحار، يكون عادةً منطوياً على نفسه، منغلقاً جداً، إسودادي الفكر والبال، معرقلاً فكرياً وسلوكياً لمهامه وقدراته”.

تلك كانت وجهة النظر العلمية، فما هي الأسباب المحرضة لهذا السلوك الإنساني من وجهة نظر فقهاء الدين الإسلامي؛ إنه “البعد عن المنهج الالهي وضعف الايمان واتباع الهوى ووساوس الشيطان والتقصير في العبادات.. في ظل الظروف الاسرية والاجتماعية المعقدة وانحراف البيئة التي يعيش فيها الفرد وضعف الايمان في الوسط الاجتماعي الفاسد اضافة الى عدم تطبيق احكام الشريعة في شؤون الحياة، ومبادئ وقيم الاسلام والنظرة الشرعية للحياة من خلال الاسرة وعبر دور التربية والتعليم والمساجد والمؤسسات ذات العلاقة وكذلك عدم المبالاة في مشكلة الشخص (المنتحر) كمشكلة يجب أخذها بمحمل الجد، وايلاء الروابط الاجتماعية والصلاة الاخوية والاهمية التي تستحقها”. وبالتأكيد فإن مواقف رجال الدين هذا يستند على عدد من الآيات القرآنية وكذلك الأحاديث التي تنهي الإنسان عن فعل الانتحار؛ حيث إننا نجد العديد من الآيات التي تحرم ذلك منها على سبيل الذكر: ” (ولاتقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا) وكذلك (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ) وأيضاً في قوله: (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) ومن ثم تبيان العقوبة التي تترتب على هذا القتل إذ تقول الآية: (ومن بفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا) وكذلك جاء في الأحاديث الصحيحة عن الرسول، التحذير الشديد من هذا القتل، إذ جاء في رواية أخرجها أبو داود عن طريق أبو هريرة بأن: “من حسا سماً فسمه يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبدا”.
والآن وبعد الوقوف على ظاهرة الانتحار وأسبابها ودوافعها وأرقامها المرعبة وعندما نعود للظاهرة الجديدة/ القديمة؛ ظاهرة (إنتحار) الجنود والعساكر الكورد في وحدات وقطعات الجيش السوري فإننا سوف نصطدم بأرقام لا تقل رعباً عن التي ذكرناها حسب ما توفرت لنا من إحصائية للأمم المتحدة بخصوص الظاهرة؛ حيث كتب أحد الأخوة مؤخراً (جومرد هه واري) بأنه “منذ الانتفاضة (أي إنتفضة آذار لعام 2004 – التوضيح من عندنا) وحتى الآن لا يزال قتل المجندين الكورد على أيدي المجرمين البعثيين مستمراً، حتى وصل العدد الآن إلى 13 شهيداً، ولعفرين النصيب الأكبر بعدد الشهداء/ 5 شهداء /، وكل ما يقوله المجرمون هو أن هؤلاء المجندين قد انتحروا!، فهل نصدق ادعاءات هؤلاء المجرمين؟”. ويذكر كاتب المقال جدولاً بأسماء أولئك المجندين والوحدات العسكرية التي كانوا يخدمون بها وكذلك تواريخ وفاتهم أو “إستشهادهم”. وسوف نرفق الجدول مع مقالنا هذا وذلك بعد الإذن من الأخ (جومرد هه واري).
إن الظاهرة بحق مقلقة ومربكة وهي في الوقت نفسها بعيدة عن الأخلاقيات والسلوكيات التي نعرفها عن المجتمع والبيئة الكوردية عموماً، مع العلم بأننا لا ننكر بأن مجتمعنا الكوردي هو الآخر يتلاقح مع الثقافات الأخرى. وبالتالي فما يصيب تلك المجتمعات لسوف يصيب مجتمعنا من أمراض وسلوكيات إجتماعية جديدة ومنها ظاهرة الانتحار وخاصةً في ظل ما تشهدها سوريا – وعلى الأخص المناطق الكوردية – من سياسات أمنية قمعية إستبدادية وكذلك حالة الحصار الاقتصادي بفعل مراسيم شوفينية كالمرسوم الجمهوري رقم (49) السيء الصيت وغيرها من المراسيم والقوانين الاستثنائية؛ (الحزام العربي والاحصاء العنصري) مما خلق الأجواء المناسبة للكثير من الأمراض الاجتماعية وذلك نتيجةً لإزدياد الفقر ونسب البطالة وخاصةً بين جيل الشباب. ولكن وعلى الرغم من كل ما سبق ولكون المجتمع الكوردي ما زال مجتمعاً ريفياً نقياً وحاملاً للكثير من القيم والسلوكيات التي يمكن أن نقول بأنها تعلم الانسان الكوردي على الجلد والصبر وتحمل الصعاب وذلك بفعل الارتباط بالأرض والعمل الشاق الذي يتطلبه. وكذلك لكون مجتمعنا ومنذ نصف قرن يوجه أخلاقياً وسلوكياً من قبل الحركة والأحزاب الكوردية فمن النادر جداً أن لا تجد كوردياً قد مارس العمل السياسي يوماً ما، وأيضاً للإسلام وتحريمه للانتحار دوره في منع أولئك الشباب (الجنود) من الاقدام عليه. وهكذا فأقل ما يمكن أن يقال عن ظاهرة (إنتحار الجنود الكورد) في وحدات الجيش السوري بأنها: مقلقة ومربكة ليس لنا فقط وإنما كذلك للذين يعرفون خلفياتها ولأولئك الذين يقفون وراءها.
وأخيراً فإننا نتساءل بدورنا: هل يعقل أن يقدم كل هؤلاء الشبان على الانتحار بحيث يدعي أحدنا ويقول ربما هناك “الدافع التشجيعي” والأصح التحريضي على الفعل التدميري للذات وبالتالي الدعوة للبحث عن الدوافع والعوامل “المشجعة”/ المحرضة لذاك الفعل والوقوف عليها للحد منها وأيضاً هل الظاهرة (ظاهرة الانتحار) هي منتشرة فقط بين أولئك الجنود الكورد أم هي ظاهرة عامة في صفوف الجيش السوري ولماذا لا نجد صداها في الإعلام السوري وكذلك لما وزارة الدفاع في سوريا هي واقفة (مكتوفة) اليدين أما الظاهرة هذه وذلك إن لم (نسيء الظن) بها وبالقضية برمتها لنقول علناً بأن: هم من يقفون وراءها وبأن القضية بمجملها مفبركة من تلك الجهات الأمنية وأن موت أولئك الجنود ليس (إنتحاراً) وإنما عمليات قتل عمدٍ (بشكل مباشر أو غير مباشر) وذلك إما تحت التعذيب أو بحجة “التدريب” وأحياناً بتفعيل النعرات القومية ومن ثم التستر على القتلى من بعض الغوغائيين من (رفاق) أولئك الجنود الكورد الذين يخدمون سوياً. وبالتالي فإن القضية – ومهما كانت ملابساتها – يتطلب منا جميعاً الوقوف عندها والدعوة للهيئات والمنظمات الدولية في التحقيق بها ومحاسبة الأفراد والجهات المسؤولة عنها وذلك بعد الكشف عن كل الملابسات، وهذه لا تقع فقط على عاتق الأحزاب والهيئات والمنظمات الحقوقية الكوردية وإنما هي مسؤولية الجميع؛ كون القضية هي قضية وطنية عامة وإن كانوا الضحايا هم من أبناء مكون إجتماعي أتني واحد دون غيرهم، ألا وهم أبناء شعبنا الكوردي في الإقليم الغربي لكوردستان المستعمرة.

إقليم كوردستان – 2009
………………………………………………………………………………………………………………..

قائمة بأسماء المجندين الكورد الذين استشهدوا أثناء تأديتهم للخدمة العسكرية منذ الانتفاضة :

1- محمد شيخ محمد – قرية سنارة / عفرين
مكان الخدمة : القطيفة
تاريخ الاستشهاد: 23/10/2004
2- محمد ويسو علي – كوبانيه – تولد: 1987
اللواء 157 – استشهد نتيجة التعذيب
تاريخ الاستشهاد : 28/3/2006
3- ادريس محمود موسى – قرية تل حبش/ عامودا – تولد: 1981
توفي نتيجة التعذيب لدى الشرطة العسكرية لدير الزور
تاريخ الاستشهاد: 29/2/2008
4- فرهاد علي سيف خان – قرية قروف / كوبانيه – تولد: 1989
مكان الخدمة: الدفاع الجوي /سويداء
استشهد بعد أربعة أشهر من التحاقه بالخدمة العسكرية
تاريخ الاستشهاد: 3/7/2008
5- شيار يوسف – قرية ديكيه/عفرين – تولد 1990
مكان الخدمة : الفرقة الخامسة / درعا
تاريخ الاستشهاد : 7/4/2008
6- سوار تمو – قرية كوردو/ درباسية – تولد :1988
مكان الخدمة: الكلية الفنية الجوية بحلب
رصاصتان في الرأس
تاريخ الاستشهاد:21/12/2008
7- عكيد نواف حسن – قرية تل أيلون/ درباسية
ثلاث طلقات في الصدر
تاريخ الاستشهاد: 2/8/2008
8- ابراهيم رفعت جاويش – قرية قسطل مختار – ناحية بلبل/ عفرين – تولد: 1990
مكان الخدمة: الفرقة العاشرة في دمشق
رصاصة بالرأس
تاريخ الاستشهاد : 27/12/2008
9- محمد بكر شيخ دادا قرية :عداما – ناحية راجو/ عفرين – تولد : 1989
مكان الخدمة : الفرقة الخامسة – اللواء 17 /محافظة درعا
تاريخ الاستشهاد :13/1/2009
10- برزان محمود عمر – ضاحية علايا
استشهد نتيجة الضرب والتعذيب
مكان الخدمة : قرب الحدود السورية – اللبنانية
تاريخ الاستشهاد : 13/4/2008
11- لقمان سامي حسين – قرية : بسكيه/ عفرين – تولد: 1986
مكان الخدمة : حمص
تاريخ الاستشهاد : أواسط أيار/2008
12- الرقيب المجند: قاسم حامد – محافظة الحسكة – تولد : 1982
خريج معهد متوسط
مكان الخدمة : منطقة الكسوة – جنوب العاصمة دمشق
طلقات بالرأس وباقي أنحاء الجسم
تاريخ الاستشهاد : 11/6/2004
13- برخدان خالد حمو قرية: بوراز/ كوبانيه
مكان الخدمة : محافظة الحسكة
تاريخ الاستشهاد : 19/1/2009